* "هناك ارتباط لا يمكن إنكاره بين النيران وسيارة إطفاء الحريق، ولكن هذا لا يعني أن سيارة الحريق كانت السبب في إشعال النيران."
هنري ميلر
في أيامنا هذه يتعرض المرء لسيل لا ينقطع من المعلومات عن المخاطر المزعومة أو التأثيرات الواقية لنوع أو آخر من المواد الغذائية، أو المكملات الغذائية، أو المواد الكيميائية، أو العقاقير، أو النشاط البدني. ففي شهر يوليو على سبيل المثال، ذكر تقرير ورد في مقال نشرته مجلة حوليات الطب الباطني أن الأشخاص الذين يعملون لمدة 11 ساعة على الأقل يومياً ترتفع احتمالات إصابتهم بالنوبات القلبية أو وفاتهم بأمراض القلب بنسبة 67% مقارنة بهؤلاء الذين يعملون من 7 إلى 8 ساعات يوميا.
ولكن من غير الممكن رغم ذلك أن تخلص الدراسة إلى أن العمل لساعات طويلة يسبب أمراض القلب. والواقع أن واحداً من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً فيما يتصل بالدراسات العلمية يدور حول الفارق الحاسم بين الارتباط والعلاقة السببية.
فالعمل لساعات طويلة يومياً قد لا يعدو كونه علامة لارتفاع خطر التعرض لأمراض القلب. على سبيل المثال، قد يكون الأمر أن الأشخاص المعرضين للإجهاد والضغوط والذين يتصورون أن لحم الخنزير المقدد والجبن و صلصة الكريما من بين المواد الغذائية الأساسية، والمعرضين بالفعل لخطر الإصابة بأمراض القلب على المدى البعيد، يميلون أيضاً إلى العمل لساعات أطول.
يتعين علينا أن ننظر إلى الدراسات التي تبين وجود ارتباط بين أحد العوامل وتأثير ما على الصحة باعتبارها مجرد نتيجة أولية توجه الباحثين نحو المزيد من البحث والتحليل. ولكن حتى أولئك المهنيين القائمين على التنظيم، والذين ينبغي لهم أن يعرفوا أفضل من ذلك، ينحرفون في بعض الأحيان عن جادة الصواب بفعل هذا الفهم الخاطئ، فيبالغون في الاستجابة.
في شهر ديسمبر الماضي، أصدرت وزارة الأغذية والعقاقير "رسالة عن سلامة العقاقير" حول النتائج التي خلصت إليها دراسة ضخمة أجريت في فرنسا، والتي وجدت زيادة في التعرض لخطر الموت نتيجة لتعاطي هرمون النمو البشري المخلق بيولوجيا نسبة إلى عامة الشعب الفرنسي. فقد سجلت الدراسة 93 حالة وفاة بين أفراد المجموعة الخاضعة للعلاج، مقارنة بنحو 70 وفاة متوقعة بالاستعانة بالعمليات الحسابية الإحصائية.
ولقد نشر مقال إخباري هذه الدراسة إلى جانب تحذير وزارة الأغذية والعقاقير تحت هذا العنوان الرئيسي: "هل يموت الأطفال من أجل النمو لبوصة أو بوصتين؟" ــ وهي اللغة المضمونة لترويع عشرات الآلاف من المرضى (وأعداد لا تحصى من ممارسي رياضة كمال الأجسام والرياضيين الذين يستخدمون العقاقير التي لم تحصل على موافقة وزارة الأغذية والعقاقير) الذين تناولوا هذا الهرمون على مدى الأعوام الستة والعشرين الماضية.
وهذا يعيدنا إلى معضلة الارتباط في مقابل العلاقة السببية. فالدراسة الفرنسية تقارن بين كل المرضى الذين تناولوا هرمون النمو وعموم السكان في فرنسا. ولكن المقارنة بين المجموعتين غير سليمة على الإطلاق: فالأطفال الذين يتناولون العقار بعيدين كل البعد عن كونهم طبيعيين.
يعطى هرمون النمو للأطفال لعلاج أنواع عديدة من قَصَر القامة. ويشمل هذا نقص هرمون النمو لأسباب غير معلومة أو كنتيجة لضعف قدرة الغدة النخامية على إنتاج الهرمون، بسبب إصابة أو التعرض للإشعاع لعلاج السرطان. كما يُعطى الهرمون للأطفال الذين يعانون من قصور في النمو بسبب قصور كلوي مزمن أو تشوهات جينية كبيرة، بما في ذلك متلازمة تيرنر، ومتلازمة نونان، ومتلازمة برادر ويلي.
ويعاني هؤلاء الأطفال من أذى شديد. فمتلازمة تيرنر تنتج عن شذوذ في الكروموزومات، حيث يغيب كل جزء من أجزاء كروموزومات الجنس، ويتجلى ذلك في عدة أشكال. وتشتمل هذه الأشكال على تشوهات جسدية مميزة (في أغلب الأحيان تعطل وظيفة المبيضين، والذي يؤدي إلى غياب دورات الحيض والعقم) والعديد من المشاكل الصحية الأخرى، مثل أمراض القلب الخَلقية، وانخفاض مستويات هرمون الغدة الدرقية، وأمراض المناعة الذاتية.
وعلى نحو مماثل، تتميز متلازمة نونان، وهي عبارة عن خلل وراثي شائع نسبيا، بنمو غير طبيعي في العديد من أجهزة الجسم على نحو يتسبب في تشوه قسمات الوجه، وقِصَر القامة، وتشوها في القلب. وتتميز متلازمة برادر ويلي بضعف انقباض العضلات، وانخفاض مستويات الهرمونات الجنسية، وخلل في الجزء من الدماغ المسؤول عن التحكم في مشاعر الشبع أو الجوع، الأمر الذي يؤدي إلى الإفراط في تناول الطعام والسمنة.
وعلى هذا فإن توقع نفس معدل الوفاة في مثل هؤلاء الأطفال كما في عموم السكان أشبه بإلقاء اللوم على الأنسولين عن انخفاض متوسط العمر المتوقع بين المصابين بمرض السكري (الذين يعاون من أمراض قلبية وكلوية بمعدلات أعلى من مثيلاتها لدى غير المصابين بالسكري). والواقع أنه قد يكون من الأنباء الطبية الكبيرة إن لم تحدث زيادة في الوفيات بين المرضى الخاضعين للعلاج بهرمون النمو، لأن هذا يعني ضمناً أن العقار يعطي في واقع الأمر تأثيراً مطيلاً للحياة لأشخاص من المتوقع أن يموتوا قبل الأوان.
وهناك ما يثير الشكوك في اكتشاف آخر توصلت إليه الدراسة الفرنسية عن علاقة السبب والتأثير بين العقار وزيادة معدل الوفيات: فالوفاة كانت ناجمة عن أسباب مختلفة بدنياً وميكانيكياً إلى حد كبير ــ سرطان العظام، وأمراض القلب والشرايين، والمشاكل المرتبطة بالأوعية الدماغية. وقد يكون الحديث عن مظهر أحادي آخر من مظاهر السُمية أكثر إقناعاً في إقامة العلاقة السببية.
لقد استبقت الجهات التنظيمية الأمريكية النتائج. أما وكالة الأدوية الأوروبية فكانت أكثر اتزاناً عندما أعلنت في بيان لها: " من غير الممكن أن نربط بيقين بين هذا الخطر والعلاج بهرمون النمو استناداً إلى هذه الدراسة الرصدية وحدها. ولابد أولاً من تأكيد النتائج وتكميلها بالمزيد من التحليلات".
هناك ارتباط لا يمكن إنكاره بين النيران وسيارة إطفاء الحريق، ولكن هذا لا يعني أن سيارة الحريق كانت السبب في إشعال النيران. وإذا كنت ــ أنت أو أحد أفراد أسرتك ــ قد تناولت (أو تتناول) هرمون النمو تحت إشراف طبيب، فلا ينبغي لهذا أن يقض مضجعك ويحرمك من النوم.
هنري ميلر طبيب وعالم الأحياء الجزيئية، وزميل الفلسفة العلمية والسياسات العامة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وزميل معهد مبادرة العمل التنافسي، والمدير المؤسس لقسم التكنولوجيا الحيوية لدى وزارة الأغذية والعقاقير في الولايات المتحدة.
أكثر...
هنري ميلر
في أيامنا هذه يتعرض المرء لسيل لا ينقطع من المعلومات عن المخاطر المزعومة أو التأثيرات الواقية لنوع أو آخر من المواد الغذائية، أو المكملات الغذائية، أو المواد الكيميائية، أو العقاقير، أو النشاط البدني. ففي شهر يوليو على سبيل المثال، ذكر تقرير ورد في مقال نشرته مجلة حوليات الطب الباطني أن الأشخاص الذين يعملون لمدة 11 ساعة على الأقل يومياً ترتفع احتمالات إصابتهم بالنوبات القلبية أو وفاتهم بأمراض القلب بنسبة 67% مقارنة بهؤلاء الذين يعملون من 7 إلى 8 ساعات يوميا.
ولكن من غير الممكن رغم ذلك أن تخلص الدراسة إلى أن العمل لساعات طويلة يسبب أمراض القلب. والواقع أن واحداً من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً فيما يتصل بالدراسات العلمية يدور حول الفارق الحاسم بين الارتباط والعلاقة السببية.
فالعمل لساعات طويلة يومياً قد لا يعدو كونه علامة لارتفاع خطر التعرض لأمراض القلب. على سبيل المثال، قد يكون الأمر أن الأشخاص المعرضين للإجهاد والضغوط والذين يتصورون أن لحم الخنزير المقدد والجبن و صلصة الكريما من بين المواد الغذائية الأساسية، والمعرضين بالفعل لخطر الإصابة بأمراض القلب على المدى البعيد، يميلون أيضاً إلى العمل لساعات أطول.
يتعين علينا أن ننظر إلى الدراسات التي تبين وجود ارتباط بين أحد العوامل وتأثير ما على الصحة باعتبارها مجرد نتيجة أولية توجه الباحثين نحو المزيد من البحث والتحليل. ولكن حتى أولئك المهنيين القائمين على التنظيم، والذين ينبغي لهم أن يعرفوا أفضل من ذلك، ينحرفون في بعض الأحيان عن جادة الصواب بفعل هذا الفهم الخاطئ، فيبالغون في الاستجابة.
في شهر ديسمبر الماضي، أصدرت وزارة الأغذية والعقاقير "رسالة عن سلامة العقاقير" حول النتائج التي خلصت إليها دراسة ضخمة أجريت في فرنسا، والتي وجدت زيادة في التعرض لخطر الموت نتيجة لتعاطي هرمون النمو البشري المخلق بيولوجيا نسبة إلى عامة الشعب الفرنسي. فقد سجلت الدراسة 93 حالة وفاة بين أفراد المجموعة الخاضعة للعلاج، مقارنة بنحو 70 وفاة متوقعة بالاستعانة بالعمليات الحسابية الإحصائية.
ولقد نشر مقال إخباري هذه الدراسة إلى جانب تحذير وزارة الأغذية والعقاقير تحت هذا العنوان الرئيسي: "هل يموت الأطفال من أجل النمو لبوصة أو بوصتين؟" ــ وهي اللغة المضمونة لترويع عشرات الآلاف من المرضى (وأعداد لا تحصى من ممارسي رياضة كمال الأجسام والرياضيين الذين يستخدمون العقاقير التي لم تحصل على موافقة وزارة الأغذية والعقاقير) الذين تناولوا هذا الهرمون على مدى الأعوام الستة والعشرين الماضية.
وهذا يعيدنا إلى معضلة الارتباط في مقابل العلاقة السببية. فالدراسة الفرنسية تقارن بين كل المرضى الذين تناولوا هرمون النمو وعموم السكان في فرنسا. ولكن المقارنة بين المجموعتين غير سليمة على الإطلاق: فالأطفال الذين يتناولون العقار بعيدين كل البعد عن كونهم طبيعيين.
يعطى هرمون النمو للأطفال لعلاج أنواع عديدة من قَصَر القامة. ويشمل هذا نقص هرمون النمو لأسباب غير معلومة أو كنتيجة لضعف قدرة الغدة النخامية على إنتاج الهرمون، بسبب إصابة أو التعرض للإشعاع لعلاج السرطان. كما يُعطى الهرمون للأطفال الذين يعانون من قصور في النمو بسبب قصور كلوي مزمن أو تشوهات جينية كبيرة، بما في ذلك متلازمة تيرنر، ومتلازمة نونان، ومتلازمة برادر ويلي.
ويعاني هؤلاء الأطفال من أذى شديد. فمتلازمة تيرنر تنتج عن شذوذ في الكروموزومات، حيث يغيب كل جزء من أجزاء كروموزومات الجنس، ويتجلى ذلك في عدة أشكال. وتشتمل هذه الأشكال على تشوهات جسدية مميزة (في أغلب الأحيان تعطل وظيفة المبيضين، والذي يؤدي إلى غياب دورات الحيض والعقم) والعديد من المشاكل الصحية الأخرى، مثل أمراض القلب الخَلقية، وانخفاض مستويات هرمون الغدة الدرقية، وأمراض المناعة الذاتية.
وعلى نحو مماثل، تتميز متلازمة نونان، وهي عبارة عن خلل وراثي شائع نسبيا، بنمو غير طبيعي في العديد من أجهزة الجسم على نحو يتسبب في تشوه قسمات الوجه، وقِصَر القامة، وتشوها في القلب. وتتميز متلازمة برادر ويلي بضعف انقباض العضلات، وانخفاض مستويات الهرمونات الجنسية، وخلل في الجزء من الدماغ المسؤول عن التحكم في مشاعر الشبع أو الجوع، الأمر الذي يؤدي إلى الإفراط في تناول الطعام والسمنة.
وعلى هذا فإن توقع نفس معدل الوفاة في مثل هؤلاء الأطفال كما في عموم السكان أشبه بإلقاء اللوم على الأنسولين عن انخفاض متوسط العمر المتوقع بين المصابين بمرض السكري (الذين يعاون من أمراض قلبية وكلوية بمعدلات أعلى من مثيلاتها لدى غير المصابين بالسكري). والواقع أنه قد يكون من الأنباء الطبية الكبيرة إن لم تحدث زيادة في الوفيات بين المرضى الخاضعين للعلاج بهرمون النمو، لأن هذا يعني ضمناً أن العقار يعطي في واقع الأمر تأثيراً مطيلاً للحياة لأشخاص من المتوقع أن يموتوا قبل الأوان.
وهناك ما يثير الشكوك في اكتشاف آخر توصلت إليه الدراسة الفرنسية عن علاقة السبب والتأثير بين العقار وزيادة معدل الوفيات: فالوفاة كانت ناجمة عن أسباب مختلفة بدنياً وميكانيكياً إلى حد كبير ــ سرطان العظام، وأمراض القلب والشرايين، والمشاكل المرتبطة بالأوعية الدماغية. وقد يكون الحديث عن مظهر أحادي آخر من مظاهر السُمية أكثر إقناعاً في إقامة العلاقة السببية.
لقد استبقت الجهات التنظيمية الأمريكية النتائج. أما وكالة الأدوية الأوروبية فكانت أكثر اتزاناً عندما أعلنت في بيان لها: " من غير الممكن أن نربط بيقين بين هذا الخطر والعلاج بهرمون النمو استناداً إلى هذه الدراسة الرصدية وحدها. ولابد أولاً من تأكيد النتائج وتكميلها بالمزيد من التحليلات".
هناك ارتباط لا يمكن إنكاره بين النيران وسيارة إطفاء الحريق، ولكن هذا لا يعني أن سيارة الحريق كانت السبب في إشعال النيران. وإذا كنت ــ أنت أو أحد أفراد أسرتك ــ قد تناولت (أو تتناول) هرمون النمو تحت إشراف طبيب، فلا ينبغي لهذا أن يقض مضجعك ويحرمك من النوم.
هنري ميلر طبيب وعالم الأحياء الجزيئية، وزميل الفلسفة العلمية والسياسات العامة في معهد هوفر بجامعة ستانفورد، وزميل معهد مبادرة العمل التنافسي، والمدير المؤسس لقسم التكنولوجيا الحيوية لدى وزارة الأغذية والعقاقير في الولايات المتحدة.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية