ثلاثة أطفال جديد عالم افتراضي

    • ثلاثة أطفال جديد عالم افتراضي







      منذ ذلك اليوم الدامي لم يترك الميدان لأنه لا يعرف مكاناً سواه لكن الجديد في الأمر هو أنه أصبح صامتًا كالقبر ينظر نظرات خاوية لكل ما يحدث من حوله ربما من فرط الصدمة و من هول ما رآه، إنها نظرة العين تلك التي تحمل خليط شديد التعقيد من التحدي والشجن، تخيل أن يختلط اليأس والقوة و الحزن و النضج المبكر في نظرة، فقط إرث طويل من المعاناة و الخبرات غير التقليدية ينتج نظرة كهذه..
      ابتسامته الفاترة تقتلني بالفعل و أشعر دائمًا أنه يجاهد كي يبتسم، و رغم أنني أكره هذا إلا أنني أتفهمه جدًا، لا يمكن لمن خبر من خبره أن يبتسم ابتسامه غير هذه..
      أذكر أنني تحولت إلى راديو آدمي بعد كل ما رأيته في تلك الشهور المنصرمة كي أفرغ كل هذه الشحنات السوداء بالكلام، لذا كان هو طفل صموت بصورة مثيرة للحنق مقارنة بحماستي الجنونية في الحديث و صراخي و صوتي المرتفع..
      و لكنني أفعل ذلك كي أنسى و كي لا أنفجر في هيستريا بكائية على كل حال..


      كان صمته من نوع خاص يشبه ذلك الصمت الموجود في شوارع وسط البلد بعد الثورة في أوقات حظر التجوال الذي كنت أصر على تخطيه دائمًا حتى وقعت في شر أعمالي ذات مرة، تلك الشوارع التي تشعر أنها معترضة ولكنها لا تستطيع التصريح بذلك، تئن في الظلام لكنها تعمل جاهدة على ألا يعلو صوت أنينها مخافة أن تزعج أحدًا من جنود العسكر المتمركزين في كل ركن الذين يعملون بجد على تغيير البلاط و دهان السور لإخفاء آثار الدماء و الرصاص ..


      إنها صامتة ربما لأنه لم يعد هناك جدوى من الصراخ، صمت عالي الضجيج يصم أذنيك، يوحي بأن تلك الشوارع و أفنية العمارات المتهالكة لديها لك ألف و ألف قصة عن قتيل و جريح و أمهات ثكالى شهدوا مقتل فلذات أكبادهن، تماما مثلما أعلم أن هذا الطفل يملك ألف و ألف قصة لي لكنه لا يتكلم على الإطلاق خشية شيء ما لا أعرفه، لم أشاهد الثورة في التلفاز، لقد كنت هناك مرات عديدة و أعلم يقنيًا أن تلك الشوارع قد شهدت قتالا و كرًا و فرًا و غسلتها الدماء الطاهرة لكنها حزينة يائسة بشدة لانها لا يعجبها ما تراه من ساكنيها، ربما خائفة كذلك لذلك لا تتكلم..


      أما بالنسبة له فهو فلا أعلم تحديدًا سر صمته، فبالرغم من أن عالمه بالذات قد يكون مألوف جدًا على شخص مثلي إلا أنني لم أذهب إلى هناك من قبل و من السخافة أن أزعم أنني أعلم أي شيء عن طبيعة حياة سجون الأحداث مهما حاولت الإنغماس في التجربة، لم أذهب من قبل لكنني أحاول تخيل هذا العالم شديد التعقيد من الأفلام و الحكايا التي مرت علي في عمري القصير جدًا و مجموعة الخبرات التي أعتقد أنها فريدة من نوعها أيضًا..
      إغماءات و جرحى، سيارات محترقة، غازات مسيلة للدموع، محتجون يقذفون بالحجارة و عساكر ترد بالحجارة، أصوات الرصاص، اعتقالي من الجيش، شرطة عسكرية، قوات الصاعقة، فرق مكافحة إرهاب مع مدنيين عزل، دبابات عتيقة أمام المستشفى، فيلم وثائقي طويل عني، قنوات تلفزيونية و راديو تلاحقني كأنني فعلت شيئًا عظيمًا رغم أن الأبطال الحقيقيين ينامون تحت فتحة تهوية مترو السادات..


      أرغب بشدة في أن أسمع منه هو قصة هذا اليوم لأنني أرى قاصًا جيدًا في عينيه الذكية التي لم تتعد السابعة من العمر، و أموت غيظًا و فضولا من حقيقة أنني لا أستطيع الجزم بالسبب الرئيسي وراء صمته لكن الأمر الذي أكاد أجزم به هو حقيقة أن عقله لا يكل و لا يتوقف لحظة عن التفكير في تلك الليلة القاتمة، أكاد أجزم أنه لن ينام بسهولة لمدة طويلة دون أن يسترجع ذلك المشهد لجثة صديقه الطفل بائع الشاي التي رآها تحمل حملا و توضع في سيارة الشرطة العسكرية إلى مصير غير معلوم..
      هو يعلم يقينًا أنه معرض لمصير مشابه في أي فرصة أخرى لأنه مجرد طفل من أطفال الشوارع لا ثمن له عند هؤلاء السادة أصحاب القبعات الحمراء و الآخرين ذوي الأقنعة السوداء مثلما يعلم أنه لا ثمن له عند أبويه ولا عند المجتمع بأكمله..






      *كتبت بعد حادثة فض إعتصام التحرير يوم 8 أبريل التي لم يتحدث عنها الإعلام..





      المصدر : عالم افتراضي


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions