انتظار الشّكر
كان عند تاكوا أتباعاً كُثر ، و كان من بينهم شيخ غريب الطّبع. حدث مرّة أن بعث هذا الشيخ خادماً الى تاكوا يعزمه الى بيته. قال الشيخ للخادم : مهما كان طعامي بسيطاً أريد أن يتناول المعلم الرز و الشعير المسلوق في بيتي.
كان المعلم يحب ذلك الطبق ، فقبل العزيمة بكل سرور و ذهب اليه. تم تقديم صحناً كبيراً من الرز و الشعير المسلوق ، و لم يكن عند الشيخ أية بهارات لرشّها على اللّبّة ، لم يكن على الطاولة حتى فجلٌ.
فكّر تاكوا في نفسه " ألن يقدم لي الشيخُ الى الرّز حتى القليل من الملح ؟ " ، لكنه لم يطرح ذلك السؤال لأن فمه كان ممتلئاً باللّبّة اللّذيذة.
كان الشيخ جالساً بهدوء ينتظر انتهاء ضيفهُ من الطعام. بعد أن ملأ المعلم معدته وقف ليغادر ، لكن الشيخ أوقفه قائلاً : أيها المعلم ، لقد قدّمتُ لك الرز المسلوق ، أما أنت فتغادر من غير أن تشكرني ، أهكذا يتصرف الرهبان ؟.
أجابه المعلم : لقد دعوتني لتناول الطعام ، و لم تَدْعُني لتقديم الشكر.
و من غير تردد خرج من البيت. انزعج الشيخ من ذلك الجواب و قرّر الانتقام. في تلك اللحظة دخل المعلم راكضاً و صاح : انها تمطر بغزارة ! من فضلك أعطني مظلّة و غيتاً ( نوع من أنواع الأحذية يُصنع من الخشب يتم ارتداءه عند هطول الأمطار حيث له ارتفاع أكبر من أنواع الأحذية الأخرى ).
فرح الشيخ بذلك و قدّم باحترام كبير ما طلب منه المعلم ، كان على ثقة أنه في هذه المرّة سيشكره.
لكن ذلك لم يحدث ، حيث خرج المعلم بسرعة و ذهب.
عندما وصل الى بيته ، سرعان ما بعث راهباً ليرجع ما استقرضه لصاحبها. كان ذلك الرّاهب يشبه معلمه فلم يَشكر الشيخ.
بعد عدّة أيام ، التقى الشيخ بالمعلم وهو يشرب الشاي ، ورأى أنه الوقت المناسب للحديث فبادر قائلاً : لم يحالفك الحظ في ذلك النّهار عندما هطل عليك المطر ، أليس كذلك ؟
– نعم ، لم يحالفني. أظن أنّ الرّاهب قد أوصل اليك مظلتك و غيتتك !
– كان ذلك لطف منك.
قال الشيخ ذلك ملاحظاً أنه قد قام بشكر المعلم من غير قصد ، و فكر في نفسه " كيف سمحت لنفسي بارتكاب مثل تلك الهفوة؟".
كان المعلم يبتسم وهو جالس مقابل الشيخ الذي لم يستطع كتم غضبه فقال : أيها المعلم ، انك سيّء التربية ، عليك أن تشكرني على الأقل !.
– اذا قمتُ بشكرك ، سأكون بذلك قد قمتُ برد الجميل.
ثم قال بصوت هادئ : انني أشكرك في نفسي دائماً ، و لا أنسى أعمالك الطيبة. اذا انتظر الانسان الشكر على أفعاله الخيّرة ، فان تلك الأفعال غير حقيقية. عليك ألاّ تحسب نفسك مصدر سعادة الآخرين فتنتظر منهم كلمات الشكر و الحمد ، لأن الأعمال الخيرة بنفسها عليها أن تُدخِل السعادة الى قلبك ، و اذا قمت بتقديم شيء أو بمساعدة أحد ما ، عليك ألا تنتظر المكافأة منه.
ذلك هو عمل الخير الحقيقي. انك تكذب على نفسك اذا قمت بفعل الخير بدافع الغرور أو الخيلاء ، لأنه هكذا تسمح للظلام بتملّكك. الانسان ميّال للطّمع ،عندما يقوم بعمل صالح لأحد ما ، فانه يسعى للحصول على شيء بالمقابل.
لكن اذا كنت تسعى في كل عمل لمساعدة الآخرين ، لن تصل اليك خيبة الأمل.