* "في وقت تشعر فيه الجماهير في كل أنحاء العالم بالإحباط من الانتخابات، والجماهير العربية على استعداد دائم للنزول إلى الشارع، فإن الثقة في فضائل الانتخابات قد تتلاشى سريعا. "
ترودي روبين
خلال الفترة القادمة سأسافر إلى تونس لمراقبة أول انتخابات يتم إجراؤها في الربيع العربي. ولكل من تونس ومصر – التي سأزورها أيضا – أكبر الفرص في المنطقة لبناء مؤسسات ديمقراطية. غير أنهما يتبنيان سياسة انتخابية في الوقت الذي بدأت فيه الدول الأكثر خبرة تشك في قيمة صناديق الاقتراع. "الاحتجاجات تشتعل حول العالم مع تناقص الإيمان بقيمة الانتخابات." كان هذا عنوان رئيسي بصحيفة نيويورك تايمز، مع أمثلة من الهند وإسرائيل وبريطانيا وأسبانيا. وقد شهدت بنفسي إحباطات مشابهة لقيمة الانتخابات تتطور في روسيا والعراق – ناهيك عما هو الحال في بلادنا .
لذا، ففي الوقت الذي يستعد فيه التونسيون لأول انتخابات حرة، هل تفقد الديمقراطية الانتخابية مكانتها العالمية باعتبارها أكثر الأنظمة السياسية المرغوبة ؟ وما هي الدروس التي يجب تعلمها؟ هذه أسئلة أكبر من أن يمكن الإجابة عنها في عمود واحد، ولكن دعني أقدم بعض الأفكار.
مازالت الدول التي شاركت في الصحوة العربية يحدوها الأمل في صناديق الاقتراع. فالعرب الذين ناضلوا نضالا مريرا لإسقاط الحكام المستبدين في تونس ومصر وليبيا – ومن لا يزالون يناضلون في اليمن وسوريا – يريدون اختيار حكامهم بأنفسهم. ولكن السخرية في تصاعد بين كثير من المصريين والتونسيين بشأن نزاهة عملية تنظيم الانتخابات. وهذا لا يبشر بخير للمستقبل.
بل إن الأكثر إزعاجا وإثارة للقلق هو المصير الكئيب للديمقراطية في بعض الدول الرئيسية التي تبنتها بعد نهاية الحرب الباردة، عندما بدا أن النموذج الديمقراطي الليبرالي قد انتصر. فهناك لم يعد يتم عقد الانتخابات بنفس الحماسة السابقة. ففي روسيا بعد السوفييتية مثلا، حيث قضيت بعض الوقت في تسعينيات القرن الفائت، كان السكان في سعادة غامرة في البداية بحصولهم على حق التصويت. ولكن الحماسة الشعبية بدأت تتلاشى بسبب عقد من الاضطراب والانهيار الاقتصادي والفساد الحكومي الشامل. وفي مقابل عودة الاستقرار كان الروس على استعداد لقبول عودة الحكم الاستبدادي – الذي سمح ببعض الحريات الشخصية. ولأن معظم الروس غاضبون من الانتخابات فإنهم لا يكترثون من أن عملية الاقتراع يسيطر عليها الكريملن سيطرة تامة. كما أنهم على استعداد لتحمل الفساد الآن بعد أن حصلوا الآن على نصيب من كعكة النفط.
وفي العراق سعادة غامرة بسبب الانتخابات الأولى عام 2005 (هل تذكرون الأصابع قرمزية اللون؟) ولكن إراقة الدماء وتفشي الفساد جعل العراقيين يتشككون في قيمة الانتخابات. واليوم ينظر العراقيون إلى عملية الاقتراع على أنها ضامن دائم للسلطة في يد الأغلبية الشيعية، وللرشاوى لمن هم على صلة جيدة بهم. ومعظم العراقيين مشمئزون من البرلمانيين الذين لا يقدمون أي خدمات ويلتهمون غنائم النفط.
فما هي الدروس المستفادة؟ في البلاد التي ليس لها تاريخ ديمقراطي ولديها توقعات مرتفعة، الإحباط هو أمر حتمي.
والأمر يستغرق كثيرا من الوقت لبناء المؤسسات الديمقراطية. وإذا ما انخفضت مستويات المعيشة بينما هناك طبقة سياسية جديدة تثري نفسها فإن الناخبين يفقدون الثقة في الانتخابات.
وهناك عامل آخر يشوه الصورة العالمية للانتخابات. فمنذ وقت ليس ببعيد، كان الطامحون للديقراطية في العالم العربي وفي أماكن أخرى ينظرون إلى النماذج الغربية على أنها أمثلة لما يمكن أن يحققوه إذا امتلكوا الحرية. وقد كانت الجماهير في الدول النامية تؤمن بأن الديمقراطية تضمن مستوى مرتفعا من المعيشة. وقد غذى هذا الاعتقاد ازدهار الديمقراطية عالميا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
وفي هذه الأوقات العصيبة تبدو النماذج الغربية أقل جاذبية. فهناك الكثير من الشباب الأوروبي – الذي يعاني من ارتفاع معدلات البطالة والمشكلات الاقتصادية الحادة – قد فقد الثقة في السياسيين من أي حزب. إن الشباب يتجمعون في مظاهرات ضخمة، بعضها عنيف، ولكنهم في عزلة عن سياسة الانتخابات التقليدية.
وتشير الاحتجاجات الضخمة في إسرائيل بسبب التفاوت الاجتماعي، وحملة مناهضة الفساد التي يقوم بها مئات الآلاف في نيودلهي، أيضا إلى إحباط متنامٍ في الديمقراطيات القديمة التي تتبنى سياسة الانتخابات. ثم إن هناك ظاهرة حزب الشاي عندنا هنا في الولايات المتحدة.
الأمر الواضح هو أن الأوروبيين والأمريكيين لا يسعون إلى وضع نهاية لعملية الانتخابات، ولكنهم محبطون ومستاؤون من نظامهم السياسي المشلول. وأكثر ما يقلقني هو أن الأحزاب الراديكالية، أو القادة غير الديمقراطيين، سيتغذون على هذا الاستياء والإحباط – عبر صناديق الاقتراع.
بإمكاننا أن نرى هذه الظاهرة وهي تطفو على السطح هنا (رغم أنني لازلت أعتقد أن المنطق السليم الأمريكي الأساسي سيبرز من جديد قبل الانتخابات). والأحزاب الراديكالية تحصل بالفعل على قوة جديدة في أوروبا.
وفي الشرق الأوسط، سيراهن الإسلاميون على إخفاقات الأنظمة الغربية ويكسبون قوة في الانتخابات الأولية. ولكن كل السياسيين العرب سيواجهون عقبات كبيرة في الوقت الذي تطالب فيه الجماهير التي نفد صبرها بمستويات معيشة أفضل. وتستطيع ليبيا الغنية بالنفط أن تعالج الاستياء الشعبي، ولكن تونس ومصر ليس لهما نفس هذا الحظ.
وهؤلاء القادة العرب الذين يعرقلون الفساد قد يكسبون لأنفسهم مزيدا من الوقت لتقديم ما عندهم. ولكن – في وقت تشعر فيه الجماهير في كل أنحاء العالم بالإحباط من الانتخابات، والجماهير العربية على استعداد دائم للنزول إلى الشارع – فإن هذا النطاق الزمني لن يكون طويلا. فالثقة في فضائل الانتخابات قد تتلاشى سريعا.
أكثر...
ترودي روبين
خلال الفترة القادمة سأسافر إلى تونس لمراقبة أول انتخابات يتم إجراؤها في الربيع العربي. ولكل من تونس ومصر – التي سأزورها أيضا – أكبر الفرص في المنطقة لبناء مؤسسات ديمقراطية. غير أنهما يتبنيان سياسة انتخابية في الوقت الذي بدأت فيه الدول الأكثر خبرة تشك في قيمة صناديق الاقتراع. "الاحتجاجات تشتعل حول العالم مع تناقص الإيمان بقيمة الانتخابات." كان هذا عنوان رئيسي بصحيفة نيويورك تايمز، مع أمثلة من الهند وإسرائيل وبريطانيا وأسبانيا. وقد شهدت بنفسي إحباطات مشابهة لقيمة الانتخابات تتطور في روسيا والعراق – ناهيك عما هو الحال في بلادنا .
لذا، ففي الوقت الذي يستعد فيه التونسيون لأول انتخابات حرة، هل تفقد الديمقراطية الانتخابية مكانتها العالمية باعتبارها أكثر الأنظمة السياسية المرغوبة ؟ وما هي الدروس التي يجب تعلمها؟ هذه أسئلة أكبر من أن يمكن الإجابة عنها في عمود واحد، ولكن دعني أقدم بعض الأفكار.
مازالت الدول التي شاركت في الصحوة العربية يحدوها الأمل في صناديق الاقتراع. فالعرب الذين ناضلوا نضالا مريرا لإسقاط الحكام المستبدين في تونس ومصر وليبيا – ومن لا يزالون يناضلون في اليمن وسوريا – يريدون اختيار حكامهم بأنفسهم. ولكن السخرية في تصاعد بين كثير من المصريين والتونسيين بشأن نزاهة عملية تنظيم الانتخابات. وهذا لا يبشر بخير للمستقبل.
بل إن الأكثر إزعاجا وإثارة للقلق هو المصير الكئيب للديمقراطية في بعض الدول الرئيسية التي تبنتها بعد نهاية الحرب الباردة، عندما بدا أن النموذج الديمقراطي الليبرالي قد انتصر. فهناك لم يعد يتم عقد الانتخابات بنفس الحماسة السابقة. ففي روسيا بعد السوفييتية مثلا، حيث قضيت بعض الوقت في تسعينيات القرن الفائت، كان السكان في سعادة غامرة في البداية بحصولهم على حق التصويت. ولكن الحماسة الشعبية بدأت تتلاشى بسبب عقد من الاضطراب والانهيار الاقتصادي والفساد الحكومي الشامل. وفي مقابل عودة الاستقرار كان الروس على استعداد لقبول عودة الحكم الاستبدادي – الذي سمح ببعض الحريات الشخصية. ولأن معظم الروس غاضبون من الانتخابات فإنهم لا يكترثون من أن عملية الاقتراع يسيطر عليها الكريملن سيطرة تامة. كما أنهم على استعداد لتحمل الفساد الآن بعد أن حصلوا الآن على نصيب من كعكة النفط.
وفي العراق سعادة غامرة بسبب الانتخابات الأولى عام 2005 (هل تذكرون الأصابع قرمزية اللون؟) ولكن إراقة الدماء وتفشي الفساد جعل العراقيين يتشككون في قيمة الانتخابات. واليوم ينظر العراقيون إلى عملية الاقتراع على أنها ضامن دائم للسلطة في يد الأغلبية الشيعية، وللرشاوى لمن هم على صلة جيدة بهم. ومعظم العراقيين مشمئزون من البرلمانيين الذين لا يقدمون أي خدمات ويلتهمون غنائم النفط.
فما هي الدروس المستفادة؟ في البلاد التي ليس لها تاريخ ديمقراطي ولديها توقعات مرتفعة، الإحباط هو أمر حتمي.
والأمر يستغرق كثيرا من الوقت لبناء المؤسسات الديمقراطية. وإذا ما انخفضت مستويات المعيشة بينما هناك طبقة سياسية جديدة تثري نفسها فإن الناخبين يفقدون الثقة في الانتخابات.
وهناك عامل آخر يشوه الصورة العالمية للانتخابات. فمنذ وقت ليس ببعيد، كان الطامحون للديقراطية في العالم العربي وفي أماكن أخرى ينظرون إلى النماذج الغربية على أنها أمثلة لما يمكن أن يحققوه إذا امتلكوا الحرية. وقد كانت الجماهير في الدول النامية تؤمن بأن الديمقراطية تضمن مستوى مرتفعا من المعيشة. وقد غذى هذا الاعتقاد ازدهار الديمقراطية عالميا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
وفي هذه الأوقات العصيبة تبدو النماذج الغربية أقل جاذبية. فهناك الكثير من الشباب الأوروبي – الذي يعاني من ارتفاع معدلات البطالة والمشكلات الاقتصادية الحادة – قد فقد الثقة في السياسيين من أي حزب. إن الشباب يتجمعون في مظاهرات ضخمة، بعضها عنيف، ولكنهم في عزلة عن سياسة الانتخابات التقليدية.
وتشير الاحتجاجات الضخمة في إسرائيل بسبب التفاوت الاجتماعي، وحملة مناهضة الفساد التي يقوم بها مئات الآلاف في نيودلهي، أيضا إلى إحباط متنامٍ في الديمقراطيات القديمة التي تتبنى سياسة الانتخابات. ثم إن هناك ظاهرة حزب الشاي عندنا هنا في الولايات المتحدة.
الأمر الواضح هو أن الأوروبيين والأمريكيين لا يسعون إلى وضع نهاية لعملية الانتخابات، ولكنهم محبطون ومستاؤون من نظامهم السياسي المشلول. وأكثر ما يقلقني هو أن الأحزاب الراديكالية، أو القادة غير الديمقراطيين، سيتغذون على هذا الاستياء والإحباط – عبر صناديق الاقتراع.
بإمكاننا أن نرى هذه الظاهرة وهي تطفو على السطح هنا (رغم أنني لازلت أعتقد أن المنطق السليم الأمريكي الأساسي سيبرز من جديد قبل الانتخابات). والأحزاب الراديكالية تحصل بالفعل على قوة جديدة في أوروبا.
وفي الشرق الأوسط، سيراهن الإسلاميون على إخفاقات الأنظمة الغربية ويكسبون قوة في الانتخابات الأولية. ولكن كل السياسيين العرب سيواجهون عقبات كبيرة في الوقت الذي تطالب فيه الجماهير التي نفد صبرها بمستويات معيشة أفضل. وتستطيع ليبيا الغنية بالنفط أن تعالج الاستياء الشعبي، ولكن تونس ومصر ليس لهما نفس هذا الحظ.
وهؤلاء القادة العرب الذين يعرقلون الفساد قد يكسبون لأنفسهم مزيدا من الوقت لتقديم ما عندهم. ولكن – في وقت تشعر فيه الجماهير في كل أنحاء العالم بالإحباط من الانتخابات، والجماهير العربية على استعداد دائم للنزول إلى الشارع – فإن هذا النطاق الزمني لن يكون طويلا. فالثقة في فضائل الانتخابات قد تتلاشى سريعا.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية