الأوبرا السلطانية أراء الكتاب الشبيبة

    • الأوبرا السلطانية أراء الكتاب الشبيبة

      كتب - ياسر قبيلات

      من المعروف عن السلطنة اهتمامها الكبير بالفنون والحرف التقليدية؛ ويمتد ذلك بدءاً من الاهتمام بالزي الوطني مروراً بالصناعات الحرفية والفنون الشعبية والتقليدية، وأنماط الحياة والصناعات التي رافقت العمانيين على مدار رحلتهم الطويلة في التاريخ، التي امتدت وبلغت آفاقاً بعيدة، لم يبلغها أحد من أشقائهم، على الأقل جغرافياً!

      ومن اللافت أن هذا الاهتمام ليس نزعة شخصية، ولا مجرد توجه ثقافي، بل يكاد يكون جزءاً من مكونات الشخصية العمانية، وهو بالتأكيد سياسة عامة تتبناها الدولة، وتمارسها من خلال مؤسسات وهيئات رسمية، تعمل وتنشط في هذا الإطار.

      ومن اللافت أيضاً، أن هذا التوجه القوي لا ينطوي على تعصب ورغبة في الانغلاق، كما يحدث في كثير من البلدان التي تلجأ إلى موروثها، لتقيم الحواجز بينها وبين شعوب شقيقة وصديقة وشريكة في التاريخ والجغرافيا؛ كما أنه اهتمام لا يسعى إلى تأكيد الاختلاف بقدر ما يؤكد على التنوع في فضاء عالم واسع، لا يستطيع أن يعيش على نمط واحد، أو بعقل واحد، ولكنه يغتني بتنوع مكوناته.

      على العكس من تلك النزعة الانغلاقية، فإن المراقب يلحظ أن هذا الاهتمام العماني بالموروث والثقافة الوطنية يأتي في سياق يسهم بالحفاظ على تقاليد الاحتكاك العماني بثقافات الشعوب الأخرى، وتعزيز الحوار الحضاري، الذي طالما كان ميزة للعمانيين الذين جابوا البحار، وعبروها إلى السواحل والشواطئ الأخرى ليتفاعلوا اقتصاديا وثقافيا، مع الشعوب في أقاصي الأرض.

      ومن نافلة القول أن الاحتكاك بين الثقافات والحوار الحضاري طريق باتجاهين؛ يبدأ من فتح المجال للشعوب الأخرى للإطلاع على الثقافة المحلية والوطنية بكل مكوناتها، ولا ينتهي بالسعي إلى الاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى وإرثها الحضاري؛ فهناك كذلك ضرورة فتح المجال للثقافات المتنوعة، بعناصرها ومكوناتها نفسها، أن تتجاور وتتحاور وتعيش لحظة احتكاك تسهم في الارتقاء بالطابع الإنساني للثقافة والموروث سواء كان المحلي أو الانساني، واكتشاف الخصوصيات التي تميز كل منها والمشتركات التي تجمع بينها.

      وهذا ببساطة، لأن التاريخ البشري الذي تميز، طوال مرحلة ما قبل ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعرفة، بأشكال التطور المنفصل والمستقل في بيئات منفصلة عن بعضها البعض، أضحى اليوم عملية تجري في فضاء مفتوح، لا يملك فيه أحد مفاتيح التحكم بالتأثر والتأثير، إلا من خلال الإسهام المبدع في هذا الفضاء العالمي، والقدرة على استيعاب المؤثرات الايجابية وتوظيفها.

      ولا أزال أذكر، في هذا السياق، أن كان أكثر ما كان يلفت الانتباه إلى الشاشة العمانية ويميزها، في تسعينيات القرن الماضي، هي إطلالات الأوركسترا السيمفونية السلطانية، والوجوه العمانية التي كانت تعزف لأساطين الموسيقى العالمية، وتقدم للمشاهد العربي مقطوعات موسيقية خالدة. كانت هذه الإطلالات من اللحظات القوية الملفتة التي كسرت الصورة النمطية عن السلطنة، وأعادت تشكيلها بما يتوافق مع حقيقة الثقافة العمانية، التي تأخذ منحى الاحتكاك المسالم، دون أن تقع في العزلة أو تلجأ إلى الانعزال.

      كان ذلك مثالاً حياً على التواصل مع ثقافات العالم، والاطلاع العميق عليها، واستيعابها حتى درجة الإجادة. وهو ما يعكس كذلك القدرة الكبيرة على الحوار في عالم أدمن على التواصل من خلال الحروب والسياسات العدائية!

      واليوم، تتقدم السلطنة من خلال مشروع الأوبرا السلطانية، وتخطو خطو أخرى في التعريف والتعرف على واحد من أهم الفنون العالمية، الذي كان له دوره العظيم في إحداث دفعة قوية في الثقافة والفكر العالمي، والارتقاء بالذائقة الإنسانية، وإثراء ثقافات الشعوب، في مشارق الأرض ومغاربها!

      ومن المهم أن نتذكر هنا، أن المعلومات القليلة المتوافرة حول الصرح المهم لهذا المشروع الكبير، يحمل في جنباته أفضل نماذج الفن العماني التقليدي وحرفه ومشغولاته الرائعة، ناهيك عن أن هذا الصرح نفسه سيحتضن تجربة تبقى رائدة باحتضان واحد من أمهات الفنون الإنسانية، وتوطينه، والإفادة منه في تطوير مستوى الحوار الحضاري، الذي لطالما تميزت به السلطنة على مدار تاريخها، وتوسيع قاعدة المشاركين العمانيين فيه.

      ولا بد من القول أن الاهتمام العربي بالتطور العلمي والتكنولوجي الغربي، والرغبة الملحة باللحاق به ومجاراته، تقتضي الانفتاح على عالم الثقافة الرحب والأوسع؛ إذ ليس من منجز علمي أو تكنولوجي بدون ثقافة روحية، واكتشاف المعادلات التي أعطت الغرب تقدمه العلمي والتكنولوجي، لا يكون فقط بدراسة علومه وانجازاته التكنولوجية، ولكن بفهم تلك النفس والروح التي مدت الإنسان الغربي بالطاقة والخيال والإرادة على الفعل والانجاز. ومن هنا، فإن الأوبرا السلطانية لا تعكس مجرد اهتمام بواحد من الفنون الإنسانية العريقة، ولا بالفنون عموما وحسب؛ بل هو مشروع يسير باتجاه التمكين في التواصل مع الإرث الروحي المعاصر، الذي يقف وراء التطور العلمي والتكنولوجي، الذي ننشده، ونامل أن يكون واحدة من روافع التنمية الشاملة.

      إن محاكاة نمط الحياة الغربي جار في العالم العربي على قدم وساق، ولكن من بوابة بناء المزيد من الفنادق ودور الترفيه والملاهي والمنتجعات ومرافق اللهو وغيرها، مما يعني تقليداً زائفاً؛ ومن المبشر أن تختار السلطنة طريقاً آخر، فتتجه لبناء صروح للفنون الراقية الأصيلة، وأعمدة للثقافة والتنوير، فتبني بدلاً الملاهي صرحاً للأوبرا..

      وختاماً، نبارك لأشقائنا العمانيين افتتاح الأوبرا السلطانية، وسنتذكر دائماً أنها الأولى من نوعها في المشرق العربي ودول الخليج، والوحيدة إلى جانب دار الأوبرا المصرية في العالم العربي.

      كاتب أردني من أسرة "الشبيبة"

      yassek@yahoo.com

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية