أمي قالت أنها ولدتني في نفس الليلة التي وَلَدَت ْفيها شاتنا الحكلية(1) أول بطونها.. لا ريب أن فرحت الأسرة كانت مضاعفة تلك الليلة، إلا أني أجزم أن فرحة أبي بابن الحكلية كانت أشد من فرحته بابن سعدية: أنا. وهو لقب لم يكف أبي عن مناداتي به حتى بعد أن نبتت أول شعرة بين الذقن والأذن!
كان يناديني “بابن سعدية” بسبب أو بدون.. ليس فقط إذا غضب مني أو أراد توبيخي، وإنما حتى إذا طلب مني إحضار أبريق الغسيل وسكب الماء على يديه وفركهما “باللومي” والتراب بعد تناول الطعام.. ولا أعرف لذلك سببا!
المرآة، على أية حال، لا تكف التأكيد لي أني أكثر إخوتي شبها بوالدي كلما وقفت أمامها أبحث عن ما يؤكد لي أني “أبن أبي”. ويتجلى ذلك الشبه في شفتي السفلى التي بدأت أجد صعوبة في ضمها إلى شقيقتها العليا!
أتذكر أني تشاجرت ذات يوم، عندما كنت تلميذا في الابتدائية، مع صبي في صفي، فقد صفعته على وجهه عندما شتمني أمام تلاميذ الصف: “أنت أبن حرام”. ورجعت إلى البيت أبكي، لكني مسحت دمعي قبل أن تراه أمي أو أحد إخوتي. ومنذ تلك الفترة المبكرة من حياتي وأنا أتساءل: “أبي يدعوني ابن سعدية؟!، وزميلي في الصف قال أني ابن حرام؟!، والمرآة تؤكد أني أشبه أبي، وأنا.. لا أعرف “ابن من أنا!”.
وأمام حيرتي، وضعف حيلتي والإحساس بوطأة فقد هويتي وما يميزني عن أي إنسان آخر، قررت أنا عوفيت ابن “...” إجبار أمي على أن تحلف بأغلى الناس إليها ـ جدي ـ أني أبن أبي! فلطالما سمعتها تحلف باسمه حين تقول:”ورأس الغالي”، وتكررها باللغة الجبالية (2) :”بريش إيي”.. وهي حلفة ما بعدها حلفة! ولأن لا أحد في بيتنا يأخذني على محمل الجد، ابتسمت أمي، وقالت: “أنت ابن أبيك!”. ولكنها لم تحلف برأس الغالي، ولا قالت “بريش إيي”، وإنما مدت يديّها تناولني الكرمة(3) لتقديمها لأبي بعد أن أفرغت ضروع بنات وحفيدات الـ”حكلية” الأولى.
رفضت حمل الكرمة، بل ورفضت الذهاب للوقوف على رأس أبي، وجلست في مكان قريب من زريبة الحكليات. وإذ خرجت أمي وفي يدها الكرمة، سمعت شهقتي المكبوتة بين ركبتي ورأسي، فالتفتت إلي وجلست، وحضنت رأسي بصدرها، وقالت: “يا ولدي تعال وقف مع إخوتك على رأس أبيك، واطرد هذه الوساوس من رأسك”. وأقسمت، هذه المرة، برأس الغالي “بريش إيي” أني أبن أبي.
لشرب الحليب الطازج عند أبي طقوس: يجلس القرفصاء.. يمسك الكرمة بيدين.. يأخذ نفسا عميقا ويكتمه.. يغمض عينيه.. يعب الحليب حتى يرتوي، يمد الكرمة إلى أقربنا إليه.. يمسك طرف “وزِّارة” (4) ويمسح به رغوة الحليب المتراكمة على شاربة وبعض من لحيته الكثة، يتبعها بترعة تفزع ديك جدتي الجاثم فوق جذع الجحلة(5)!
نقف ـ نحن أبنائه الستة ـ على رأسه ننتظر أن يفرغ من شراب الحليب الطازج، ونأمل ونحن نلعق شفاهنا الجافة بألسنة أكثر جفافا، أن يبقي لنا شيئا في قاع الكرمة! وسواء ذقنا شيئا من حليب عائلة الحكلية أم لا، إلا أن أبي لا يكف مرة تلو أخرى عن ذكر محاسن الحكلية الأولى وتذكيرنا بأفضالها علينا، فيبالغ أحيانا ـ عن عمد ـ أنها أنفع من بعضنا بما كانت توجد به وما زالت (من خلال بناتها وحفيداتها) من لحم ودسم.
خالفت كلام أمي ولم أذهب للوقوف على رأس أبي، وأنا الذي ما عصيت يوما أمرها، ولا تقاعست عن مساعدتها في تنظيف الزريبة، وسقي الحيوان، ولم يحدث أن نمت متأخرا يوم الجمعة مثلما يفعل أخوتي، وإنما أنهض مبكرا وأرعى عنها عائلة الحكلية!
وأنا، إذ ذاك، في نظر أمي أفضل إخوتي وانفعهم لها، وهذا بشهادتها، فقد سمعتها ذات مرة تقول عني أمام أبي وعلى مسمع من إخوتي: “المبروك أرحمكم لأمه”، وأفشت سرا لم تطلعه على أحد غيري حين قالت لي أني اقرب، في طباعي وطبيعتي، إلى “الغالي” والدها لا إلى والدي!
أتذكر أول محاولة علنية لتسجيل موقف احتجاجي تجاه تسمية أبي لي بابن سعدية، كانت يوم أن أخذني لتسجيلي في المدرسة حين سأل الموظف الذي كان يدون بياناتي في سجل التلاميذ الجدد: “اسم التلميذ؟”. فأجبت دون أن أنتظر رد أبي: “عوفيت”.
أبي نظر إلىّ فخورا بجراءتي.. مسد شاربيه ولحيته بطرف أصابعه، وعلى وجهه ابتسامة زادتها شفته السفلية عرضا، وما خطر له على بال أن جوابي التالي سيقلب الأمر رأسا على عقب. فعندما سأل الموظف: “أبن من؟”، أجبت وأنا أنظر إلى أبي لا إلى الموظف، وأزيد عمدا من تدلي شفتي السفلية “ابن سعدي”. فهوى كفه على وجهي بسرعة فاقت الزمن الذي قطعته إجابتي إلى أذن الموظف!
ورغم أن ألم الصفعة لازم وجهي لأكثر من يوم، إلا أن نجاحي في منع أبي من مواصلة نعتي بذلك اللقب لعدة أيام عوّض ما كنت أشعر به من وجع! واعتقدت أني نجحت، بيد أن نجاحي المزعوم لم يستمر طويلا فقد “عادت حليمة إلى سيرتها القديمة”.
أخوتي وجدوا في موقف أبي مني مثارا للسخرية والضحك، فقد وشوش لي دهق، وهو الشيطان بذاته وان كان البكر فينا، أن أدعو أبي بلقب ـ اقترحه هو ـ إذا كنت حقا أريده أن يتوقف عن مناداتي بابن سعدية، بعد أن أكد لي قائلا: “جرب وشوف، فأنت لن تخسر شيء!”
اعترضت.. سأكون ابنا عاقا إذ أخذت بنصيحة دهق، وأنا الذي طالما سمعت أمي تصفني بـ”المبروك”. هذا إلى جانب أني ـ وكعادتي ـ أحسب ألف حساب للصفعة التي ستكون هذه المرة بحجم التطاول على مقام أبي، فقلت له في إشارة إلى صفعة تلقاها هو نفسه ـ وما زال أثرها يشي بقوتها على صفحة خده ـ في وقت مبكر من ذلك اليوم:
ـ هل نسيت الألم الذي يتركه كف أبيك على الوجه.
تحسس خده بيده، وتمتم غاضبا:
ـ أنت حكلي، ولعل اسم “ابن الحكلية” انسب إليك من “ابن سعدية!
فكرت قبل الإقدام على تنفيذ الاقتراح الشيطاني أن استنفذ كل خياراتي. سأضرب أولا على وتر العواطف: وفي غياب أخوتي، مسكت يد أبي، بعد أن طلب مني إحضار كأسا من الماء، وقبلتها صادقا ورجوته أن يكف عن مناداتي بابن سعدية: “أبي.. الله يخليك.. لقد أصبحت كبيرا”، وكدت أقول “ولم يعد من اللائق” لكني لجمت لساني قبل أن ينطق بها، واستبدلتها بـ:”ولا أعتقد أنك ترضى أن يعرفني الناس بابن سعدية.. ففي هذا إساءة لك أنت قبلي أنا.”
وجلست أمامه.. تركت عيناي تحاسبان أحاسيس الأبوة، فرمقني بطرف عينيه، وتمتم بكلمات جبالية لم افهمها وهز رأسه. موافقا؟ ربما، لكني لا أجزم! إذ ظل ينظر إليّ وفي عينيه سؤال أو أكثر!
وإذ أطلعت دهق على ما جرى، كرر الشيطان تحريضه لي: “ألم أقل لك! قلها يا رجل ولا تخف. أما إذا كنت تخشى ألم الصفحة فهو لا يساوي شيئا إذا قارنته بما أنت فيه!”. وقلت في سري: “نعم هو صادق في هذه.. ألم المعاناة الدائمة وأنا أسمع إخوتي، حتى الأصغر مني سنا “حود”، يكتمون ضحكاتهم، ويوارون سخريتهم، كلما ناداني والدي بـ”ابن سعدية”.
وغدا موقف أبي “غير المبرر” يؤرق مضجعي، وأثر على سلوكي مع أصدقائي، فأصبحت انطوائنا.. أتجنب الاختلاط بهم واللعب معهم، لا لشيء سوى خشيتي من أن يناديني أحدهم بـ “ابن سعدية”.
دهق يعتقد أن ابن الحكلية، البطن الثاني، هو سبب موقف أبي مني. فهو يظن ـ والكلام هنا لدهق ـ أني تسبب في موت ابن الحكلية جوعا عندما جف ضرع أمي، فلجأتِ إلى ضرع أمه، ولم أتوقف عنه حتى بعد أن فُطمت.
كنت أحبو سرا إلى الزريبة لأرضع من ضرعها، فكانت بمثابة الأم المرضعة. دهق أكد بعد أن أقسم أنه كان يختلس النظر من خلف سياج الزريبة، لكنه الأمر ظل، كما قال، طي الكتمان. “وسيظل سرك في بئر”. قال ذلك وهو يضرب كفه على صدره. وكما قلت سابقا: دهق شيطان، فهل يؤتمن سر عند شيطان! فقد علق ذات يوم، في حضور أبي، أنه لاحظ أن شخيري يشبه أحيانا ثغاء الحكلية. أبي ضحك ملاْ شدقيه إذ أعجبه التشبيه!
كبرت، وكلما كبرت تؤكد المرآة لي أكثر فأكثر أني ابن أبي. واليوم رأيت أول شعرة في ذقني، فاعتقدت أن أبي سيقلل من استخدام ذلك اللقب إذا شاهد الشعرة التي انتصبت وحيدة في منتصف المسافة ما بين الذقن والأذن، لكنه رجائي خاب، فقد واصل، وعلى عكس ما ظننت، تحقيري، بل وتعمّد في ذلك اليوم بالذات اختلاق مواقف تستدعي مناداتي بـابن سعدية.
وخلت أن الوقت حان لاتخاذ موقف أجلته أكثر مما ينبغي. ولا أدري كيف واتتني الشجاعة ـ دون نية مسبقة ـ وبالذات في ذلك الوقت من طقوس الأسرة اليومية حين نجتمع بعد العشاء لمتابعة المسلسل العربي اليومي أمام شاشة التلفاز. فقد طلب أبي مني ـ أنا بالذات ـ رفع صوت التلفاز، ولم يفته أن يدعوني ابن سعدية، رغم أني كنت أبعدهم عن الجهاز، وكنت أقلهم حرصا على متابعة المسلسل، فلطالما آثرت الابتعاد بأفكاري وخيالاتي عن متابعة حكايات وقصص هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع.
نهضت وتقدمت إلى حيث التلفاز، لكني لم ارفع صوت الجهاز، كما كان متوقعا، وإنما كتمته.. نعم كتمته! ووقفت أمام عيون كادت تفلت من محاجرها، وأفواه فاغرة فُتحت على أخرها، وقلت وأنا أنظر في عينيّ أبي: “إذا كنت أنا ابن سعدية، وهذه حقيقة، فان الحقيقة الأخرى هي أنك أنت زوج سعدية. ووالله لن أناديك بعد اليوم إلا بـ”زوج سعدية” حتى تكف عن مناداتي بابن سعدية. وأقسم أني لم أكن جادا في حياتي مثلما كنت جادا في تلك اللحظة!
باغتهم كلامي.. كمن نزل الطير على رؤوسهم.. تجمدوا، واحتقنت وجوهم وتعاظم الضحك داخل أفواههم. بعضهم حاول كبت ضحكته بوضع كفه على فمه، ومنهم من ركض إلى الخارج عندما أعياه كتمها. أمي فقط لم تكبت ضحكتها، ولا وارت ابتسامتها، وسمعتها تقول:”حيّ الله المبروك”. وكررتها بالجبالية: “تب حي بريحيم”.
لم يستبد الغضب بأبي، ولا تطاير الشرر من عينيه كما كنت متأكدا. توقعت أن يهرس جسدي النحيل تحت قدميه، أو يمزقني بما تبقى في فمه من أسنان، أو يسحب” أم العقد”: عصاه التي يثير ذكرها الرعب في الأوصال، أو على الأقل يوجه لي سيلا من الصفعات على وجهي.
توقعت أن يفعل كل ذلك أو بعضا منه، وظننت أنه سيفعل أي شيء وكل شيء غير أن ينفجر ضاحكا على نحو لم يسبق له مثيل.. ظل يضحك.. ويمسح الدمع، وينظر إليّ، ويعاود الضحك.. كرر ذلك مرات! في حين ظلت أمي تبتسم وتقول: “حيّ الله المبروك”، وتكررها بالجبالية :”تب حيّ بريحيم”.
وعندما توقفت نوبة الضحك تلك، وقف: هو اقترب مني، وأنا ابتعدت عنه. وإذ حرك يده اليمنى رفعت معصميّ لحماية وجهي، ومن بينهما راقبته: لم أرى على وجهه ما يدل على أنه استبدل الضحك بالغضب، بل على العكس: كانت بقايا الضحك لا زالت عالقة في ابتسامة أبت أن تفارق وجهه. وهذا ما طمأنني أن يده اليمنى الممدودة نحو لن ترتفع إلى وجهي، وإنما تبحث عن يدي!
أنا أعرف أبي، فملامح وجهه لا تخون وهو ليس من النوع الذي يبدو عليه ما لا يضمر. أنزلت يدي لمصافحته، فضمني إلى صدره. وبدا لي عطوفا على نحو لم أعهده فيه من قبل، فاستسلمت لحضنه، وشعرت بدفء الأبوة وعرفت معناها.. ربما لأول مرة في حياتي! وسمعته يقول:”حيّ الله المبروك”. وكررها كما تفعل أمي: “تب حي بريحيم”.. وفي اليوم التالي وعلى مسامع إخوتي ناداني: “انكع اسكف تولي عوفيت”.. (أي تعال اجلس إلى جانبي يا عوفيت). فيشع بريق النصر في عيني و أنا أشاهد أخوتي يخفون خلف ابتساماتهم غيرة فشلوا في إخفائها تماما مثلما فشلوا في كبت ضحكاتهم يوم أمس!
ــ
(1) الحكلية: نوع من الماعز شعره قصير وألوان جلده متعددة وجذابة. (2) الجبالية: لهجة عربية قديمة تعود إلى عهد عاد الأول يتحدث بها سكان المنطقة الجنوبية (ظفار) من عمان وخاصة سكان الجبال. (3) الكرمة: وعاء من الفخار أو الجلد تحلب فيه الإبل والماعز. (4) وزِّار: قطعة مستطيلة من القطن يلفها الرجال على الخصر وتتدلى إلى القدمين، تلبس تحت الثوب. (5) الجحلة: أناء فخاري لحفظ الماء.
كان يناديني “بابن سعدية” بسبب أو بدون.. ليس فقط إذا غضب مني أو أراد توبيخي، وإنما حتى إذا طلب مني إحضار أبريق الغسيل وسكب الماء على يديه وفركهما “باللومي” والتراب بعد تناول الطعام.. ولا أعرف لذلك سببا!
المرآة، على أية حال، لا تكف التأكيد لي أني أكثر إخوتي شبها بوالدي كلما وقفت أمامها أبحث عن ما يؤكد لي أني “أبن أبي”. ويتجلى ذلك الشبه في شفتي السفلى التي بدأت أجد صعوبة في ضمها إلى شقيقتها العليا!
أتذكر أني تشاجرت ذات يوم، عندما كنت تلميذا في الابتدائية، مع صبي في صفي، فقد صفعته على وجهه عندما شتمني أمام تلاميذ الصف: “أنت أبن حرام”. ورجعت إلى البيت أبكي، لكني مسحت دمعي قبل أن تراه أمي أو أحد إخوتي. ومنذ تلك الفترة المبكرة من حياتي وأنا أتساءل: “أبي يدعوني ابن سعدية؟!، وزميلي في الصف قال أني ابن حرام؟!، والمرآة تؤكد أني أشبه أبي، وأنا.. لا أعرف “ابن من أنا!”.
وأمام حيرتي، وضعف حيلتي والإحساس بوطأة فقد هويتي وما يميزني عن أي إنسان آخر، قررت أنا عوفيت ابن “...” إجبار أمي على أن تحلف بأغلى الناس إليها ـ جدي ـ أني أبن أبي! فلطالما سمعتها تحلف باسمه حين تقول:”ورأس الغالي”، وتكررها باللغة الجبالية (2) :”بريش إيي”.. وهي حلفة ما بعدها حلفة! ولأن لا أحد في بيتنا يأخذني على محمل الجد، ابتسمت أمي، وقالت: “أنت ابن أبيك!”. ولكنها لم تحلف برأس الغالي، ولا قالت “بريش إيي”، وإنما مدت يديّها تناولني الكرمة(3) لتقديمها لأبي بعد أن أفرغت ضروع بنات وحفيدات الـ”حكلية” الأولى.
رفضت حمل الكرمة، بل ورفضت الذهاب للوقوف على رأس أبي، وجلست في مكان قريب من زريبة الحكليات. وإذ خرجت أمي وفي يدها الكرمة، سمعت شهقتي المكبوتة بين ركبتي ورأسي، فالتفتت إلي وجلست، وحضنت رأسي بصدرها، وقالت: “يا ولدي تعال وقف مع إخوتك على رأس أبيك، واطرد هذه الوساوس من رأسك”. وأقسمت، هذه المرة، برأس الغالي “بريش إيي” أني أبن أبي.
لشرب الحليب الطازج عند أبي طقوس: يجلس القرفصاء.. يمسك الكرمة بيدين.. يأخذ نفسا عميقا ويكتمه.. يغمض عينيه.. يعب الحليب حتى يرتوي، يمد الكرمة إلى أقربنا إليه.. يمسك طرف “وزِّارة” (4) ويمسح به رغوة الحليب المتراكمة على شاربة وبعض من لحيته الكثة، يتبعها بترعة تفزع ديك جدتي الجاثم فوق جذع الجحلة(5)!
نقف ـ نحن أبنائه الستة ـ على رأسه ننتظر أن يفرغ من شراب الحليب الطازج، ونأمل ونحن نلعق شفاهنا الجافة بألسنة أكثر جفافا، أن يبقي لنا شيئا في قاع الكرمة! وسواء ذقنا شيئا من حليب عائلة الحكلية أم لا، إلا أن أبي لا يكف مرة تلو أخرى عن ذكر محاسن الحكلية الأولى وتذكيرنا بأفضالها علينا، فيبالغ أحيانا ـ عن عمد ـ أنها أنفع من بعضنا بما كانت توجد به وما زالت (من خلال بناتها وحفيداتها) من لحم ودسم.
خالفت كلام أمي ولم أذهب للوقوف على رأس أبي، وأنا الذي ما عصيت يوما أمرها، ولا تقاعست عن مساعدتها في تنظيف الزريبة، وسقي الحيوان، ولم يحدث أن نمت متأخرا يوم الجمعة مثلما يفعل أخوتي، وإنما أنهض مبكرا وأرعى عنها عائلة الحكلية!
وأنا، إذ ذاك، في نظر أمي أفضل إخوتي وانفعهم لها، وهذا بشهادتها، فقد سمعتها ذات مرة تقول عني أمام أبي وعلى مسمع من إخوتي: “المبروك أرحمكم لأمه”، وأفشت سرا لم تطلعه على أحد غيري حين قالت لي أني اقرب، في طباعي وطبيعتي، إلى “الغالي” والدها لا إلى والدي!
أتذكر أول محاولة علنية لتسجيل موقف احتجاجي تجاه تسمية أبي لي بابن سعدية، كانت يوم أن أخذني لتسجيلي في المدرسة حين سأل الموظف الذي كان يدون بياناتي في سجل التلاميذ الجدد: “اسم التلميذ؟”. فأجبت دون أن أنتظر رد أبي: “عوفيت”.
أبي نظر إلىّ فخورا بجراءتي.. مسد شاربيه ولحيته بطرف أصابعه، وعلى وجهه ابتسامة زادتها شفته السفلية عرضا، وما خطر له على بال أن جوابي التالي سيقلب الأمر رأسا على عقب. فعندما سأل الموظف: “أبن من؟”، أجبت وأنا أنظر إلى أبي لا إلى الموظف، وأزيد عمدا من تدلي شفتي السفلية “ابن سعدي”. فهوى كفه على وجهي بسرعة فاقت الزمن الذي قطعته إجابتي إلى أذن الموظف!
ورغم أن ألم الصفعة لازم وجهي لأكثر من يوم، إلا أن نجاحي في منع أبي من مواصلة نعتي بذلك اللقب لعدة أيام عوّض ما كنت أشعر به من وجع! واعتقدت أني نجحت، بيد أن نجاحي المزعوم لم يستمر طويلا فقد “عادت حليمة إلى سيرتها القديمة”.
أخوتي وجدوا في موقف أبي مني مثارا للسخرية والضحك، فقد وشوش لي دهق، وهو الشيطان بذاته وان كان البكر فينا، أن أدعو أبي بلقب ـ اقترحه هو ـ إذا كنت حقا أريده أن يتوقف عن مناداتي بابن سعدية، بعد أن أكد لي قائلا: “جرب وشوف، فأنت لن تخسر شيء!”
اعترضت.. سأكون ابنا عاقا إذ أخذت بنصيحة دهق، وأنا الذي طالما سمعت أمي تصفني بـ”المبروك”. هذا إلى جانب أني ـ وكعادتي ـ أحسب ألف حساب للصفعة التي ستكون هذه المرة بحجم التطاول على مقام أبي، فقلت له في إشارة إلى صفعة تلقاها هو نفسه ـ وما زال أثرها يشي بقوتها على صفحة خده ـ في وقت مبكر من ذلك اليوم:
ـ هل نسيت الألم الذي يتركه كف أبيك على الوجه.
تحسس خده بيده، وتمتم غاضبا:
ـ أنت حكلي، ولعل اسم “ابن الحكلية” انسب إليك من “ابن سعدية!
فكرت قبل الإقدام على تنفيذ الاقتراح الشيطاني أن استنفذ كل خياراتي. سأضرب أولا على وتر العواطف: وفي غياب أخوتي، مسكت يد أبي، بعد أن طلب مني إحضار كأسا من الماء، وقبلتها صادقا ورجوته أن يكف عن مناداتي بابن سعدية: “أبي.. الله يخليك.. لقد أصبحت كبيرا”، وكدت أقول “ولم يعد من اللائق” لكني لجمت لساني قبل أن ينطق بها، واستبدلتها بـ:”ولا أعتقد أنك ترضى أن يعرفني الناس بابن سعدية.. ففي هذا إساءة لك أنت قبلي أنا.”
وجلست أمامه.. تركت عيناي تحاسبان أحاسيس الأبوة، فرمقني بطرف عينيه، وتمتم بكلمات جبالية لم افهمها وهز رأسه. موافقا؟ ربما، لكني لا أجزم! إذ ظل ينظر إليّ وفي عينيه سؤال أو أكثر!
وإذ أطلعت دهق على ما جرى، كرر الشيطان تحريضه لي: “ألم أقل لك! قلها يا رجل ولا تخف. أما إذا كنت تخشى ألم الصفحة فهو لا يساوي شيئا إذا قارنته بما أنت فيه!”. وقلت في سري: “نعم هو صادق في هذه.. ألم المعاناة الدائمة وأنا أسمع إخوتي، حتى الأصغر مني سنا “حود”، يكتمون ضحكاتهم، ويوارون سخريتهم، كلما ناداني والدي بـ”ابن سعدية”.
وغدا موقف أبي “غير المبرر” يؤرق مضجعي، وأثر على سلوكي مع أصدقائي، فأصبحت انطوائنا.. أتجنب الاختلاط بهم واللعب معهم، لا لشيء سوى خشيتي من أن يناديني أحدهم بـ “ابن سعدية”.
دهق يعتقد أن ابن الحكلية، البطن الثاني، هو سبب موقف أبي مني. فهو يظن ـ والكلام هنا لدهق ـ أني تسبب في موت ابن الحكلية جوعا عندما جف ضرع أمي، فلجأتِ إلى ضرع أمه، ولم أتوقف عنه حتى بعد أن فُطمت.
كنت أحبو سرا إلى الزريبة لأرضع من ضرعها، فكانت بمثابة الأم المرضعة. دهق أكد بعد أن أقسم أنه كان يختلس النظر من خلف سياج الزريبة، لكنه الأمر ظل، كما قال، طي الكتمان. “وسيظل سرك في بئر”. قال ذلك وهو يضرب كفه على صدره. وكما قلت سابقا: دهق شيطان، فهل يؤتمن سر عند شيطان! فقد علق ذات يوم، في حضور أبي، أنه لاحظ أن شخيري يشبه أحيانا ثغاء الحكلية. أبي ضحك ملاْ شدقيه إذ أعجبه التشبيه!
كبرت، وكلما كبرت تؤكد المرآة لي أكثر فأكثر أني ابن أبي. واليوم رأيت أول شعرة في ذقني، فاعتقدت أن أبي سيقلل من استخدام ذلك اللقب إذا شاهد الشعرة التي انتصبت وحيدة في منتصف المسافة ما بين الذقن والأذن، لكنه رجائي خاب، فقد واصل، وعلى عكس ما ظننت، تحقيري، بل وتعمّد في ذلك اليوم بالذات اختلاق مواقف تستدعي مناداتي بـابن سعدية.
وخلت أن الوقت حان لاتخاذ موقف أجلته أكثر مما ينبغي. ولا أدري كيف واتتني الشجاعة ـ دون نية مسبقة ـ وبالذات في ذلك الوقت من طقوس الأسرة اليومية حين نجتمع بعد العشاء لمتابعة المسلسل العربي اليومي أمام شاشة التلفاز. فقد طلب أبي مني ـ أنا بالذات ـ رفع صوت التلفاز، ولم يفته أن يدعوني ابن سعدية، رغم أني كنت أبعدهم عن الجهاز، وكنت أقلهم حرصا على متابعة المسلسل، فلطالما آثرت الابتعاد بأفكاري وخيالاتي عن متابعة حكايات وقصص هزيلة لا تسمن ولا تغني من جوع.
نهضت وتقدمت إلى حيث التلفاز، لكني لم ارفع صوت الجهاز، كما كان متوقعا، وإنما كتمته.. نعم كتمته! ووقفت أمام عيون كادت تفلت من محاجرها، وأفواه فاغرة فُتحت على أخرها، وقلت وأنا أنظر في عينيّ أبي: “إذا كنت أنا ابن سعدية، وهذه حقيقة، فان الحقيقة الأخرى هي أنك أنت زوج سعدية. ووالله لن أناديك بعد اليوم إلا بـ”زوج سعدية” حتى تكف عن مناداتي بابن سعدية. وأقسم أني لم أكن جادا في حياتي مثلما كنت جادا في تلك اللحظة!
باغتهم كلامي.. كمن نزل الطير على رؤوسهم.. تجمدوا، واحتقنت وجوهم وتعاظم الضحك داخل أفواههم. بعضهم حاول كبت ضحكته بوضع كفه على فمه، ومنهم من ركض إلى الخارج عندما أعياه كتمها. أمي فقط لم تكبت ضحكتها، ولا وارت ابتسامتها، وسمعتها تقول:”حيّ الله المبروك”. وكررتها بالجبالية: “تب حي بريحيم”.
لم يستبد الغضب بأبي، ولا تطاير الشرر من عينيه كما كنت متأكدا. توقعت أن يهرس جسدي النحيل تحت قدميه، أو يمزقني بما تبقى في فمه من أسنان، أو يسحب” أم العقد”: عصاه التي يثير ذكرها الرعب في الأوصال، أو على الأقل يوجه لي سيلا من الصفعات على وجهي.
توقعت أن يفعل كل ذلك أو بعضا منه، وظننت أنه سيفعل أي شيء وكل شيء غير أن ينفجر ضاحكا على نحو لم يسبق له مثيل.. ظل يضحك.. ويمسح الدمع، وينظر إليّ، ويعاود الضحك.. كرر ذلك مرات! في حين ظلت أمي تبتسم وتقول: “حيّ الله المبروك”، وتكررها بالجبالية :”تب حيّ بريحيم”.
وعندما توقفت نوبة الضحك تلك، وقف: هو اقترب مني، وأنا ابتعدت عنه. وإذ حرك يده اليمنى رفعت معصميّ لحماية وجهي، ومن بينهما راقبته: لم أرى على وجهه ما يدل على أنه استبدل الضحك بالغضب، بل على العكس: كانت بقايا الضحك لا زالت عالقة في ابتسامة أبت أن تفارق وجهه. وهذا ما طمأنني أن يده اليمنى الممدودة نحو لن ترتفع إلى وجهي، وإنما تبحث عن يدي!
أنا أعرف أبي، فملامح وجهه لا تخون وهو ليس من النوع الذي يبدو عليه ما لا يضمر. أنزلت يدي لمصافحته، فضمني إلى صدره. وبدا لي عطوفا على نحو لم أعهده فيه من قبل، فاستسلمت لحضنه، وشعرت بدفء الأبوة وعرفت معناها.. ربما لأول مرة في حياتي! وسمعته يقول:”حيّ الله المبروك”. وكررها كما تفعل أمي: “تب حي بريحيم”.. وفي اليوم التالي وعلى مسامع إخوتي ناداني: “انكع اسكف تولي عوفيت”.. (أي تعال اجلس إلى جانبي يا عوفيت). فيشع بريق النصر في عيني و أنا أشاهد أخوتي يخفون خلف ابتساماتهم غيرة فشلوا في إخفائها تماما مثلما فشلوا في كبت ضحكاتهم يوم أمس!
ــ
(1) الحكلية: نوع من الماعز شعره قصير وألوان جلده متعددة وجذابة. (2) الجبالية: لهجة عربية قديمة تعود إلى عهد عاد الأول يتحدث بها سكان المنطقة الجنوبية (ظفار) من عمان وخاصة سكان الجبال. (3) الكرمة: وعاء من الفخار أو الجلد تحلب فيه الإبل والماعز. (4) وزِّار: قطعة مستطيلة من القطن يلفها الرجال على الخصر وتتدلى إلى القدمين، تلبس تحت الثوب. (5) الجحلة: أناء فخاري لحفظ الماء.