الدولة ومفهوم الهويّة .... أراء الكتاب الشبيبة

    • الدولة ومفهوم الهويّة .... أراء الكتاب الشبيبة

      * " إن بناء الدولة الحديثة مسألة مصيرية، وعلى قدر كبير من المسؤولية والخطورة، وهي تحتاج إلى كم هائل من الإدارة السياسية و" الإخلاص " و " النزاهة "

      د.محمد العريمي

      تشهد الفترة الحالية التي نعيشها تطوراً هائلا في مفهوم الدولة، إذ لم تعد كما حددها الفكر السياسي والاجتماعي القديم، عندما حصرها في العناصر الثلاثة الشعب والإقليم والسلطة، حيث وجد العلماء والمفكرون في كل حقل من حقول العلم أنفسهم منخرطين في عملية بناء الدولة وبالتالي تعريفها وتحديد مفهومها وهويتها، حيث أصبح للدولة ما يعرف بالمقاييس " الايزو " كما هو الأمر بالنسبة للصناعات والنشاطات التجارية وعمليات التشغيل والتشييد، بحيث راحت هذه الدول تسوّق نفسها كما يفعل التجار وأصحاب الحرف .

      ومن هنا بدأ الفكر الإنساني يُثير حوارات ومناقشات تتمحور حول قضايا جوهرية جديدة لعل من أهمها، على سبيل المثال لا الحصر، الكيفية التي يمكن أن تكون عليها " الدولة " بالفعل ممثلة لإرادة العامة من الناس .

      ورغم أن هذه القضية قد أثيرت منذ أيام المفكر الفرنسي جان جاك روسو في القرن الثامن عشر، إلا أنها أخذت الآن صوراً ومساقات مختلفة، إذ تركزت في معظم محاورها على مفاهيم الديمقراطية والتنمية السياسية والثقافية والمشاركة السياسية، ومن هذا المنطلق جاءت القضية المرافقة والتي تعالج الوسائل والآليات والأدوات والهيئات التي تُمكّن الشعب من أن يحكم نفسه بنفسه، بحيث تكون الدولة هي دولة الشعب، أي دولة الأكثرية .

      ومن هذه المنطلقات يأتي الفكر القانوني الذي يتحدث عن وجود الضمانات القانونية، ووجود المؤسسات التي تصون الحريات العامّة والحقوق الأساسية للإنسان، وتحول دون تغوّل سلطة على أخرى، أو مجموعة من المواطنين في السلطة أو خارجها على المجموعات الأخرى .

      ومترافقاً مع هذا يأتي الفكر الاجتماعي الذي يتحدث عن مؤسسات المجتمع المدني وفاعليتها في ظل التحوّلات السياسية للدولة وتطبيق الديمقراطية .

      وحتى تستكمل المرتكزات الأساسية فإن الدولة أخذت تبحث عن المصادر الحديثة للقوة، ولعل من أهمها القدرة الاقتصادية المبنية على أساس التحكم بالموارد الطبيعية، وحسن إدارة الثروة، وبالتالي عدم الوقوع تحت سيطرة المتنفذين داخل الحكومة أو حتى خارجها والتي تعني في النهاية التبعية ومصادرة القرار الداخلي للدولة لصالح هذه الفئة التي لا تـُراعي وفي الكثير من الأوقات إلا مصالحها الشخصية.

      ولمّا أن تعددت سباقات البحث عن القوّة بجميع مكوّناتها، فقد راحت الدولة الضعيفة تبحث عن القوة، أما الدولة القوية فقد ذهبت تبحث عن المزيد من القوّة. ومن هذه المكوّنات القدرة التكنولوجيّة والقدرة العسكرية والقدرة الثقافية ومستوى التحصيل الفكري. لذلك رأينا أن هناك تحوّلا هائلاً في تعريف الدولة الحديثة وهويتها . إذ في السابق كانت الدولة الأكبر مساحة أو الأكثر سكاناً هي الدولة " الأقوى " ثم تحوّل المفهوم إلى أن الدولة التي تملك قدرة عسكرية هي " الأقوى " .

      إلى أن جاءت العصور الحديثة التي غيّرت كثيراً من هوية هذه الدولة فارتكزت على القدرة الاقتصادية، التي لم تعد هي أيضاً المكوّن الأساس للدولة بقدر ما أصبحت عملية إدارة الاقتصاد وإدارة المجتمع في حدود القانون هي الأهم . ومع تطور التكوين بالنسبة للدولة غدت الدولة الأقوى هي التي تملك القدرة التقنية، واستمر التطور حتى أصبحنا نتحدث عن عصر المعلومات وإدارة المعلومات وتكوين المعلومات وبنائها والإفادة منها .

      وحتى نستطيع أن ندرس هذه التحوّلات بشكل موضوعي وعلمي لا بُدّ من الخوض في البحث الشامل لمفهوم الدولة الحديثة في ضوء التاريخ والتجربة والتنقيب عن التغيّرات والتطورات والإشكاليات والمرجعيات والأصول التي أسست لهذا المفهوم .

      ولكي تتم عملية القراءة الحديثة للدولة الحديثة فقد جاءت مقاربة أهمية " الإعلام " و" حريات الصحافة " و " ضمان التواصل الحر" دون عرقلة من هذا الجهاز أو ذاك . بحيث يكون ذلك كلّه محكوماً بالقوانين والتشريعات التي تضمن وصول الرأي والرأي الآخر إلى " الحاكم " الذي يجب أن يكون بدوره الراعي بحق لعملية التشارك والتداول السلمي للعملية السياسية في الدولة .

      ولذلك فقد اعتبر الفكر الحديث أن الدولة " الصالحة " و " الراشدة" هي تلك التي تنأى بنفسها تماماً عن أي خرق للمرجعيات و الأصول التي استقر عليها الفكر السياسي والاجتماعي الحديث لمفهوم الدولة الحديثة، والبعد تماماً عن أي إخلال بالتوازن الاجتماعي الذي يفترضه " عقد " الدولة الحديثة الراشدة.

      إن بناء الدولة الحديثة مسألة مصيرية، وعلى قدر كبير من المسؤولية والخطورة، وهي تحتاج إلى كم هائل من الإدارة السياسية و" الإخلاص " و " النزاهة " ، أما تحديد الهوية فهو قطع معرفي وسياسي على مستوى الممارسة والمقاربة النظرية وتحديد الأهداف والانحياز نحو المصالح العامّة، وهذا ما نعنيه بعملية التحوّل الكامل في مفهوم الدولة . باحث في الشؤون السياسية

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية