"أنظر إلى تونس ومصر وليبيا بإعجاب كبير جدا لشجاعة ومثالية الشعب الذي قرر الأمر برمته، وقام به لكني أخاف على مستقبل هذه الدول الثلاث، إن لم تكن التغييرات الجارية فيها مصحوبة باستقرار اقتصادي واجتماعي وسياسي"
بيتر كانديلا
فوجيء الزملاء والأصدقاء بحماسي المحدود للربيع العربي. هم يتوقعون من نشط في مجال حقوق الانسان مثلي بخبرة تقارب الـ 40 عاما أن يطير فرحا بالتغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط . والمشكلة هي أنه مهما كنت أتوق الى التغيير الديمقراطي في تلك المنطقة، ليس بيدي إلا أن أرى الوضع من خلال منطور تجربتي العراقية، وعلى المستوى الشخصي يتركني هذا متشائما.
لقد ولدت في الموصل، شمالي العراق. وعاشت أسرتي في الجزء المسيحي القديم من المدينة، ولعبنا دورا نشطا في المجتمع المسيحي حتى انتقلنا الى بغداد عندما كنت في الثامنة من عمري.
في بغداد، عشنا في منطقة أكثر اختلاطا، وجيراننا كانوا من مختلف المذاهب والطوائف والقوميات. وكنا اطفالا نلعب كلنا معا، على الرغم من هذا، كنت واعيا بالاختلافات بيننا، وكنا ندخل ونخرج من منازل بعضنا البعض دون تمييز بين منزل وآخر.
وبالطبع، أتذكر الانقلابات والاطاحة بالنظام الملكي في العام 1958، وانتشار القوات في الشوارع، وبقائنا أطفالا داخل البيوت، بينما تصدح الموسيقى العسكرية في الراديو. وتعلمت كيف كانوا - الراشدون منا - ينظرون حولهم ويغلقون الأبواب قبل أن يتحدثوا في السياسة؛ لكني تركت كل هذا وراء ظهري عندما ذهبت في بعثة دراسية لدراسة الطب في الهند، كان عمري وقتها 17 عاما.
وفي الهند اكتشفت متعة حرية التعبير، وبدأت أكتب المقالات وأتحدث بلا خوف. لذا، عندما وصلت الى لندن في العام 1972، لأبدأ العمل كطبيب في مستشفى في مانسفيلد، كان يملأني الولع بالكلمات الكبيرة؛ الحرية والعدالة والديمقراطية.
ومن حينها، وأنا أراقب وأتابع عن بعد ما يحدث في العراق تحت الأنظمة الطاغية المتعاقبة. وكنت مضطرا إلى أن انتظر الحصول على جواز سفر بريطاني قبل أن أكون قادرا على زيارة العراق، وحتى بعد حصولي على جواز السفر البريطاني كنت اضطر الى أن أنتظر الوقت المناسب للزيارة؛ لأتجنب الحروب العراقية مع ايران بداية ثم مع الكويت. وعلى الرغم من كل هذا العناء كنت سعيدا أن أرى أسرتي ثانية، وأزور مجددا الأماكن التي أمضيت فيها طفولتي.
ثم جاء غزو العراق العام 2003. ورغم أني عارضت هذا الغزو، بشكل لا لبس فيه، ما أزال مبتهجا لسقوط تمثال صدام حسين. وفي داخلي، كنت أتمنى بشدة أن يكون كل ما قاله توني بلير هو الصواب وأن اكون أنا على خطأ.
حسنا، للعراق الآن ديمقراطية دستورية، ببرلمان ينعقد بشكل منتظم( داخل المنطقة الخضراء في قلب بغداد، وهي المنطقة كثيفة الحراسة بالطبع)، ومع هذا، الحياة بالنسبة للشعب العراقي تتدهور أكثر وأكثر. ويظل الأمن مشكلة كبرى. فالاختطاف والعمليات الانتحارية والفساد والتفجيرات كلها ماتزال تتواصل، والجماعات والتجمعات الدينية الكبرى تعيش في الأغلب في مجاورات مغلقة. والأقليات كالمسيحيين اضطروا الى الهجرة خارج البلد. وكل أقاربي، باستثناء اخت لي اضطروا الى الهرب من العراق فرارا بأرواحهم.
ثم هناك شكل من الخوف أكثر غدرا، وهو الذي يجمع بين الفقر وغياب القانون. لقد بين موضوع منشور قريبا في الموقع الالكتروني العراقي "الجيران" الأعداد الكبيرة من النسوة والأطفال الذين أجبروا على التسول في الشوارع، وألقى الضوء على الانتهاكات الجنسية التي يتعرضون لها. وهذه ظاهرة جديدة بالكامل في العراق.
فلماذا يجعلني الوضع في العراق متشائما حيال الربيع العربي؟ بالطبع الموقف مختلف، في المقام الأول بسبب أن الإطاحة بالدكتاتور – أي كان- ( والقتال من أجل هذا الهدف) جاء من الداخل، وليس مفروضا من الخارج. وكنشط في مجال حقوق الانسان، أنظر الى تونس ومصر وليبيا باعجاب كبير جدا لشجاعة ومثالية الشعب الذي قرر الأمر برمته وقام به (على الرغم من أنه في حالة ليبيا كان هناك مقدار لا بأس به من المساعدة من حلف الناتو).
لكني أخاف على مستقبل هذه الدول الثلاث، إن لم تكن التغييرات الجارية فيها مصحوبة باستقرار اقتصادي واجتماعي وسياسي.
أكثر...
بيتر كانديلا
فوجيء الزملاء والأصدقاء بحماسي المحدود للربيع العربي. هم يتوقعون من نشط في مجال حقوق الانسان مثلي بخبرة تقارب الـ 40 عاما أن يطير فرحا بالتغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط . والمشكلة هي أنه مهما كنت أتوق الى التغيير الديمقراطي في تلك المنطقة، ليس بيدي إلا أن أرى الوضع من خلال منطور تجربتي العراقية، وعلى المستوى الشخصي يتركني هذا متشائما.
لقد ولدت في الموصل، شمالي العراق. وعاشت أسرتي في الجزء المسيحي القديم من المدينة، ولعبنا دورا نشطا في المجتمع المسيحي حتى انتقلنا الى بغداد عندما كنت في الثامنة من عمري.
في بغداد، عشنا في منطقة أكثر اختلاطا، وجيراننا كانوا من مختلف المذاهب والطوائف والقوميات. وكنا اطفالا نلعب كلنا معا، على الرغم من هذا، كنت واعيا بالاختلافات بيننا، وكنا ندخل ونخرج من منازل بعضنا البعض دون تمييز بين منزل وآخر.
وبالطبع، أتذكر الانقلابات والاطاحة بالنظام الملكي في العام 1958، وانتشار القوات في الشوارع، وبقائنا أطفالا داخل البيوت، بينما تصدح الموسيقى العسكرية في الراديو. وتعلمت كيف كانوا - الراشدون منا - ينظرون حولهم ويغلقون الأبواب قبل أن يتحدثوا في السياسة؛ لكني تركت كل هذا وراء ظهري عندما ذهبت في بعثة دراسية لدراسة الطب في الهند، كان عمري وقتها 17 عاما.
وفي الهند اكتشفت متعة حرية التعبير، وبدأت أكتب المقالات وأتحدث بلا خوف. لذا، عندما وصلت الى لندن في العام 1972، لأبدأ العمل كطبيب في مستشفى في مانسفيلد، كان يملأني الولع بالكلمات الكبيرة؛ الحرية والعدالة والديمقراطية.
ومن حينها، وأنا أراقب وأتابع عن بعد ما يحدث في العراق تحت الأنظمة الطاغية المتعاقبة. وكنت مضطرا إلى أن انتظر الحصول على جواز سفر بريطاني قبل أن أكون قادرا على زيارة العراق، وحتى بعد حصولي على جواز السفر البريطاني كنت اضطر الى أن أنتظر الوقت المناسب للزيارة؛ لأتجنب الحروب العراقية مع ايران بداية ثم مع الكويت. وعلى الرغم من كل هذا العناء كنت سعيدا أن أرى أسرتي ثانية، وأزور مجددا الأماكن التي أمضيت فيها طفولتي.
ثم جاء غزو العراق العام 2003. ورغم أني عارضت هذا الغزو، بشكل لا لبس فيه، ما أزال مبتهجا لسقوط تمثال صدام حسين. وفي داخلي، كنت أتمنى بشدة أن يكون كل ما قاله توني بلير هو الصواب وأن اكون أنا على خطأ.
حسنا، للعراق الآن ديمقراطية دستورية، ببرلمان ينعقد بشكل منتظم( داخل المنطقة الخضراء في قلب بغداد، وهي المنطقة كثيفة الحراسة بالطبع)، ومع هذا، الحياة بالنسبة للشعب العراقي تتدهور أكثر وأكثر. ويظل الأمن مشكلة كبرى. فالاختطاف والعمليات الانتحارية والفساد والتفجيرات كلها ماتزال تتواصل، والجماعات والتجمعات الدينية الكبرى تعيش في الأغلب في مجاورات مغلقة. والأقليات كالمسيحيين اضطروا الى الهجرة خارج البلد. وكل أقاربي، باستثناء اخت لي اضطروا الى الهرب من العراق فرارا بأرواحهم.
ثم هناك شكل من الخوف أكثر غدرا، وهو الذي يجمع بين الفقر وغياب القانون. لقد بين موضوع منشور قريبا في الموقع الالكتروني العراقي "الجيران" الأعداد الكبيرة من النسوة والأطفال الذين أجبروا على التسول في الشوارع، وألقى الضوء على الانتهاكات الجنسية التي يتعرضون لها. وهذه ظاهرة جديدة بالكامل في العراق.
فلماذا يجعلني الوضع في العراق متشائما حيال الربيع العربي؟ بالطبع الموقف مختلف، في المقام الأول بسبب أن الإطاحة بالدكتاتور – أي كان- ( والقتال من أجل هذا الهدف) جاء من الداخل، وليس مفروضا من الخارج. وكنشط في مجال حقوق الانسان، أنظر الى تونس ومصر وليبيا باعجاب كبير جدا لشجاعة ومثالية الشعب الذي قرر الأمر برمته وقام به (على الرغم من أنه في حالة ليبيا كان هناك مقدار لا بأس به من المساعدة من حلف الناتو).
لكني أخاف على مستقبل هذه الدول الثلاث، إن لم تكن التغييرات الجارية فيها مصحوبة باستقرار اقتصادي واجتماعي وسياسي.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية