علاقات شخصية مُلزِمة أراء الكتاب الشبيبة

    • علاقات شخصية مُلزِمة أراء الكتاب الشبيبة

      * "العلاقة بين أمريكا وكوريا الجنوبية لا تتمحور حول التجارة فقط. إذ تشكل العلاقات الشخصية بين زعماء البلدين أهمية كبرى. وازدهار العلاقات في المستقبل يتوقف ولو جزئياً على قدرة الزعماء السياسيين على إقامة شراكة وليس مجرد إدارة صفقات"

      كريستوفر ر. هِل

      الزيارات الرسمية التي يقوم بها زعماء أجانب إلى الولايات المتحدة غالباً ما تحمل لمحة من السياسة الأمريكية. ولم تكن الزيارة التي قام بها رئيس كوريا الجنوبية إلى الولايات المتحدة في أكتوبراستثناء. فبالإضافة إلى اجتماعات البيت الأبيض، وحفل عشاء رسمي، ومأدبة غداء ضخمة في قاعة بنجامين فرانكلين المخصص لوزارة الخارجية، وزيارة زعماء الكونجرس، خاطَب الرئيس لي ميونج باك جلسة مشتركة للكونجرس. وبرفقة مضيفه الرئيس باراك أوباما، سافر لي أيضاً في رحلة إلى قلب أييركا لزيارة أحد مصانع السيارات في ميتشجان.

      الواقع أن كل عناصر البروتوكول الدبلوماسي هذه مألوفة، ولكن زيارة الرئيس لي كانت تحمل معها شيئاً مختلفا: فقد شكلت أيضاً مناسبة للاحتفال بالعلاقة التي صاغها الرئيسان ــ ومن سبقهما من زعماء الدولتين ــ لجعل الشراكة بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة واحدة من أقوى الشراكات في العالم وتنافس أي علاقات ثنائية تقيمها الولايات المتحدة في أوروبا أو أي مكان آخر من العالم.

      عندما يجلس الرئيسان الأمريكي والكوري الجنوبي معا، فإنهما لا يناقشان شبه الجزيرة الكورية أو شمال شرق آسيا فحسب، بل إن مناقشاتهما تتخذ طابعاً عالميا. وكان ظهور هذه الشراكة بمثابة الإشارة إلى التحول الأمريكي الذي طال انتظاره من المنظور الأطلسي إلى منظور آخر توازنه المصالح الأمريكية في منطقة المحيط الهادئ.

      لا شك أن طول عمر أي علاقة ثنائية يشكل اختباراً جيداً لقدرتها على الاستمرار ــ وقدرتها على تحمل تغيير القيادات. وفي حالتنا هذه، تعززت العلاقة أثناء إدارة الرئيس الجمهوري جورج دبليو بوش، ثم دعمت إدارة أوباما الديمقراطية نفس الاتجاه. وعلى نفس القدر من الأهمية، تعمقت العلاقة على مدى حكومتين مختلفتين إيديولوجياً في كوريا الجنوبية: حكومة روه موه يون ذات الميول اليسارية، والتي عملت بشكل فعّال مع بوش، والآن تحت زعامة لي ذي الميول اليمينية، الذي اقترن أولاً بالرئيس السابق بوش، ثم بالرئيس أوباما على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.

      وكانت هذه الشراكة عبر ضفتي المحيط الهادئ تحتل أولوية كبرى في نظر الإدارات الأربع. والواقع أن روه الخجول لم يكن بالشخص الذي يسهل التعامل معه، ولكن بوش ثابر لأنه أدرك أن العلاقات الشخصية سوف تشكل ضرورة أساسية للتحالف بين كوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

      بطبيعة الحال، تقوم العلاقات الشخصية بين الزعماء على شيء أكثر عمقا، وفي حالة كوريا الجنوبية والولايات المتحدة هناك الكثير مما يمكن البناء عليه، بداية بالمزيج التقليدي بين المصالح المتبادلة والقيم المشتركة. ولكن من منظور كوريا الجنوبية كان هناك عنصر آخر (وأيضاً مفهوم قديم للغاية في العلاقات الدولية): القوة البعيدة.

      لم يكن حظ شعب كوريا الجنوبية وفيراً فيما يتصل بالجغرافيا والتاريخ ــ وينطبق نفس القول على جيرانها. فحتى النصف الثاني من القرن العشرين، وكلما توقفت المشاحنات بين الصين واليابان، كان هذان البلدان يتناوبان تعذيب كوريا. ثم تغيرت هذه الديناميكة التي دامت قروناً من الزمان بشكل جذري بوصول الولايات المتحدة إلى شبه الجزيرة الكورية.

      في البداية ــ ولمدة عقود من الزمان في واقع الأمر ــ لم تتخذ العلاقة هيئة الشراكة. ففي نظر الغالبية من عموم الأمريكيين كان اسم كوريا يرتبط بالحرب، رغم أنها كانت قد تحولت منذ مدة طويلة إلى جمهورية ناجحة تتمتع باقتصاد مزدهر بدأت منتجاته وأسماؤه التجارية في اختراق الأسواق العالمية.

      كما فتحت كوريا الجنوبية فضلاً عن ذلك أسواقها ورحبت بالحضور الدولي. وبالنسبة لدولة كانت معروفة ذات اليوم باسم "المملكة المتنسكة"، فقد تطلب هذا الأمر بعض الجهد. والواقع أن العديد من الأمريكيين الذين اعتادوا على الواردات والعلامات التجارية اليابانية راودهم في أواخر الثمانينيات شعور من عاش نفس التجربة من قبل عندما دخلت أول سيارة كورية الصنع السوق الأمريكية.

      بيد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لا تتمحور حول التجارة فحسب. إذ تشكل العلاقات الشخصية بين زعماء البلدين أهمية كبرى. والواقع أن ازدهار العلاقات بين البلدين في المستقبل يتوقف ولو جزئياً على قدرة الزعماء السياسيين في المستقبل على الاقتداء بالرؤساء روه وبوش ولي وأوباما: أو بعبارة أخرى إقامة شراكة وليس مجرد إدارة صفقات ومعاملات.

      سوف تحتاج الولايات المتحدة إلى المزيد من هذه العلاقات في المستقبل. ولكن بناء مثل هذه العلاقات يستغرق الوقت، والرحلات التي يقوم بها قادة الولايات المتحدة إلى الخارج لا تلقى الاستحسان في كل الأحوال من جانب الشعب الأمريكي. وكثيراً ما تعرضت الرحلات التي يقوم بها أعضاء الكونجرس إلى بلدان بعيدة للسخرية والاستهزاء كلما كشفت وسائل الإعلام عن أن الزيارة تضمنت مقصداً سياحيا، أو رحلة تسوق.

      ومؤخراً اضطر أوباما إلى إلغاء رحلاته إلى الخارج لمتابعة الأزمات الداخلية. وعندما يذهب الرئيس إلى الخارج بالفعل، فإن الصحافة الأمريكية تطالبه غالباً بالعودة بنتائج ملموسة، في هيئة صفقات تصدير، أو ضمانات بشأن بعض المنافع الفورية الأخرى ــ باختصار، ما يكفي من الصفقات لتبرير النفقات.

      الواقع أن العديد من الرؤساء الأمريكيين في العقود الأخيرة أحسنوا صنعاً بإقامة علاقات شخصية مع الزعماء الأجانب.

      فمن الصعب أن نتخيل أن جورج بوش الأب كان ليتمكن من جمع تحالف حرب الخليج من دون العلاقات الشخصية التي أقامها على مدى سنوات عديدة قبل اندلاع تلك الأزمة. وعندما انخرط العراق لعدة أشهر في حالة من الغموض السياسي والشكوك مع تشكيل حكومة جديدة في عام 2010، كان بوسع نائب الرئيس جوزيف بايدن تقديم إسهامات هائلة في هذا السياق، بفضل زياراته الست التي قام بها إلى البلاد أثناء العام السابق.

      والحق أن المرء ليتساءل ما إذا كان الرؤساء الأمريكيون ونوابهم في المستقبل سوف يُمنحون ما يلزمهم من الوقت والمساحة لتنمية العلاقات الشخصية القوية مع زعماء العالم الآخرين حتى يتسنى لهم بناء سياسة خارجية فعّالة. إن الفهم التجاري للعلاقات الدولية، وما يترتب عليه من مطالب الإشباع الفوري، يهدد بتقويض هذه الجهود. ولكن كما أثبتت الزيارة التي قام بها لي مؤخراً إلى الولايات المتحدة، فلا بديل لاجتماع الزعماء وجهاً لوجه.

      كريستوفر ر. هِل مساعد وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق، وكان سفيراً إلى العراق وكوريا الجنوبية ومقدونيا وبولندا، ومبعوثاً خاصاً من الولايات المتحدة إلى كوسوفو، ومفاوضاً في اتفاقات دايتون للسلام، وكبير مفاوضي الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية أثناء الفترة 2005-2009. ويشغل حالياً منصب عميد كلية كوربل للدراسات الدولية بجامعة دنفر.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية