جاسون باك - كاثرين وايت
بينما يضيق الثوار، بقيادة المجلس الوطني الانتقالي الخناق شيئا فشيئا على نظام معمر القذافي البائد، وبينما هم يوسعون من المساحة الواقعة تحت سيطرتهم شبرا بعد الآخر، ويحكمون قبضتهم على مؤسسات الدولة وأجهزتها واحدة تلو الأخرى، من المهم أن نتذكر جميعا أن تأسيس ليبيا جديدة سيستغرق وقتا وسيواجه تحديات ربما تكون أصعب بكثير من إسقاط رأس النظام والقضاء على شأفته.
لكن رغم التحديات والعراقيل الكبيرة الكامنة في الطريق إلى ليبيا الجديدة، لاشك أن الإطاحة بالقذافي نهائيا هي فرصة جديدة لتأسيس حكومة مسؤولة مسلحة بالأدوات والعتاد من أجل تحقيق تنمية اقتصادية سريعة في قلب شمال أفريقيا.
ومن حظوظ ليبيا، رغم الغياب شبه الكامل للقطاع الخاص، وتفشي الفساد والبيروقراطية بشكل كبير، من حظوظها أنها تمتلك آفاق نمو اقتصادي مستدام أفضل من آفاق النمو الاقتصادي لجارتيها الثوريتين، مصر وتونس. فليبيا تمتلك مقدارا كبيرا من المصادر والموارد مقارنة بتونس، كما أن تعداد سكانها صغير جدا مقارنة بمصر، ولديها القدرة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية والخبرات الأجنبية أيضا.
ولكي تحقق ليبيا أفضل تأمين لمستقبلها الاقتصادي، من الضروري جدا أن يتمسك المجلس الوطني الانتقالي بإطار العمل الخاص بمؤسسات الدولة وبنظم النقل والمواصلات، وهو الإطار الذي حدد خطوطه العريضة رئيس المجلس المؤقت محمود جبريل. فلابد من وجود "خارطة طريق" منهجية وراسخة من أجل إعادة بناء ليبيا مابعد القذافي، وذلك من خلال تشكيل مؤتمر وطني يكون أعضاؤه من كل مناطق ليبيا وقبائلها وفئاتها الاجتماعية والاقتصادية.
وليس هذا بجديد، فمن العام 1949 إلى العام 1951، أشرفت الأمم المتحدة على مؤتمر وطني ليبي صاغ الدستور واختار إدريس السنوسي ملكا على البلاد، بالتماشي مع الدستور. وظل الملك في عرشه حتى أطاح به القذافي في انقلاب عسكري في العام 1969.
باختصار، يظل إشراف المجتمع الدولي على كيان حكومي انتقالي في ليبيا، يظل الطريقة الوحيدة، بسابقة تاريخية ناجحة، لتشكيل الحكومة الليبية الشرعية في وقت تغيير نظام الحكم. وبالوضع في الاعتبار أن المجلس الوطني الانتقالي ليس كيانا منتخبا، سيكون وضع موعد محدد بدقة لمثل هذا الإجراء -والالتزام به بشدة- سيكون ضروريا للمجلس ليظل شرعيا في عيون الليبيين والعالم كله. وربما يستخدم العالم الخارجي -الأمم المتحدة والجامعة العربية وغيرهما- سياسة العصا والجزرة لتشجيع بقاء التنمية والتطوير في المسار الصحيح. وإن تحدث المجتمع الدولي بصوت واحد -كما فعل في العام 1973 بخصوص قرار فرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا- لن ينظر أحد إلى جهود الإصلاح الخارجية على أنها استعمار جديد.
وحاليا، الانتقاد الداخلي في ليبيا الموجه إلى المجلس الوطني الانتقالي يتمحور حول كون المجلس يمثل مصالح طيف واحد من المجتمع الليبي -أهالي بنغازي- بالانحياز إلى صف الناتو. وهناك مؤشرات حقيقية على أن قادة المجلس الوطني الانتقالي يرغبون في أن يشمل المجلس بالفعل كل درجات طيف المجتمع الليبي، لكن الأمر ليس بهذه السهولة.
ومن قبيل المصادفة أن سقطة طرابلس في يد الثوار في وقت جيد بالنسبة للمجلس الوطني الانتقالي، مع إطلاق الخطوات الأولى لتشكيل مجلس وزراء بعد اغتيال القائد العسكري السابق للمجلس الوطني الانتقالي، الجنرال عبدالفتاح يونس في الثامن والعشرين من يوليو الفائت. وفعل المجلس الانتقالي حسن أن أصدر بيانا أوضح فيه أنه بمجرد أن يعود النظام إلى البلد، سيعين المجلس مجلس وزراء جديد، تمنح فيه نصف المناصب الوزارية، وما سواها في الرتبة من مناصب، إلى المناطق المحررة حديثا في ليبيا. وهذا يضمن تمثيلا حقيقيا لمنطقة طرابلس، والتي تضم ما نسبته 70 % من سكان ليبيا.
وكما أوضحت "خارطة الطريق" الليبية أن المجلس الوطني الانتقالي ملتزم بـتشطيل لجنة للمصالحة على غرار لجنة "الحقيقة والمصالحة" الجنوب أفريقية، التي تم تأسيسها بعد القضاء على دولة الفصل العنصري. كما وعد المجلس أن يكون هناك في الحكومة الليبية الجديدة أعضاء كانوا في الماضي مسؤولين في حكومة القذافي، لكنهم لم يتورطوا في جرائم ضد الشعب ولا ضد الإنسانية. وهذا الالتزام بعدم تكرار نسخة تفكيك البعثيين، كما حدث في العراق، ضروري من أجل النهضة مجددا بالاقتصاد الليبي في الأجل المتوسط، واستعادة الخدمات الأساسية للمواطنين الليبيين بسرعة في الأجل القريب.
والفشل في الاستفادة من المؤسسات والتكنوقراطيين وحتى رجال الشرطة من أيام النظام القديم التي ولت بلا رجعة سيقوض من جهود المجلس الوطني الانتقالي الرامية إلى توفير المتطلبات الضرورية والأساسية لكل سكان غرب ليبيا، وإلى منع وجود فراغ سياسي مطول، حتى لاتكون هناك فوضى، والتي في وجودها لايمكن للاقتصاد الليبي أن ينهض مجددا.
ومع هذا، يظل العامل الأكثر أهمية الذي يحد من قدرة المجلس الوطني الانتقالي على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين وتحقيق النهضة الاقتصادية المطلوبة، هو توفر المدخل إلى الأصول الليبية المجمدة في الخارج. وفي هذا الصدد، يجب على المجتمع الدولي أن يتحرك بفاعلية، في ظل تنسيق مع قرارات الاجتماع الأخير لمجموعة الاتصال الليبية، المشكلة من 30 عضوا، والمؤسسة من أجل استعادة الأصول الليبية في الخارج، وذلك من خلال تمرير قرارات مجلس الأمن الأخيرة في هذا الصدد، وتنفيذها بسلاسة.
وكانت أمريكا قد طلبت، على نحو صائب، من المجلس الوطني الانتقالي، أن يحدد احتياجياته لكي تحدد أمريكا كيف يمكن لها أن تلعب دورا مساندا للمجلس في الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، من أجل مساعدة الليبيين على استعادة الخدمات الأساسية الضرورية، لكي تبدأ النهضة الاقتصادية مجددا.
ومن المهم جدا لأمريكا والمجتمع الدولي وبريطانيا والاتحاد الأوروبي أن يقوموا بدور المساندة وليس دور التوجيه. ومن الضروري أيضا أن تتم النسبة الأكبر من الجهود الرامية إلى عودة الاستقرار-الأساس الأول للتنمية الاقتصادية- من خلال الأمم المتحدة.
إن نظرة جبريل المتفائلة إلى المستقبل الليبي ووعده بدولة واحدة وشعب واحد وتاريخ واحد ومستقبل واحد، هما نظرة ووعد يشاركه فيهما أغلب الليبيين، إن لم يكن جميعهم. لتكون آفاق انتقال ليبيا إلى ليبيا جديدة واعدة اقتصاديا يسودها الرخاء والاستقرر أفضل بكثير مما كان يظنه أغلب المعلقين.
ومع هذا، سيحتاج تطبيق خارطة الطريق التي صاغها المجلس الوطني الانتقالي وسيحتاج نقل السلطة أيضا إلى حكومة منتخبة إلى التعاون المتبادل بين ليبيا من ناحية والمجتمع الدولي من ناحية أخرى.
*باحث في التاريخ الليبي في كلية سانت كاثرين، بجامعة كامبريدج.
**المساعدة الشخصية السابقة للسفير الليبي لدى أمريكا
جلوبال فيو بوينت- ش
أكثر...
بينما يضيق الثوار، بقيادة المجلس الوطني الانتقالي الخناق شيئا فشيئا على نظام معمر القذافي البائد، وبينما هم يوسعون من المساحة الواقعة تحت سيطرتهم شبرا بعد الآخر، ويحكمون قبضتهم على مؤسسات الدولة وأجهزتها واحدة تلو الأخرى، من المهم أن نتذكر جميعا أن تأسيس ليبيا جديدة سيستغرق وقتا وسيواجه تحديات ربما تكون أصعب بكثير من إسقاط رأس النظام والقضاء على شأفته.
لكن رغم التحديات والعراقيل الكبيرة الكامنة في الطريق إلى ليبيا الجديدة، لاشك أن الإطاحة بالقذافي نهائيا هي فرصة جديدة لتأسيس حكومة مسؤولة مسلحة بالأدوات والعتاد من أجل تحقيق تنمية اقتصادية سريعة في قلب شمال أفريقيا.
ومن حظوظ ليبيا، رغم الغياب شبه الكامل للقطاع الخاص، وتفشي الفساد والبيروقراطية بشكل كبير، من حظوظها أنها تمتلك آفاق نمو اقتصادي مستدام أفضل من آفاق النمو الاقتصادي لجارتيها الثوريتين، مصر وتونس. فليبيا تمتلك مقدارا كبيرا من المصادر والموارد مقارنة بتونس، كما أن تعداد سكانها صغير جدا مقارنة بمصر، ولديها القدرة على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية والخبرات الأجنبية أيضا.
ولكي تحقق ليبيا أفضل تأمين لمستقبلها الاقتصادي، من الضروري جدا أن يتمسك المجلس الوطني الانتقالي بإطار العمل الخاص بمؤسسات الدولة وبنظم النقل والمواصلات، وهو الإطار الذي حدد خطوطه العريضة رئيس المجلس المؤقت محمود جبريل. فلابد من وجود "خارطة طريق" منهجية وراسخة من أجل إعادة بناء ليبيا مابعد القذافي، وذلك من خلال تشكيل مؤتمر وطني يكون أعضاؤه من كل مناطق ليبيا وقبائلها وفئاتها الاجتماعية والاقتصادية.
وليس هذا بجديد، فمن العام 1949 إلى العام 1951، أشرفت الأمم المتحدة على مؤتمر وطني ليبي صاغ الدستور واختار إدريس السنوسي ملكا على البلاد، بالتماشي مع الدستور. وظل الملك في عرشه حتى أطاح به القذافي في انقلاب عسكري في العام 1969.
باختصار، يظل إشراف المجتمع الدولي على كيان حكومي انتقالي في ليبيا، يظل الطريقة الوحيدة، بسابقة تاريخية ناجحة، لتشكيل الحكومة الليبية الشرعية في وقت تغيير نظام الحكم. وبالوضع في الاعتبار أن المجلس الوطني الانتقالي ليس كيانا منتخبا، سيكون وضع موعد محدد بدقة لمثل هذا الإجراء -والالتزام به بشدة- سيكون ضروريا للمجلس ليظل شرعيا في عيون الليبيين والعالم كله. وربما يستخدم العالم الخارجي -الأمم المتحدة والجامعة العربية وغيرهما- سياسة العصا والجزرة لتشجيع بقاء التنمية والتطوير في المسار الصحيح. وإن تحدث المجتمع الدولي بصوت واحد -كما فعل في العام 1973 بخصوص قرار فرض منطقة حظر طيران فوق ليبيا- لن ينظر أحد إلى جهود الإصلاح الخارجية على أنها استعمار جديد.
وحاليا، الانتقاد الداخلي في ليبيا الموجه إلى المجلس الوطني الانتقالي يتمحور حول كون المجلس يمثل مصالح طيف واحد من المجتمع الليبي -أهالي بنغازي- بالانحياز إلى صف الناتو. وهناك مؤشرات حقيقية على أن قادة المجلس الوطني الانتقالي يرغبون في أن يشمل المجلس بالفعل كل درجات طيف المجتمع الليبي، لكن الأمر ليس بهذه السهولة.
ومن قبيل المصادفة أن سقطة طرابلس في يد الثوار في وقت جيد بالنسبة للمجلس الوطني الانتقالي، مع إطلاق الخطوات الأولى لتشكيل مجلس وزراء بعد اغتيال القائد العسكري السابق للمجلس الوطني الانتقالي، الجنرال عبدالفتاح يونس في الثامن والعشرين من يوليو الفائت. وفعل المجلس الانتقالي حسن أن أصدر بيانا أوضح فيه أنه بمجرد أن يعود النظام إلى البلد، سيعين المجلس مجلس وزراء جديد، تمنح فيه نصف المناصب الوزارية، وما سواها في الرتبة من مناصب، إلى المناطق المحررة حديثا في ليبيا. وهذا يضمن تمثيلا حقيقيا لمنطقة طرابلس، والتي تضم ما نسبته 70 % من سكان ليبيا.
وكما أوضحت "خارطة الطريق" الليبية أن المجلس الوطني الانتقالي ملتزم بـتشطيل لجنة للمصالحة على غرار لجنة "الحقيقة والمصالحة" الجنوب أفريقية، التي تم تأسيسها بعد القضاء على دولة الفصل العنصري. كما وعد المجلس أن يكون هناك في الحكومة الليبية الجديدة أعضاء كانوا في الماضي مسؤولين في حكومة القذافي، لكنهم لم يتورطوا في جرائم ضد الشعب ولا ضد الإنسانية. وهذا الالتزام بعدم تكرار نسخة تفكيك البعثيين، كما حدث في العراق، ضروري من أجل النهضة مجددا بالاقتصاد الليبي في الأجل المتوسط، واستعادة الخدمات الأساسية للمواطنين الليبيين بسرعة في الأجل القريب.
والفشل في الاستفادة من المؤسسات والتكنوقراطيين وحتى رجال الشرطة من أيام النظام القديم التي ولت بلا رجعة سيقوض من جهود المجلس الوطني الانتقالي الرامية إلى توفير المتطلبات الضرورية والأساسية لكل سكان غرب ليبيا، وإلى منع وجود فراغ سياسي مطول، حتى لاتكون هناك فوضى، والتي في وجودها لايمكن للاقتصاد الليبي أن ينهض مجددا.
ومع هذا، يظل العامل الأكثر أهمية الذي يحد من قدرة المجلس الوطني الانتقالي على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين وتحقيق النهضة الاقتصادية المطلوبة، هو توفر المدخل إلى الأصول الليبية المجمدة في الخارج. وفي هذا الصدد، يجب على المجتمع الدولي أن يتحرك بفاعلية، في ظل تنسيق مع قرارات الاجتماع الأخير لمجموعة الاتصال الليبية، المشكلة من 30 عضوا، والمؤسسة من أجل استعادة الأصول الليبية في الخارج، وذلك من خلال تمرير قرارات مجلس الأمن الأخيرة في هذا الصدد، وتنفيذها بسلاسة.
وكانت أمريكا قد طلبت، على نحو صائب، من المجلس الوطني الانتقالي، أن يحدد احتياجياته لكي تحدد أمريكا كيف يمكن لها أن تلعب دورا مساندا للمجلس في الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، من أجل مساعدة الليبيين على استعادة الخدمات الأساسية الضرورية، لكي تبدأ النهضة الاقتصادية مجددا.
ومن المهم جدا لأمريكا والمجتمع الدولي وبريطانيا والاتحاد الأوروبي أن يقوموا بدور المساندة وليس دور التوجيه. ومن الضروري أيضا أن تتم النسبة الأكبر من الجهود الرامية إلى عودة الاستقرار-الأساس الأول للتنمية الاقتصادية- من خلال الأمم المتحدة.
إن نظرة جبريل المتفائلة إلى المستقبل الليبي ووعده بدولة واحدة وشعب واحد وتاريخ واحد ومستقبل واحد، هما نظرة ووعد يشاركه فيهما أغلب الليبيين، إن لم يكن جميعهم. لتكون آفاق انتقال ليبيا إلى ليبيا جديدة واعدة اقتصاديا يسودها الرخاء والاستقرر أفضل بكثير مما كان يظنه أغلب المعلقين.
ومع هذا، سيحتاج تطبيق خارطة الطريق التي صاغها المجلس الوطني الانتقالي وسيحتاج نقل السلطة أيضا إلى حكومة منتخبة إلى التعاون المتبادل بين ليبيا من ناحية والمجتمع الدولي من ناحية أخرى.
*باحث في التاريخ الليبي في كلية سانت كاثرين، بجامعة كامبريدج.
**المساعدة الشخصية السابقة للسفير الليبي لدى أمريكا
جلوبال فيو بوينت- ش
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية