* اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير حمل موقفاً عمانياً معهوداً ومأمولاً، وآخر مصريا، ينبئ بأن العرب قادرون على تولي شؤونهم بأنفسهم إن أرادوا، والنأي بقضاياهم عن ساحات الصراع والمصالح الدولية.
ياسر قبيلات
لم يكن من المفاجئ أن يستريب مندوب سوريا في الجامعة العربية من الدعوة الطارئة لبحث الملف السوري، تحت شعار "الأوضاع المتدهورة في سوريا"، في وقت شهد فيه الوضع على الأرض تحسناً ملموساً، استحقت عليه دمشق مؤازرة روسية صينية تمثلت بسابقة الفيتو المزدوج.
ويلاحظ الموقف السوري بلا شك أن بلدانا عربية أخرى تعيش أوضاعاً لا تقل سوءاً في أفضل الأحوال، ومع ذلك لم تتردد في تأييد عقد الاجتماع، ناهيك عن أن من بينها كذلك دول تشن أجهزة إعلامها حملة مضللة وعدائية تجاه حاضرة الشام الأولى، وتسعى مع دول اخرى إلى حشد قوى معارضة سورية في إطار قوة ضغط دولية.
وإذا كان الحديث عن التطورات العملية، فإن التطور السلبي الوحيد، على الأقل بعين الحكومة السورية، هو تأسيس المجلس الانتقالي السوري، الذي دعمت تأسيسه، وتجهد في حشد التأييد والاعتراف به، بعض الاطراف العربية، ومن الطبيعي أن يتعامل المندوب السوري مع الاجتماع باعتباره خطوة باتجاه محاولة "شرعنة" هذا المجلس الذي نشأ على أرض تناهض بلاده.
وأكثر من ذلك، جرى الحديث علناً وصراحة حول "تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية"، دون الالتفات إلى أن الحكومة السورية التي ترفض بإصرار الضغوط الخارجية، تحرص في المقابل على الاستجابة لمطالب شعبها بتوسع وانفتاح على الخيارات الاستراتيجية والكبيرة في ذلك، وكان منها ما سبق الدعوة إلى الاجتماع الوزاري العربي بتشكيل لجنة لإعداد دستور جديد للبلاد، يدخل في عضويتها شخصيات معارضة تاريخياً للنظام.
هذه الاعتبارات كلها، أكثر من كافية لجعل الحكومة السورية لرفض الاجتماع نفسه، غير أنها تعاطت مع الاجتماع بما يكفي من الهدوء الذي تتصف به السياسة السورية عموماً، وحضرته ممثلة بمندوبها في الجامعة العربية؛ الذي كان من الحصافة أن بني دفوعه في مواجهة الانفعال والاستعجال، الذي يسم السياسة العربية، على الموقف العماني الواضح والمتوازن، وعلى تقرير أمين عام الجامعة العربية، الذي سبق أن زار دمشق بتكليف من مجلس الجامعة وسجل نتائج زيارته وتقييماته للوضع في هذا البلد العربي، بتقرير يرضي ضميره.
ويمكن اليوم التكهن بأن التعامل السوري المطمئن والهادئ إزاء الدعوة غير المسبوقة في طابعها العاجل والطارئ، كان له بالفعل ما يبرره؛ فقد استند على الثقة بأن المواقف العقلانية والمنصفة، لن تغيب عن مائدة الاجتماع، ومن شأنها أن تحد من أية إجراءات متسرعة تمثلت بمحاولة تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، الذي يمثل عملياً تحييد لاعب قوي وأساسي في الصراع العربي الإسرائيلي، وهو بالتأكيد لا يصب في أية مصلحة عربية.
وتمثلت المواقف العقلانية بالموقف العماني الثابت، الذي يسجل دائماً تمسكاً بالأسس الثابتة لقواعد التضامن والعمل العربي المشترك، ولا ينزلق في متاهات رغائبية تفرضها اللحظة السياسية المتأججة، والذي يثير الإعجاب على الدوام بحسن قراءته لنصوص المواثيق والمعاهدات، وما تتضمنه من التزامات متبادلة.
والملفت في الموقف العماني تفاصيله الدقيقة التي أعلنها وزير الدولة للشؤون الخارجية يوسف بن علوي الذي أكد في تصريحات بعد لقائه وزير الخارجية السورية وليد المعلم في نيويورك الشهر الفائت، حرص بلاده على أمن واستقرار سوريا ودورها المحوري، ودعوته إلى عدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتأكيده أهمية الإصلاحات التي أعلنت عنها القيادة السورية إلى جانب مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في دمشق، وعبر عن قناعته بأن الشعب السوري قادر على حل مشاكله بنفسه، مشيراً إلى "ضرورة ألا يكون الانقسام العربي وسيلة من وسائل التدخل الأجنبي في الشؤون العربية، وأن يتم استخدام جامعة الدول العربية كأداة فاعلة لتحقيق مصالح الدول العربية، وليس ضدها".
وهذا موقف لا نملك إلا التشارك مع سوريا في توجيه التحية إليه.
كان من شأن عقد الاجتماع بالنوايا، التي حضرت إليه، كفيل بنقل المواجهة الخارجية مع سوريا من المسرح الإعلامي والدبلوماسي العام إلى داخل مؤسسة الجامعة العربية، بتحويل ملف الأزمة الداخلية الى ملف عام يتيح للجامعة نفسها ولآخرين التدخل فيها، وكان لافتاً أن مصر كانت طرفاً بارزاً برفض الفكرة، وتحويل النوايا نحو مسار آخر أقل وطأة، وأكثر أماناً على العمل العربي المشترك.
ففي الوقت الذي كان الجميع يتوقع تحفّظ لبنان على الفكرة، فوجئوا بالرفض المصري القاطع لمبدأ "تجميد عضوية سوريا" من حيث المبدأ، وبشكل قطعي ونهائي، ووضع فيتو على طرحه.. لا في هذا الاجتماع ولا في أي اجتماع مقبل، وقد ألحق ذلك وزير خارجية مصر، كمال عمرو، بكلام له دلالاته العميقة، حيث قال: «نحن نتحفظ على هذه الفكرة لما بيننا وبين سوريا من علاقات تاريخية ومن دم مشترك لشهداء سقطوا في الحروب المشتركة ضد إسرائيل».
لحظة أخرى تستحق التوقف: سجل المندوب السوري تحفظ بلاده على رئاسة دولة قطر للجنة العربية، مذكرا الحضور بأنه عند إقرار اتفاق الدوحة بين اللبنانيين في العام 2008، كانت سوريا هي رئيسة الدورة العربية، فطالبتها قطر بالتنحي لأنها طرف في الأزمة اللبنانية التي يتم تداولها، فقبلت دمشق وسلمت الرئاسة إلى الدوحة وتم إقرار الاتفاق المذكور الذي عرف باتفاق الدوحة.
من الواضح أن حرص قطر على رئاسة مجلس الجامعة في هذه الاجتماعات التي تبحث الملف السوري يمثل رسائل مزعجة لدمشق، وتثير لديها الظنون، في حين أن التعاون العربي المشترك يتطلب توجيه نوع آخر من الرسائل، التي من شأنها بث الطمأنينة وتعزيز الثقة، لا العكس.
وفي المحصلة، فإن اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير حمل موقفاً عمانياً معهوداً ومأمولاً، وآخر مصريا، ينبئ بأن العرب قادرون على تولي شؤونهم بأنفسهم إن أرادوا، والنأي بقضاياهم عن ساحات الصراع والمصالح الدولية.كاتب أردني من أسرة "الشبيبة" yassek@yahoo.com
أكثر...
ياسر قبيلات
لم يكن من المفاجئ أن يستريب مندوب سوريا في الجامعة العربية من الدعوة الطارئة لبحث الملف السوري، تحت شعار "الأوضاع المتدهورة في سوريا"، في وقت شهد فيه الوضع على الأرض تحسناً ملموساً، استحقت عليه دمشق مؤازرة روسية صينية تمثلت بسابقة الفيتو المزدوج.
ويلاحظ الموقف السوري بلا شك أن بلدانا عربية أخرى تعيش أوضاعاً لا تقل سوءاً في أفضل الأحوال، ومع ذلك لم تتردد في تأييد عقد الاجتماع، ناهيك عن أن من بينها كذلك دول تشن أجهزة إعلامها حملة مضللة وعدائية تجاه حاضرة الشام الأولى، وتسعى مع دول اخرى إلى حشد قوى معارضة سورية في إطار قوة ضغط دولية.
وإذا كان الحديث عن التطورات العملية، فإن التطور السلبي الوحيد، على الأقل بعين الحكومة السورية، هو تأسيس المجلس الانتقالي السوري، الذي دعمت تأسيسه، وتجهد في حشد التأييد والاعتراف به، بعض الاطراف العربية، ومن الطبيعي أن يتعامل المندوب السوري مع الاجتماع باعتباره خطوة باتجاه محاولة "شرعنة" هذا المجلس الذي نشأ على أرض تناهض بلاده.
وأكثر من ذلك، جرى الحديث علناً وصراحة حول "تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية"، دون الالتفات إلى أن الحكومة السورية التي ترفض بإصرار الضغوط الخارجية، تحرص في المقابل على الاستجابة لمطالب شعبها بتوسع وانفتاح على الخيارات الاستراتيجية والكبيرة في ذلك، وكان منها ما سبق الدعوة إلى الاجتماع الوزاري العربي بتشكيل لجنة لإعداد دستور جديد للبلاد، يدخل في عضويتها شخصيات معارضة تاريخياً للنظام.
هذه الاعتبارات كلها، أكثر من كافية لجعل الحكومة السورية لرفض الاجتماع نفسه، غير أنها تعاطت مع الاجتماع بما يكفي من الهدوء الذي تتصف به السياسة السورية عموماً، وحضرته ممثلة بمندوبها في الجامعة العربية؛ الذي كان من الحصافة أن بني دفوعه في مواجهة الانفعال والاستعجال، الذي يسم السياسة العربية، على الموقف العماني الواضح والمتوازن، وعلى تقرير أمين عام الجامعة العربية، الذي سبق أن زار دمشق بتكليف من مجلس الجامعة وسجل نتائج زيارته وتقييماته للوضع في هذا البلد العربي، بتقرير يرضي ضميره.
ويمكن اليوم التكهن بأن التعامل السوري المطمئن والهادئ إزاء الدعوة غير المسبوقة في طابعها العاجل والطارئ، كان له بالفعل ما يبرره؛ فقد استند على الثقة بأن المواقف العقلانية والمنصفة، لن تغيب عن مائدة الاجتماع، ومن شأنها أن تحد من أية إجراءات متسرعة تمثلت بمحاولة تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، الذي يمثل عملياً تحييد لاعب قوي وأساسي في الصراع العربي الإسرائيلي، وهو بالتأكيد لا يصب في أية مصلحة عربية.
وتمثلت المواقف العقلانية بالموقف العماني الثابت، الذي يسجل دائماً تمسكاً بالأسس الثابتة لقواعد التضامن والعمل العربي المشترك، ولا ينزلق في متاهات رغائبية تفرضها اللحظة السياسية المتأججة، والذي يثير الإعجاب على الدوام بحسن قراءته لنصوص المواثيق والمعاهدات، وما تتضمنه من التزامات متبادلة.
والملفت في الموقف العماني تفاصيله الدقيقة التي أعلنها وزير الدولة للشؤون الخارجية يوسف بن علوي الذي أكد في تصريحات بعد لقائه وزير الخارجية السورية وليد المعلم في نيويورك الشهر الفائت، حرص بلاده على أمن واستقرار سوريا ودورها المحوري، ودعوته إلى عدم التدخل في شؤونها الداخلية، وتأكيده أهمية الإصلاحات التي أعلنت عنها القيادة السورية إلى جانب مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في دمشق، وعبر عن قناعته بأن الشعب السوري قادر على حل مشاكله بنفسه، مشيراً إلى "ضرورة ألا يكون الانقسام العربي وسيلة من وسائل التدخل الأجنبي في الشؤون العربية، وأن يتم استخدام جامعة الدول العربية كأداة فاعلة لتحقيق مصالح الدول العربية، وليس ضدها".
وهذا موقف لا نملك إلا التشارك مع سوريا في توجيه التحية إليه.
كان من شأن عقد الاجتماع بالنوايا، التي حضرت إليه، كفيل بنقل المواجهة الخارجية مع سوريا من المسرح الإعلامي والدبلوماسي العام إلى داخل مؤسسة الجامعة العربية، بتحويل ملف الأزمة الداخلية الى ملف عام يتيح للجامعة نفسها ولآخرين التدخل فيها، وكان لافتاً أن مصر كانت طرفاً بارزاً برفض الفكرة، وتحويل النوايا نحو مسار آخر أقل وطأة، وأكثر أماناً على العمل العربي المشترك.
ففي الوقت الذي كان الجميع يتوقع تحفّظ لبنان على الفكرة، فوجئوا بالرفض المصري القاطع لمبدأ "تجميد عضوية سوريا" من حيث المبدأ، وبشكل قطعي ونهائي، ووضع فيتو على طرحه.. لا في هذا الاجتماع ولا في أي اجتماع مقبل، وقد ألحق ذلك وزير خارجية مصر، كمال عمرو، بكلام له دلالاته العميقة، حيث قال: «نحن نتحفظ على هذه الفكرة لما بيننا وبين سوريا من علاقات تاريخية ومن دم مشترك لشهداء سقطوا في الحروب المشتركة ضد إسرائيل».
لحظة أخرى تستحق التوقف: سجل المندوب السوري تحفظ بلاده على رئاسة دولة قطر للجنة العربية، مذكرا الحضور بأنه عند إقرار اتفاق الدوحة بين اللبنانيين في العام 2008، كانت سوريا هي رئيسة الدورة العربية، فطالبتها قطر بالتنحي لأنها طرف في الأزمة اللبنانية التي يتم تداولها، فقبلت دمشق وسلمت الرئاسة إلى الدوحة وتم إقرار الاتفاق المذكور الذي عرف باتفاق الدوحة.
من الواضح أن حرص قطر على رئاسة مجلس الجامعة في هذه الاجتماعات التي تبحث الملف السوري يمثل رسائل مزعجة لدمشق، وتثير لديها الظنون، في حين أن التعاون العربي المشترك يتطلب توجيه نوع آخر من الرسائل، التي من شأنها بث الطمأنينة وتعزيز الثقة، لا العكس.
وفي المحصلة، فإن اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير حمل موقفاً عمانياً معهوداً ومأمولاً، وآخر مصريا، ينبئ بأن العرب قادرون على تولي شؤونهم بأنفسهم إن أرادوا، والنأي بقضاياهم عن ساحات الصراع والمصالح الدولية.كاتب أردني من أسرة "الشبيبة" yassek@yahoo.com
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية