القاهرة-ش
دائما ما يكون للشعراء رأي خاص في المشهد الشعري العام، خاصة عندما يتجمعون معا في ملتقى كبير، حيث يتابع كل منهم عن كثب كل ما هو جديد من إصدارات شعرية، وكذلك الجدل المثار حول كل شيء، وعن مدى حيوية هذا المشهد والدفاع عن زملائهم الشعراء ضد الحملات المغرضة التي تهدف دائما النيل منهم، وعلى هامش ملتقى الشعر الدولي، الذي عقد بالمجلس الأعلى للثقافة، والذي تزامن مع ملتقى الشعر الدولي الذي عقد بنقابة الصحفيين ضجت أجواء القاهرة بالحركة الشعرية. من أجل هذا كان لابد من رصد ومعرفة المشهد الشعري من خلال رؤية بعض الشعراء العرب والمصريين.
في البداية قال الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق: إن المشهد الشعري متشابك وغير متجانس، والسبب أنه يشتغل على رؤى ووجهات نظر متعددة وأحيانا متضاربة، كما أن هذا التفاوت في المشهد الشعري يعد ميزة وليس عيبا، حيث إن مستوى الجدل الذي يثار في وطننا العربي يأخذ منحى متطرفا أحيانا، وقد تعرض المشهد لهزات كثيرة ربما كان آخرها التي لحقت بالجواهري كعملاق لهذا الفن، والبرجوني والأخطل الصغير ونزار قباني هذا خاص بالشعر العمودي، وهناك قصيدة التفعيلة والنثر التي تمثل الجناح الحديث للقصيدة العربية. فليس كل من يكتب قصيدة التفعيلة أو النثر يعد شاعراً كبيراً، والمصطلح في حد ذاته لا يمثل قيمة إلا إذا توفر شاعر قادر على تفجير الطاقة الفنية الجميلة لهذين الشكلين وإلا أصبحت المسألة متاحة للجميع.
يبقي أن نقول: إن الشعر الجميل والمحكم نادر في كل زمان ومكان، حيث إنه يتطلب تضحية وثقافة وإطلاع على التراث، فليس من السهل توفر ذلك في أي شاعر، حيث إن التراكم والاستمرارية وغزارة الكتابة إضافة للشاعر.
في المشهد الشعري تتجاوز الأشكال والرؤى ووجهات النظر المتعددة مما يتيح مشهداً أكثر صفاء، والزمن كفيل بأن يبلور ويفرز الشاعر الجيد ويجعل الآخرين صغار الموهبة يخرجون من ذاكرة الناس، لذا فلابد أن يكون الشاعر مثقفا ولا يعتمد على موهبته الشعرية فقط، وإنما الموهبة ومعرفة الأساطير والرموز، فالنص الحديث نصا مثقفاً وهذا ليس مدعاة لليأس، لأن الشعر دائما للنخبة في كل تاريخه وزمانه.
ركود وتخبط
أما الشاعر اللبناني جودت فخر الدين، "فيري أن المشهد الشعري يعاني نوعا من الركود والتخبط، بمعني أن القليل الجيد مما يكتب تطمسه كتابات كثيرة ضعيفة، لذا نحن في حاجة للبحث عن القليل الجيد والاحتفاء به وإبرازه. فالمهمة قد تكون تربوية تعليمية أي أننا بحاجة لتطوير مناهج التعليم وبرامجه في بلداننا العربية كي يعمل على جذب الطلاب إلى حب اللغة والشعر، فهي مهمة جليلة وبالغة الصعوبة".
أزمة حقيقية
في حين يرى الشاعر المصري إسماعيل عقاب، أن المشهد يمر بأزمة حقيقية يشترك فيها الشاعر والناقد والجمهور، فالشاعر لم يعد يضع المتلقي في اعتباره عند كتابته للنص الشعري، فإما أن يكون الشاعر تقليديا لا يستثير مشاعر المتلقي في الوقت الذي يحاصر المتلقي وسائل أخرى بديلة، أو أنه يكتب تجربته الذاتية المنغلقة والتي تتسم أحيانا بالرمزية والألغاز، ويصعب على المتلقي فك أسرارها، أو هذا النص الجديد الذي يسمى بقصيدة النثر والذي يلبي متطلبات الحداثة الغربية من الخروج على كل الأطر والقوانين والتقاليد.
أما الناقد، والذي يفترض فيه المتابعة لكل ما يصدر من شعر وإنشاء نص نقدي مواز للنص الإبداعي، ليفك به ما يمكن أن يستعصي على المتلقي، نلاحظ أنه انصرف عن ذلك وانشغل بدوره الأكاديمي، ومسابقات التحكيم المجزية، من جهة المتلقي فلم يعد يقبل على حضور الأمسيات الشعرية، حيث شغلته وسائل الإعلام فلم يعد يهتم باللغة، بالتالي انصرف عن الشعر لعجزه عن فهم مفردات اللغة.
كما يرى الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، أن الشعر يمر بعدة مراحل وتقلبات نتيجة المناخ الثقافي الموازي للأوضاع السياسية، فعندما جاءت العولمة رأينا انقلاباً جديداً في القصيدة العربية يتماشي مع تقلبات العولمة نفسها لكنه لم يحدث تغيير جذري، حيث صدرت آلاف الكتب من نوع قصيدة النثر، مما جعل الجمهور يتغير تجاه الشعر لأنه قد يغير نفسه، بمعني أن ثقافة العولمة أحدثت نوعا من ثقافة التشظي والتفرقة وهذا جعل كتل القراء جزراً متفرقة، ففي الماضي كنا نلقي الشعر أمام جمهور غفير، وحاليا تقلص الجمهور واقتصر على جمهور المثقفين فقط وهذا يرجع لنوعية القصيدة الجديدة، كما أن هناك فارقا بين القصيدة الجديدة والحديثة، الحداثة تعني تغيرآً في المنظوم باتجاه التقدم والتغيير، لكن بعض الفنون ومنها الشعر تحول إلى ما يشبه الموضوعية حيث ركز على جماليات الشكل.
حيث نسمع القصيدة لحظة في لحظة، وقد نستمع بها ثم تهرب من بين أيدينا، والحداثة أصبحت حداثة وما بعدها متعة هاربة، وهذا ما نلاحظه في الفترة الأخيرة، كما أن المسألة ليست صراع أشكال بين القصيدة العمودية والحرة وقصيدة النثر وإنما هوصراع منظور الشاعر إلى العالم.
مفتوح على حقل تجريبي
على الجانب الآخر يرى الشاعر اللبناني محمد على شمس الدين، أن المشهد الشعري مفتوح على حقل تجريبي يتدافع منذ خمسينات القرن الفائت، في تجربة إحيائية، حيث إن انسداد الشعر العربي الحديث قد دفع الشعراء إلى تلمس طريقين للخروج من عنق الزجاجة.
الطريق الأول سلكه الكلاسيكيون الجدد بزعامة شوقي، الأخطل الصغير، وحافظ إبراهيم، ومطران ،والجواهري، وصولا لنزار قباني وسعيد عقل، وذلك أن القصيدة العربية بعد عصور الانحطاط عانت من كساد شعري وتبلد إبداعي وانحطاط لغوي، وهذا الأسلوب الإحيائي للقصيدة الذي يمثل ذروته شوقي الذي حافظ على مجرى النهر، ولكنه ضخ فيه مياها جديدة فذلك سمي اتجاه الكلاسيكية الجديدة. من ناحية أخرى تم ضخ مياه جديدة في قصيدة النثر كما وضحت في تجربة إبراهيم اليازجي للعهد القديم، والحديث ولاسيما "نشيد الأناشيد" من خلال النثر المبتكر الذي كتبه لبنانيون.
هذان الطريقان الأساسيان للتجديد الشعري وللحداثة لا ينبغي إنكارهما في دراسة الشعر العربي الحديث، والذي أوغل في التنويع الإيقاعي والأسلوبي واستولدت المعاني الجديدة من خلال الرموز والأقنعة، وجدد المعاني والأساليب الشعرية، كما أن الأجيال الشعرية تتعايش في بيت واحد، فنجد أن زمن الحداثة الشعرية لا يتجاوز نصف قرن.
خط سير طبيعي
من ناحية أخرى يرى الشاعر العراقي أمجد سعيد، أن المشهد الشعري يأخذ خط سيره الطبيعية بمعني أن الشعراء يكتبون وينشدون وهناك موضوعات تأخذ بزمام القصيدة القطرية "من يكتب عن هموم ومشاكل مجتمعه" وهناك القصيدة التي تأخذ بعدا قوميا، وكذلك التي تنحي منحي إنسانياً، ومن ناحية لغة الفن الشعري فإن المشهد تواصل في كتابة قصيدة التفعيلة، حيث يمارسها عدد كبير من الشعراء ثم مازالت القصيدة العمودية على الساحة ولكن المتغير الواضح الآن هو أن هناك اتجاها لدى بعض الشباب من الشعراء ينحو في الكتابة منحي كتابة قصيدة النثر التي تحاول أن تتقدم وتأخذ مساحة أوسع، بدليل تزامن مؤتمرها مع ملتقى الشعر العربي.
والقضية هي أن تحولات المجتمعات العربية حولت المسألة الشعرية إلى عزلة يجب أن نكتب وفق جوهر الشعر وأن يكون الشعر أولا شعرا.
تصرع ليس لوجه الشعر
كما يرى الشاعر والناقد د. حسن طلب المشهد الشعري ليس مشهدا واحدا وإنما هو عدة مشاهد لابد من تأمل كل منها على حدة، فرسم الصورة الكلية للمشهد العام، فهذه المشاهد الجزئية أو النوعية فيما يتعلق بمشهد الساحة الثقافية بشكل عام، والشعر يتحرك في إطار نتاج ثقافي لا يمكن أن تفصله عنه، وهذا المناخ ليس في أحسن أحواله لأن ما يحكمه ليس موضوعيا وإنما هو محكوم باستقطاب ذاتي وبمصالحة شخصية وصراعات ليست جميعها لوجه الشعر، وهذا ما يمكن أن نلاحظه إذا ما انتقلنا من الساحة الثقاية إلى ما هو أخص، أي ساحة الشعر، حيث هناك مشهد الشعراء أنفسهم، فالعلاقة التي تحكم الأجيال المتتالية من الشعراء ليست على ما يرام، والأجيال الأحدث لا تريد أن تستفيد من الأقدم، كما أن الأجيال القديمة غير مستعدة أن ترضي الشعراء الجدد على حساب الشعر نفسه.
أما عن علاقة النقاد فهو مشهد آخر لا يدعو للتفاؤل حيث تخصص بعضهم في نقد الشعر لشن حملة مغرضة على الشعر والشعراء المصريين، بالذات بزعم أنه لا يوجد في مصر شاعر كبير، وأن الزمن أصبح للرواية وليس الشعر وهذه كلها دعاوي ساذجة لا يراد منها إلا الضجيج الإعلامي ولا تدخل في باب النقد المسؤول.
مشهد الكرنفال
وفي النهاية يقول الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة: إن المشهد الشعري يضج بالحيوية والحركة والتوتر والتصادم في بعض الجوانب، فنحن في بحر زاخر متلاطم من التيارات الشعرية الجديدة والأصوات التي تحاول الإمساك بالوهج الذي يبدو أقرب إلى مشهد الكرنفال، وكلمة الكرنفال تعني امتزاج الألوان الشعرية وخصوصيتها في الوقت نفسه، فاللون الغالب هو شحنة حرارة الإبداع الشبابي، حيث تتدفق حرارة الإبداع الشبابي، حيث تتدفق قصيدة النثر في كل الأوطان العربية، وإذا كان الجيل الجديد من الشعراء الشباب قد اختاروها، فإن أبناء جيل الوسط من شعراء السبعينيات والثمانينيات يتقدمون إما إلى محاولة استلهام القصيدة العمودية في إطار حدثي، وإما الخروج من إطار القصيدة التفعيلية إلى حرية السرد، وسط هذا التلاطم بين الأمواج والتيارات الشعرية يوشك النقد أن يقف حائرا متردداً أمام هذا المشهد غير قادر على أن يحسم أمره، فلابد من الالتفات إلى الأصوات الجديدة الصاعدة، إذن أهم ما يميز المشهد حاليا هو "الحيرة".
فالقراء متبلبلون وحذرون من الاقتراب من هذا النموذج الشعري، كما أن شعراء النثر يوغلون في الغموض ونحن أمام نموذج يدير ظهره للقضايا الكبرى، ويقرب من الفتات اليومي، حيث أصبح التشظي والتمزق الواقع في القصيدة سمة أساسية في الواقع الشعري الآن، القضية الأخطر هي الفجوات التي تنبع بين الأجيال المختلفة، كما أتصور، حيث كنا نشهد ميلاد جيل جديد كل عشر سنوات وحاليا نشهد ميلاد جيل جديد كل عام.
على أي حال المشهد الشعري مليء بالمتناقضات الكثيرة، الخلافات الحادة بين الشعراء بعضهم البعض، ورغم أن الجميع يرى أن التنافس جميل، لكن عندما يصل التنافس إلى حد التشفي والخلافات الحادة بينهم قد تصل إلى أزمات كثيرة.
أكثر...
دائما ما يكون للشعراء رأي خاص في المشهد الشعري العام، خاصة عندما يتجمعون معا في ملتقى كبير، حيث يتابع كل منهم عن كثب كل ما هو جديد من إصدارات شعرية، وكذلك الجدل المثار حول كل شيء، وعن مدى حيوية هذا المشهد والدفاع عن زملائهم الشعراء ضد الحملات المغرضة التي تهدف دائما النيل منهم، وعلى هامش ملتقى الشعر الدولي، الذي عقد بالمجلس الأعلى للثقافة، والذي تزامن مع ملتقى الشعر الدولي الذي عقد بنقابة الصحفيين ضجت أجواء القاهرة بالحركة الشعرية. من أجل هذا كان لابد من رصد ومعرفة المشهد الشعري من خلال رؤية بعض الشعراء العرب والمصريين.
في البداية قال الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق: إن المشهد الشعري متشابك وغير متجانس، والسبب أنه يشتغل على رؤى ووجهات نظر متعددة وأحيانا متضاربة، كما أن هذا التفاوت في المشهد الشعري يعد ميزة وليس عيبا، حيث إن مستوى الجدل الذي يثار في وطننا العربي يأخذ منحى متطرفا أحيانا، وقد تعرض المشهد لهزات كثيرة ربما كان آخرها التي لحقت بالجواهري كعملاق لهذا الفن، والبرجوني والأخطل الصغير ونزار قباني هذا خاص بالشعر العمودي، وهناك قصيدة التفعيلة والنثر التي تمثل الجناح الحديث للقصيدة العربية. فليس كل من يكتب قصيدة التفعيلة أو النثر يعد شاعراً كبيراً، والمصطلح في حد ذاته لا يمثل قيمة إلا إذا توفر شاعر قادر على تفجير الطاقة الفنية الجميلة لهذين الشكلين وإلا أصبحت المسألة متاحة للجميع.
يبقي أن نقول: إن الشعر الجميل والمحكم نادر في كل زمان ومكان، حيث إنه يتطلب تضحية وثقافة وإطلاع على التراث، فليس من السهل توفر ذلك في أي شاعر، حيث إن التراكم والاستمرارية وغزارة الكتابة إضافة للشاعر.
في المشهد الشعري تتجاوز الأشكال والرؤى ووجهات النظر المتعددة مما يتيح مشهداً أكثر صفاء، والزمن كفيل بأن يبلور ويفرز الشاعر الجيد ويجعل الآخرين صغار الموهبة يخرجون من ذاكرة الناس، لذا فلابد أن يكون الشاعر مثقفا ولا يعتمد على موهبته الشعرية فقط، وإنما الموهبة ومعرفة الأساطير والرموز، فالنص الحديث نصا مثقفاً وهذا ليس مدعاة لليأس، لأن الشعر دائما للنخبة في كل تاريخه وزمانه.
ركود وتخبط
أما الشاعر اللبناني جودت فخر الدين، "فيري أن المشهد الشعري يعاني نوعا من الركود والتخبط، بمعني أن القليل الجيد مما يكتب تطمسه كتابات كثيرة ضعيفة، لذا نحن في حاجة للبحث عن القليل الجيد والاحتفاء به وإبرازه. فالمهمة قد تكون تربوية تعليمية أي أننا بحاجة لتطوير مناهج التعليم وبرامجه في بلداننا العربية كي يعمل على جذب الطلاب إلى حب اللغة والشعر، فهي مهمة جليلة وبالغة الصعوبة".
أزمة حقيقية
في حين يرى الشاعر المصري إسماعيل عقاب، أن المشهد يمر بأزمة حقيقية يشترك فيها الشاعر والناقد والجمهور، فالشاعر لم يعد يضع المتلقي في اعتباره عند كتابته للنص الشعري، فإما أن يكون الشاعر تقليديا لا يستثير مشاعر المتلقي في الوقت الذي يحاصر المتلقي وسائل أخرى بديلة، أو أنه يكتب تجربته الذاتية المنغلقة والتي تتسم أحيانا بالرمزية والألغاز، ويصعب على المتلقي فك أسرارها، أو هذا النص الجديد الذي يسمى بقصيدة النثر والذي يلبي متطلبات الحداثة الغربية من الخروج على كل الأطر والقوانين والتقاليد.
أما الناقد، والذي يفترض فيه المتابعة لكل ما يصدر من شعر وإنشاء نص نقدي مواز للنص الإبداعي، ليفك به ما يمكن أن يستعصي على المتلقي، نلاحظ أنه انصرف عن ذلك وانشغل بدوره الأكاديمي، ومسابقات التحكيم المجزية، من جهة المتلقي فلم يعد يقبل على حضور الأمسيات الشعرية، حيث شغلته وسائل الإعلام فلم يعد يهتم باللغة، بالتالي انصرف عن الشعر لعجزه عن فهم مفردات اللغة.
كما يرى الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة، أن الشعر يمر بعدة مراحل وتقلبات نتيجة المناخ الثقافي الموازي للأوضاع السياسية، فعندما جاءت العولمة رأينا انقلاباً جديداً في القصيدة العربية يتماشي مع تقلبات العولمة نفسها لكنه لم يحدث تغيير جذري، حيث صدرت آلاف الكتب من نوع قصيدة النثر، مما جعل الجمهور يتغير تجاه الشعر لأنه قد يغير نفسه، بمعني أن ثقافة العولمة أحدثت نوعا من ثقافة التشظي والتفرقة وهذا جعل كتل القراء جزراً متفرقة، ففي الماضي كنا نلقي الشعر أمام جمهور غفير، وحاليا تقلص الجمهور واقتصر على جمهور المثقفين فقط وهذا يرجع لنوعية القصيدة الجديدة، كما أن هناك فارقا بين القصيدة الجديدة والحديثة، الحداثة تعني تغيرآً في المنظوم باتجاه التقدم والتغيير، لكن بعض الفنون ومنها الشعر تحول إلى ما يشبه الموضوعية حيث ركز على جماليات الشكل.
حيث نسمع القصيدة لحظة في لحظة، وقد نستمع بها ثم تهرب من بين أيدينا، والحداثة أصبحت حداثة وما بعدها متعة هاربة، وهذا ما نلاحظه في الفترة الأخيرة، كما أن المسألة ليست صراع أشكال بين القصيدة العمودية والحرة وقصيدة النثر وإنما هوصراع منظور الشاعر إلى العالم.
مفتوح على حقل تجريبي
على الجانب الآخر يرى الشاعر اللبناني محمد على شمس الدين، أن المشهد الشعري مفتوح على حقل تجريبي يتدافع منذ خمسينات القرن الفائت، في تجربة إحيائية، حيث إن انسداد الشعر العربي الحديث قد دفع الشعراء إلى تلمس طريقين للخروج من عنق الزجاجة.
الطريق الأول سلكه الكلاسيكيون الجدد بزعامة شوقي، الأخطل الصغير، وحافظ إبراهيم، ومطران ،والجواهري، وصولا لنزار قباني وسعيد عقل، وذلك أن القصيدة العربية بعد عصور الانحطاط عانت من كساد شعري وتبلد إبداعي وانحطاط لغوي، وهذا الأسلوب الإحيائي للقصيدة الذي يمثل ذروته شوقي الذي حافظ على مجرى النهر، ولكنه ضخ فيه مياها جديدة فذلك سمي اتجاه الكلاسيكية الجديدة. من ناحية أخرى تم ضخ مياه جديدة في قصيدة النثر كما وضحت في تجربة إبراهيم اليازجي للعهد القديم، والحديث ولاسيما "نشيد الأناشيد" من خلال النثر المبتكر الذي كتبه لبنانيون.
هذان الطريقان الأساسيان للتجديد الشعري وللحداثة لا ينبغي إنكارهما في دراسة الشعر العربي الحديث، والذي أوغل في التنويع الإيقاعي والأسلوبي واستولدت المعاني الجديدة من خلال الرموز والأقنعة، وجدد المعاني والأساليب الشعرية، كما أن الأجيال الشعرية تتعايش في بيت واحد، فنجد أن زمن الحداثة الشعرية لا يتجاوز نصف قرن.
خط سير طبيعي
من ناحية أخرى يرى الشاعر العراقي أمجد سعيد، أن المشهد الشعري يأخذ خط سيره الطبيعية بمعني أن الشعراء يكتبون وينشدون وهناك موضوعات تأخذ بزمام القصيدة القطرية "من يكتب عن هموم ومشاكل مجتمعه" وهناك القصيدة التي تأخذ بعدا قوميا، وكذلك التي تنحي منحي إنسانياً، ومن ناحية لغة الفن الشعري فإن المشهد تواصل في كتابة قصيدة التفعيلة، حيث يمارسها عدد كبير من الشعراء ثم مازالت القصيدة العمودية على الساحة ولكن المتغير الواضح الآن هو أن هناك اتجاها لدى بعض الشباب من الشعراء ينحو في الكتابة منحي كتابة قصيدة النثر التي تحاول أن تتقدم وتأخذ مساحة أوسع، بدليل تزامن مؤتمرها مع ملتقى الشعر العربي.
والقضية هي أن تحولات المجتمعات العربية حولت المسألة الشعرية إلى عزلة يجب أن نكتب وفق جوهر الشعر وأن يكون الشعر أولا شعرا.
تصرع ليس لوجه الشعر
كما يرى الشاعر والناقد د. حسن طلب المشهد الشعري ليس مشهدا واحدا وإنما هو عدة مشاهد لابد من تأمل كل منها على حدة، فرسم الصورة الكلية للمشهد العام، فهذه المشاهد الجزئية أو النوعية فيما يتعلق بمشهد الساحة الثقافية بشكل عام، والشعر يتحرك في إطار نتاج ثقافي لا يمكن أن تفصله عنه، وهذا المناخ ليس في أحسن أحواله لأن ما يحكمه ليس موضوعيا وإنما هو محكوم باستقطاب ذاتي وبمصالحة شخصية وصراعات ليست جميعها لوجه الشعر، وهذا ما يمكن أن نلاحظه إذا ما انتقلنا من الساحة الثقاية إلى ما هو أخص، أي ساحة الشعر، حيث هناك مشهد الشعراء أنفسهم، فالعلاقة التي تحكم الأجيال المتتالية من الشعراء ليست على ما يرام، والأجيال الأحدث لا تريد أن تستفيد من الأقدم، كما أن الأجيال القديمة غير مستعدة أن ترضي الشعراء الجدد على حساب الشعر نفسه.
أما عن علاقة النقاد فهو مشهد آخر لا يدعو للتفاؤل حيث تخصص بعضهم في نقد الشعر لشن حملة مغرضة على الشعر والشعراء المصريين، بالذات بزعم أنه لا يوجد في مصر شاعر كبير، وأن الزمن أصبح للرواية وليس الشعر وهذه كلها دعاوي ساذجة لا يراد منها إلا الضجيج الإعلامي ولا تدخل في باب النقد المسؤول.
مشهد الكرنفال
وفي النهاية يقول الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة: إن المشهد الشعري يضج بالحيوية والحركة والتوتر والتصادم في بعض الجوانب، فنحن في بحر زاخر متلاطم من التيارات الشعرية الجديدة والأصوات التي تحاول الإمساك بالوهج الذي يبدو أقرب إلى مشهد الكرنفال، وكلمة الكرنفال تعني امتزاج الألوان الشعرية وخصوصيتها في الوقت نفسه، فاللون الغالب هو شحنة حرارة الإبداع الشبابي، حيث تتدفق حرارة الإبداع الشبابي، حيث تتدفق قصيدة النثر في كل الأوطان العربية، وإذا كان الجيل الجديد من الشعراء الشباب قد اختاروها، فإن أبناء جيل الوسط من شعراء السبعينيات والثمانينيات يتقدمون إما إلى محاولة استلهام القصيدة العمودية في إطار حدثي، وإما الخروج من إطار القصيدة التفعيلية إلى حرية السرد، وسط هذا التلاطم بين الأمواج والتيارات الشعرية يوشك النقد أن يقف حائرا متردداً أمام هذا المشهد غير قادر على أن يحسم أمره، فلابد من الالتفات إلى الأصوات الجديدة الصاعدة، إذن أهم ما يميز المشهد حاليا هو "الحيرة".
فالقراء متبلبلون وحذرون من الاقتراب من هذا النموذج الشعري، كما أن شعراء النثر يوغلون في الغموض ونحن أمام نموذج يدير ظهره للقضايا الكبرى، ويقرب من الفتات اليومي، حيث أصبح التشظي والتمزق الواقع في القصيدة سمة أساسية في الواقع الشعري الآن، القضية الأخطر هي الفجوات التي تنبع بين الأجيال المختلفة، كما أتصور، حيث كنا نشهد ميلاد جيل جديد كل عشر سنوات وحاليا نشهد ميلاد جيل جديد كل عام.
على أي حال المشهد الشعري مليء بالمتناقضات الكثيرة، الخلافات الحادة بين الشعراء بعضهم البعض، ورغم أن الجميع يرى أن التنافس جميل، لكن عندما يصل التنافس إلى حد التشفي والخلافات الحادة بينهم قد تصل إلى أزمات كثيرة.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية