النتائج العكسية للمقامرة الفلسطينية في ا

    • النتائج العكسية للمقامرة الفلسطينية في ا

      * "الولايات المتحدة بوقوفها في وجه الاعتراف بالدولة الفلسطينية قد تسهم عن غير قصد في الإبقاء على تكامل القضية الفلسطينية"

      ساري مقدسي

      غني عن القول أن الفلسطينيين والعرب غاضبون من فكرة أن الولايات المتحدة تهدد بحجب الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة. ولكن الأمر الأقل وضوحا، ربما، هو أن بعض أكثر النقاد صخبا للمسعى الفلسطيني للحصول على اعتراف الأمم المتحدة بالدولة الفلسطينية هم الفلسطينيون أنفسهم. فكيف يمكن أن يكون أنصار الحقوق الفلسطينية متشككون، إن لم يكن معارضون تماما، للمناورة في الأمم المتحدة؟ أليس إقامة دولة مستقلة معترف بها دوليا هو الهدف الذي يشترك فيه كل الفلسطينيين؟ ليس تماما. فالقضية الفلسطينية تشمل أكثر من مجرد قيام الدولة. ورغم أن الكثير يعتمد على كيفية التعبير الرسمي عن مسعى إقامة الدولة، فالاحتمال كبير جدا أن تصرف الأمم المتحدة بالطريقة الخطأ يمكن أن يكون عقبة أمام نضال الفلسطينيين المستمر على مدى عقود من أجل الحصول على تقرير المصير والحق في حياة طبيعية وعيشة كريمة في أرض أجدادهم.

      وفي قلب المشكلة يكمن السؤال كيف يمكن أن يتم تعريف "فلسطين" في الأمم المتحدة؟ إن مسعى إقامة الدولة ربما تتم صياغته حول الخطوط التي كان يتم مناقشتها على مدى وقت طويل باعتبارها أساس حل الدولتين: الأراضي التي تضم نسبة الـ 22% من فلسطين التاريخية التي بقيت بعد أن تم إجبار مئات الآلاف من الفلسطينيين على ترك بيوتهم أثناء إقامة دولة إسرائيل عام 1948 – وهي الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، والتي استولت عليها إسرائيل بعد ذلك عام 1967.

      ولكن هذا قد يغير مفهوم من هم الذين تعتبرهم الأمم المتحدة فلسطينيين وكيف يمكن تحديد حقوقهم، مما يعود بالضرر البالغ عليهم.

      واليوم تعترف الأمم المتحدة ومعظم دولها الأعضاء بمنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني بأكمله، والذي يشمل من هم تحت الاحتلال ومن يعيشون في إسرائيل ومن يعيشون في المنفى أو كلاجئين وهم الذين يمثلون أكبر مجموعة من الفلسطينيين. فإذا ما حل محل منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة دولة فلسطينية تعرف نفسها بأنها الأراضي المحتلة فإن الفلسطينيين الذين لا يعيشون في هذه الأراضي – أي أغلبية الفلسطينيين – يمكن أن يفقدوا تمثيلهم في الأمم المتحدة ويتم تركهم في ظلال الصمت والخفاء التي كانوا يناضلون من أجل الخروج منها في ستينيات القرن الفائت. كما أن المليون ونصف مليون فلسطيني الذين يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية في إسرائيل يمكن أن يتم تركهم للدفاع عن أنفسهم ضد التمييز المقنن والاضطهاد السياسي الذي يتم توجيهه نحوهم باعتبارهم غير يهود في دولة يطالب الإسرائيليون فيها الفلسطينيين بالاعتراف بهويتها اليهودية بإصرار بالغ.

      وعلاوة على ذلك فإن الدولة المعترف بها دوليا المقصورة على شظايا فلسطين التي بقيت بعد عام 1948 ليس من شأنها أن تفعل شيئا لحق الفلسطينيين في العودة إلى المنازل والأراضي فيما يعرف الآن بإسرائيل، بل يمكن في الحقيقة أن يهدد بشكل كبير ممارسة هذا الحق، وهو أحد الحقوق الجوهرية في القضية الفلسطينية.

      وهناك مجموعة كبيرة من الحقوق الفلسطينية معترف بها سلفا من جانب الأمم المتحدة. وكما يشير جاي جودوين جيل، أستاذ القانون بجامعة أوكسفورد، فإن الجمعية العامة قد أكدت مرارا على أن "الشعب الفلسطيني هو الطرف الأساسي في قضية فلسطين،" تماما كما أقرت بأن حق تقرير المصير وحق العودة إلى البيوت والممتلكات التي تم تشريدهم منها هي حقوق ملازمة للشعب الفلسطيني. كما أن قرارات الأمم المتحدة لا تقصر الشعب الفلسطيني أو حقوقه فقط على الأراضي التي تم احتلالها عام 1967؛ فقرار الجمعية العامة رقم 194، على سبيل المثال، يعترف صراحة بحق الشعب الفلسطيني في العودة إلى منازله الموجودة في إسرائيل الآن.

      وسيكون من الإشكال بشكل عميق، ناهيك عن كونه خطرا، لو أن المسعى الفلسطيني في الأمم المتحدة استبدل اعترافا رسميا ضيقا بالاعتراف الأوسع بالجماهير الفلسطينية والمجموعة الكبيرة من الحقوق الفلسطينية المعترف بها سلفا من قبل الأمم المتحدة.

      فنحن إذن في لحظة حبلى بالمفارقات. فإدارة أوباما، وعينها على انتخابات عام 2012، تنوي كالمعتاد إنقاذ إسرائيل في الأمم المتحدة. ولكنها عندما تخدم إسرائيل بحجبها للطموحات الفلسطينية المشروعة، وإن كانت متصدعة، فإن الولايات المتحدة تكون بذلك تحبط عن غير قصد عباس ورفاقه، وهو أحد الأنظمة التي تدعمها منذ أمد بعيد في العالم العربي. ورغم أنها قد تفعل ذلك للأسباب الخطأ، فإن الولايات المتحدة بوقوفها في وجه الاعتراف بالدولة الفلسطينية التي لا تفعل ملامحها ولا قيادتها المزعومة شيئا لمعالجة حقوق معظم الفلسطينيين قد تسهم عن غير قصد أيضا في الإبقاء على تكامل القضية الفلسطينية.

      * أستاذ وبروفيسور أمريكي متخصص في الأدب المقارن بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس)، كتب عدة كتب في مجاله كما كتب في قضايا سياسية وثقافية عربية.



      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية