أزمة شعر وشعراء أخبار الشبيبة

    • أزمة شعر وشعراء أخبار الشبيبة

      بقلم - سميرة الخروصية

      لا شك أن القصيدة هي رسالة الشاعر للمتلقي، أوالصورة التي تنم عن تجاربه ومشاعره، وكل ما ألهمته الحياة من صور وإيحاءات، ومواطن للبوح، حتى أصبحت الحاجة إليه مهداً آمنا للراحة، إن صح التعبير.

      وإذا وصفنا الشعر فسيطول الحديث عنه، فهو ثقافة الإنسان العربي منذ اعتناقه لأبجدياته، الذي جعل منه صديقا يبوح له عن نأي الأرض وغربة الوطن، فتأتي الصورة أحيانا بالمقلوب، شاعر يحدث نخلة، ونخلة تحدث شاعرا!.إنها المعادلة الصعبة التي لا يفهمها سوى راوي الكلمات التي غرس نخلته بها!. تماما كما جاء في قصيدة "صقر قريش" الذي لم يجد غيرها شبيها لغربته، فكانت الملهمة والوجود الأقرب فقال :

      " تبدَّت لنا بين الرصافةِ نخلة

      تناءتْ بأرض الغرب عن بلدِ النخلِ

      فقلت: شبيهي في التغَّرب والنوى

      وطول التنائي عن بـنّي وعن أهلي"

      لكنه مع ذلك لم يقصد بذاك الوصف الجميل تغزلاً بها، إنما توصف بها رفيقاً في غربة طالت عن وطن وأهل. قصص كثيرة وقصائد تشبه الأحلام تفردت بها هذه الشجرة، حتى كادت تزف عروساً لشعرائها العاشقين، ولا عجب، فالشاعر إنسان عرف بجنونه، أو هكذا قيل عنه، لكن من غير المرأة من كان لها النصيب الأكبر والأوفر من قصائد الغزل في حياة الشعراء، تلك المشحونة دوما بكل التحولات والانثيالات، ولوعات الغرام، أليست هي من استحقت كل دلالات العبارات ولوعات الغرام؟!.

      لكل عصر ربما أنماط، لكن هل يمكن أن نقول مثلا بعد تلك المقدمة بأن (القصيدة المرأة) قد تغيرت كما تغير هذا الطارئ من الزمن وانصرف عنها الشعراء، ولم تعد تحمل دهشة العصور الجميلة، أم هل يمكن أن نؤمن مثلا بأن قصائد الغزل قد تضمحل وتنطفئ يوما؟. قد تتغير المدارس الشعرية وتضعف هويتها، وينقلب الشعر إلى نص هش منثور، وإلى تفاعيل طريفة؟

      ولكن وبصرف النظر عن كل ما آل إليه الشعر العربي من أزمات، فإن الشعر في عمومه سيبقى أداة للإفصاح، ونحن نعلم جيدا كمتلقين للكلمة، بأننا نعايش القصيدة الجديدة من حيث التحديث والتحريف أيضا، لكن عندما يتدخل عامل "التحريف" وهذا خلاصة ما نريد الحديث عنه، ليمتد إلى ما هو عليه الآن وفق منظريه الشعراء الذين تجاوزوا في قصائدهم وصف النخيل والوطن وصرفوا النظر عن قصائد الغزل والرثاء فأخذوا من وقتهم الشيء الكثير ليتواجهوا في سباق مرير حول من سيكتب أروع قصيدة مشبعة بكل جماليات الشعر وهندسة التصوير، فأنجزوا النصوص الشعرية الطويلة التي تناسب حجم مقام ملكات يعشن في صحاري البداوة، وطبعا لا نقصد من خلال هذا التعبير "ملكات بشر حقيقيات"، فالقصور لا تُبنى في الرمال، ولا تعيش الفتاة البدوية ذات العيون الواسعة سوى في خيمتها البسيطة. الصحراء اليوم باتت تختار عاشقاتها، فقد دخلت في عرشها الممتد، حسناء الرمال الأخرى التي أصبحت ملهمة الشعراء، إنها الناقة التي تحمل ألقابا لم يكشفها سوى هؤلاء العشاق حد التماهي، هذه الدواب التي يتباهى في اقتنائها أصحاب المقامات الرفيعة فقط، وكلما ارتفع صوت الشاعر عاليا تغزلا في إحداهن، كلما استحق أن يقال عنه بأنه شاعر بجدارة، صاحب المدح والهجاء والغزل الذي استحقت الناقة فلانة منه كل هذه العبارات والكلمات والجداريات !.

      السؤال هنا والذي قد يدور في ذهن أي إنسان يملك عقلا و منطقا:هل يمكن بالفعل أن تتحرك العاطفة البشرية بكل هذه الأحاسيس وتستوطن القلوب إلى هذه الدرجة، فتتحول إلى عشق وغرام لدابة في الأرض تسعى؟ إنه شيء يتجاوز فطرة الإنسان ويخترق الطبيعة، بخاصة حين نشاهد بأن هنالك قنوات فضائية قد خُصصت فقط لبث واستعراض هذه الحيوانات بأسمائها وأصوات شعرائها!!. والحقيقة وإن كانت مؤلمة، فإننا إذا ابتعدنا قليلا فقط وتجاوزنا دور قلم الشاعر كأداة هنا، فكيف لنا أن نبتعد عن القسم الرباني في العقل البشري، فنحن لا نجدنا بحاجة إلى التدليل بذلك إذا عدنا إلى منطق الأشياء ومحسوسها، فإقامة قنوات فضائية لهذه الدواب، والتغزل فيها غناءً وشعرا، وبيعها وعرضها بمبالغ خيالية جدا، شيء يدعونا إلى الشك بأن ثمة عقولا مشلولة في هذا العالم تستخف بعقول البشر، وأين هو الشعر الذي يتغنى به أولئك الشعراء واحدا تلو الآخر بحسناوات الصحاري؟!.

      المأساة الحقيقية هي أن يوظف الشاعر وقته وعاطفته الجياشة في قصائد لا تضيف إلى رصيده الشعري شيئا، وهذا ما يجعلنا كبشر نعود إلى تصريح (لاكوف) و(جونسون) وهما باحثان في تاريخ الفكر البشري كما ورد في إحدى القراءات :"العقل ذلك الشخص في المسرح الديكارتي،القادر على الرؤية".

      إن هذه الرؤية العلمية، تقربنا إلى تصديق هذا الواقع المعاش الذي يستحق النظر فيه بعين العاطفة، والنظر في مخزون فكر بعض البشر فينا، فهل نحن عقلاء أم مجانين، أم اننا نحن من نبالغ في إسداء النصائح لنجعل من أنفسنا فلاسفة، وأن ما يحدث الآن في العالم شيء طبيعي يخاطب العقل بمنطق ونحن من نحاول أن نملأه بالمبهمات.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية