ابن رشد .. تآمر عليه المعارضون فأحرقت مؤلفا

    • ابن رشد .. تآمر عليه المعارضون فأحرقت مؤلفا

      القاهرة-ش

      أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد، المولود العام (520هـ- 1126م) في قرطبة، وهو فيلسوف وطبيب وفيزيائي وفلكي وفقيه وقاض مسلم، مالكي المذهب، أخذ العقيدة الأشعرية، حفظ ديوان المتنبي وموطأ الإمام مالك، وهو صاحب مدرسة فقهية وله آراؤه التي ملات أسماع مدارس الفقه في أرجاء العالم.

      وهو من أهم الفلاسفة المسلمين الذين دافعوا عن الفلسفة الإسلامية، وقد تأثر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وبالفارابي والشيخ الغزالي وأرسطو وابن باجة وابن طفيل، وغيرهم. وقد تأثر به ابن خلدون، ديكارت وغيرهما، وهو من المتكلمين المسلمين والفلكيين العظام، الفلاسفة المهرة والأطباء النجباء والرياضيين الجهابذة.

      وقد تعرض ابن رشد لمحنة في آخر حياته واتهمه بعض علماء الأندلس المعارضين له بالزندقة ورموه بالكفر والإلحاد، وكان لهذا التأثير أن يبعده أبو يعقوب يوسف المنصور، الأمير الموحدي، عن بلاطه، ونفيه إلى إحدى قرى مراكش التي لا يسكنها إلا اليهود، حيث أُصدِرَ منشور بتكفيره، ومضمونه أنه قد "خاض في بحور الأوهام"، و"خلد في العالم صحفا ما لها من خلاق، وبعده عن الشريعة بعد المشرقين"، أي أنه لا دين ولا أخلاق له، فليحذر الجميع إذن من السير خلفه، فالطريق التي سار عليها إنما تؤدى إلى جهنم وبئس المصير.

      المنشور يحاكي الأسلوب القرآني للتأثير في السامعين، لا بل إنه يضمن كلامه بالآيات القرآنية "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون" "البقرة:9" و"يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون" "الأنعام:112"، فهم أضر من أهل الكتاب، وأبعد عن الرجعة إلى الله والمآب".

      مؤامرة شعراء البلاط

      وقد رافقت تلك المحاكمة حملة دعائية ضخمة، فإلى جنب المنشور سالف الذكر انبرى شعراء البلاط الموحدي لذم ابن رشد وجماعته، ومدح الأمير الذي استأصل شأفتهم. وهذا يؤكد القيمة الكبرى التي أضيفت على الحدث.

      و أعظم ما تعرض له ابن رشد وأثر في نفسه قوله: "أعظم ما طرأ عليّ في النكبة أني دخلت أنا وولدي عبد الله مسجدا بقرطبة وقد حانت صلاة العصر، فثار لنا بعض سفلة العامة فأخرجونا منه".

      ولكن ما هي الأسباب الحقيقية التي حدت الأمير على معاملة فيلسوف مثل ابن رشد على هذا النحو؟ هذا السؤال يكتسب دون شك أهمية أكبر عندما نعرف أن أبا الوليد كان مكينا عند المنصور وجيها في دولته ومقربا منه وحائزا على ثقته، هل يتعلق الأمر بخروج عن الدين أم بأفكار وممارسات سياسية تورط فيها ابن رشد فكان غضب الأمير عنيفا؟

      وإذا عرفنا أن ابن رشد لم يكن يمدح الملوك ويعلي شأنهم، فمن واجب هذه النقطة أيضا أن تساعد على تمثل مناحي آراء ابن رشد السياسية، فأبو الوليد لم يكن من طينة الفلاسفة خدم الحكام، ومن ثمة فإنه بلور أفكاره السياسية من زاوية ما يفرضهن التدجبير والرؤية، ولو كان الأمر يتصل لديهم بتقديم النصائح للأمراء والسلاطين لجاءت أفكاره في ثوب آخر.

      أما تهمة الخروج عن الدين، فهذه التهمة التي يوردها ابن عبد الملك ويخضعها للمناقشة من خلال الإشارة إلى قول رواه أحد الشيوخ عن شيخه الذي عاصر ابن رشد ومفاده: "أن هذا الذي ينسب إليه ابن رشد ما كان يظهر عليه، ولقد كنت أراه يخرج إلى الصلاة وأثر ماء الوضوء على قدميه".

      إننا ونحن ننظر في مظاهر وأسباب محنة ابن رشد، نرى مع ذلك أن اشتغاله بالفلسفة لا يفسر لوحده المحنة، وإنما هناك سبب آخر يتصل بالسياسة بوجهيها النظري والعملي، فما لحقه من اضطهاد تفسره أسباب متعددة؛ من بينها انحيازه للعقل والبرهان وتشكيكه فيما يناقض ذلك، بالإضافة إلى ما اشتملت عليه فلسفته من فضح للتسلط السياسي والاضطهاد الاجتماعي، وهو ما نبه إليه مرارا، خاصة في تلخيصه لجمهورية أفلاطون.

      تحريم الفلسفة

      وبعد نكبة ابن رشد ساد جو مشحون كانت سمته العامة إطلاق حملة شاملة لاستئصال الفلسفة، وكان المنصور قد قصد أن لا يترك شيئا من كتب المنطق والحكمة باقيا في بلاده، وأباد كثيرا منها بإحراقها بالنار، وكانت تلك الحملة ممهورة بمباركة دينية، فالقيمون عليها رجال دين وجدوا ضالتهم أخيرا في قرار السلطة السياسية تحريم الفلسفة، وكان لهذا المناخ المشوب بالإرهاب الفكري تأثيره الكبير على مسيرة الفلسفة في الأندلس، حتى إن أحد تلامذة ابن رشد تغافل عن ذكر أستاذه في كتابه "المدخل لصناعة المنطق" الذي يحوي معطيات مهمة بخصوص ما ساد من تنكر للعقل والعلوم المتصلة به، وخاصة المنطق.

      وبعدها تصاعد فكر متزمت مع نكبة ابن رشد، لدرجة أن الناس كانوا ينفرون عن "الفلسفة" ويرمون العالم بها بالبدع والزندقة، وقد اشترك في هذا الأمر دهماؤهم وعلماؤهم، حتى "العلماء" انخرطوا في هذه الحملة حماية لرؤوسهم". فهاهو ابن رشد يتعرض إلى محنة وجدها البعض فرصة لتخلص منه، وأضفى البعض عليها المباركة الدينية، وهذا يدل على أن النظم الحاكمة كانت تقطع أي يد وتسكت أي لسان يتكلم، ويشير للحاكم إلى الطريق الصحيح الذي عليه أن يسلكه للنهوض بأمته، فيُزين للحاكم أن هذه الأفواه تهدد أمنه. وهو الحال الذي به تنهار الأمم، وكفى بالأيام عبرة.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية