بعد الحادي عشر من سبتمبر، هل كانت الحرب ال

    • بعد الحادي عشر من سبتمبر، هل كانت الحرب ال

      * "القوات والسياسات الأمريكية تستكمل تقوية النزعة الراديكالية في العالم الإسلامي، الأمر الذي كان يسعى أسامة بن لادن إلى تحقيقه بنجاح هائل إنما غير مكتمل منذ مطلع التسعينيات. ومن المنصف الاستنتاج أن الولايات المتحدة لا تزال الحليف الوحيد الذي لا يستغني ابن لادن عنه"

      نعوم تشومسكي

      إنها الذكرى العاشرة للأعمال الوحشية المروِّعة التي ارتُكبت في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وغيَّرت وجه العالم وفق الإجماع العام. ولا يُشكَّك قطّ في الأثر الذي خلَّفته الهجمات، وإن ذكرنا منطقتي آسيا الوسطى والغربية، ليس على سبيل الحصر، نجد أن أفغانستان بالكاد تستطيع توفير سبل الحياة، فيما كان مصير العراق الخراب والدمار، وباتت باكستان على قاب قوسين أو أدنى من كارثة قد تكون نتائجها مأساوية.

      في الأول من مايو 2011، اغتيل في باكستان أسامة بن لادن، الرأس المدبِّر المزعوم لهذه الجريمة، وفي باكستان كذلك الأمر ظهرت معظم العواقب الوخيمة الفورية. ودارت أحاديث عديدة حول حفيظة واشنطن إزاء عدم تسليم باكستان أسامة بن لادن، إنما لم يأتِ كثيرون على ذكر الغضب الشديد الذي ساد الباكستانيين حيال غزو الولايات المتحدة لبلادهم من أجل تنفيذ عملية اغتيال سياسية. سبق أن تصاعدت المشاعر المناهضة للأمريكيين في باكستان ولم تسهم هذه الأحداث سوى في إذكائها.

      وقد كتب المؤرخ العسكري البريطاني أناتول ليفين، وهو أحد المتخصصين الرائدين في الشؤون الباكستانية، في مجلة "ذا ناشونال إنترست" في شهر فبراير أن الحرب في أفغانستان "تزعزع استقرار باكستان وتزيدها تطرفاً، ما يعزِّز مخاطر حصول كارثة جيوسياسية في الولايات المتحدة والعالم، الأمر الذي يقلِّل من شأن أي شيء قد يحدث في أفغانستان".

      ويضيف ليفين أنه على مستويات المجتمع كافة، يتعاطف الباكستانيون تعاطفاً عارماً مع الطالبان الأفغان، ليس بسبب حبهم لهم إنما "لأنه يُنظر إلى الطالبان على أنهم قوة مقاومة شرعية في وجه احتلال أجنبي لبلادهم"، تماماً كما كانوا يَعتبرون المجاهدين الأفغان إبّان مقاومتهم الاحتلال الروسي في ثمانينيات القرن الماضي.

      ويتشاطر هذه المشاعر القادة العسكريون الباكستانيون الذين يمتعضون بمرارة شديدة من الضغوط الأمريكية للتضحية بأنفسهم في حرب واشنطن ضد الطالبان. ويعزى السخط أيضاً إلى الهجمات الإرهابية (حرب الطائرات بلا طيار) التي تشنها الولايات المتحدة في باكستان والتي سرَّع الرئيس أوباما من حدة وتيرتها؛ وإلى المطالب الأمريكية بخوض الجيش الباكستاني حرب واشنطن في مناطق قبلية من باكستان كانت قد تمتعت بحرية ذاتية إلى حدٍ بعيد، حتى في ظل الحكم البريطاني.

      الجيش هو المؤسسة المستقرة في باكستان، إذ يسهم في توطيد أواصر البلاد. ويكتب ليفين أن العمليات الأمريكية قد "تُحدث تمرداً في أجزاء من المؤسسة العسكرية" سيؤدي في هذه الحالة إلى "انهيار الدولة الباكستانية سريعاً وظهور كل الكوارث التي تستتبع ذلك".

      وما يفاقم بشكل بالغ الكوارث المحتمل حدوثها هي ترسانة الأسلحة النووية الضخمة السريعة النمو في باكستان، إلى جانب الحركة الجهادية الواسعة في البلاد. والاثنان من مخلَّفات إدارة ريجان، إذ زعم المسؤولون في إدارته أنهم لم يكونوا على علم بأن ضیاء الحق، الدكتاتور العسكري الأشدّ فساداً في باكستان والمفضَّل لدى واشنطن، كان يعمل على تطوير أسلحة نووية وتطبيق برنامج أسلمة راديكالية لباكستان بواسطة تمويل خليجي .

      أما الكارثة التي تلوح في الأفق فهي إمكان اجتماع هاتين التَرِكتين وتسرُّب مواد انشطارية إلى أيادي المجاهدين، فقد نرى عندها أسلحة نووية، على أغلب الظن "قنابل قذرة" إشعاعية، تنفجر في لندن ونيويورك. ويلخِّص ليفين فكرته قائلاً إن "الجنود الأمريكيين والبريطانيين يلقون في الواقع مصرعهم في أفغانستان من أجل أن يصبح العالم أكثر خطراً للشعبين الأمريكي والبريطاني".

      وتدرك واشنطن بالتأكيد أن العمليات الأمريكية المنفَّذة فيما أُطلق عليه اسم الأفباك، اختصاراً لأفغانستان وباكستان، قد تؤدي إلى زعزعة باكستان وجعلها أكثر تطرفاً. إن أهم وثائق "ويكيليكس" التي نُشرت حتى الآن هي البرقيات المرسلة من السفيرة الأمريكية في إسلام أباد، آن باترسون التي تدعم العمليات الأمريكية في منطقة الأفباك محذِّرة على الرغم من ذلك من أنها "قد تهدِّد زعزعة استقرار الدولة الباكستانية وإبعاد الحكومة المدنية والقيادة العسكرية على حدٍ سواء، فضلاً عن إثارة أزمة حكم أوسع نطاقاً في البلاد".

      وتكتب باترسون عن احتمال أن "يتمكن أحد العاملين في منشآت (الحكومة الباكستانية) تدريجياً من تهريب مواد انشطارية كافية إلى الخارج من أجل صناعة أسلحة في نهاية المطاف"، وهو خطر يعزِّزه "عدم تحصين الأسلحة خلال نقلها".

      ورأى بعض المحللين أن ابن لادن حقَّق بعض الانتصارات الكبرى في حربه ضد الولايات المتحدة. فقد كتب إريك أس.

      مارجوليس في مجلة "ذي أمريكان كونسيرفاتيف" خلال شهر مايو أن "(ابن لادن) أكد مراراً أن الطريقة الوحيدة لإخراج الولايات المتحدة من العالم الإسلامي وإلحاق الهزيمة بحكامها هي استدراج الأمريكيين في سلسلة من الحروب الصغيرة إنما المكلفة التي ستؤدي في النهاية إلى إفلاسهم".

      وكان واضحاً تماماً بُعيد هجمات الحادي عشر من سبتمبر أن واشنطن كانت عازمة على تحقيق رغبات ابن لادن. ويشرح أحد كبار المحللين في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، مايكل شوير، الذي كان تعقَّب أسامة بن لادن منذ العام 1996، في كتابه الصادر عام 2004 بعنوان "الغطرسة الإمبريالية" (Imperial Hubris) ، أن "ابن لادن كان دقيقاً في الإفصاح لأمريكا عن أسباب شنّه حرباً علينا، إذ إنه يعتزم إحداث تغيير جذري في السياسات الأمريكية والغربية إزاء العالم الإسلامي"، وقد بلغ غاياته إلى حدٍ كبير.

      ويتابع أن "القوات والسياسات الأمريكية تستكمل تقوية النزعة الراديكالية في العالم الإسلامي، الأمر الذي كان يسعى أسامة بن لادن إلى تحقيقه بنجاح هائل إنما غير مكتمل منذ مطلع التسعينيات. ونتيجة لذلك، أعتقد أنه من المنصف الاستنتاج أن الولايات المتحدة لا تزال الحليف الوحيد الذي لا يستغني ابن لادن عنه"، وهي تبقى كذلك على الأرجح، حتى بعد موته.

      وتدفعنا المصائب والأهوال المتعاقبة طوال العقد المنصرم إلى طرح السؤال التالي: هل كان من بديل لردّ فعل الغرب على هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟

      من بين الاحتمالات الممكنة، كانت ستواجه الحركة الجهادية التي يميل قسم كبير منها إلى انتقاد ابن لادن، انشقاقات وكانت ستُنسف بعد الحادي عشر من سبتمبر لو جرى مقاربة "الجريمة ضد الإنسانية"، كما وُصفت الاعتداءات على وجه حق، على أنها جريمة تستلزم عمليات دولية لإلقاء القبض على المشتبه بهم. كان الأمر موضع إقرار عام في حينه، ولكن من دون أخذ هذه الفكرة في الحسبان في خضم الاستعجال لخوض الحرب. كما تجدر الملاحظة أن ابن لادن كان أُدين في معظم العالم العربي لدوره في الهجمات.

      عند موت ابن لادن، كان حضوره قد تضاءل منذ فترة طويلة، ناهيك عن أن الربيع العربي حجب عنه أي بريق متبقٍ خلال الأشهر السابقة. أما أهميته في العالم العربي، فقد نجح عنوان مقال ورد في صحيفة "نيويورك تايمز" بقلم جيل كيبيل المتخصِّص في شؤون الشرق الأوسط، في التعبير عنها خير تعبير: "ابن لادن كان مات أساساً".

      كان من الممكن صدور العنوان الرئيسي هذا قبل ذلك بكثير لو لم تحشد الولايات المتحدة الحركة الجهادية بشنّ هجمات انتقامية على أفغانستان والعراق.

      وفي داخل الحركة الجهادية، كان ابن لادن بلا ريب رمزاً موقَّراً إنما لم يؤدِ كما يظهر أكثر من دور تقتدي به "القاعدة"، أو "الشبكة المؤلفة من شبكات" كما يصفها المحللون، التي تنفِّذ عمليات مستقلة في أغلب الحالات.

      وحتى أن أكثر الوقائع بديهية وبدائية عن هذا العقد تدعونا إلى أفكار وتأملات قاتمة حين نستعرض الحادي عشر من سبتمبر وتبِعاته، وما تحمله للمستقبل.

      * أستاذ اللغويات والفلسفة الفخري في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كامبريدج، ولاية ماساتشوستس وأحدث مؤلفاته كتاب "11 سبتمبر: الذكرى العاشرة".

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية