الخرطوم ـ أحمد يونس
تلمح العين تطوراً "نوعياً" في مستوى الأناقة بدأ يحتل مكانه في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم ومنتدياتها وصالات أفراحها، تلمح أناقة محتشمة في الشارع، و"جريئة" في صالات الأفراح والمناسبات والليالي المخملية.
هذا يحدث في المدن، أما الأرياف فهي الأخرى انتزعت نصيبها من "الأناقة"، ولم تعد سيدات وفتيات الأرياف كما كن قبل سنين، يكتفين بما يستر، أو بما يلمع، بل صرن يبحثن عن "الأناقة" وإن كان بحثهن على استحياء.
وصارت الأزياء "والماركات المقلدة والأصلية" تدخل البلاد من مسارب عديدة، بل وتقطع صيحات الموضة العالمية الطريق من مراكز الموضة والأناقة إلى "البلدات" السودانية في زمن قصير.
ومع بروز توجه لافت تجاه الاحتشام، يصارعه توجه "ليلي" يقارب السفور، إلاّ أن الاحتشام الجديد نفسه أصبح ميالاً لأن يكون "أنيقاً"، طالبات الجامعات والنسوة العاملات، بل وربات البيوت يحرصن على أن يخرجن وهن في كامل أناقتهن حين يذهبن إلى "الجامعة، أو "بيوت الأفراح".
ولم تعد الأناقة "حكراً" على النساء وحدهن، فقد دخل الرجال على الخط، وفقدت "الجلابية التقليدية" سطوتها الموروثة، إذ صارت ملونة ومزركشة، ولم يعد الحذاء الشعبي "المركوب" – الذي كان متيناً وخشناً - بل صار ناعماً ولامعاً، وربما أضحى نعله "إيطالياً" جذابا.
في جولة نفذتها "الشبيبة" بدت سحرـ طالبة جامعية ـ أنيقة جداً، حين اقتربت منها بذلت جهداً لأقنعها أن هدفي ليس "التغزل" في أناقتها، فقالت بحذر إنها تختار ملابسها بعناية، وتحرص على أن تكون ألوانها منسجمة، وخاماتها "راقية"، وأضافت إن ما تلبس يكسبها "ثقة في نفسها"، وأن أناقتها عنوانها، وأنها تملك ثقافة واسعة في الملابس والإكسسوارات النسوية، وعن آخر صيحات الموضة.
وحين سألتها هل كل هذه الأناقة من أجل الجامعة..؟! لم تندهش للسؤال، بل قالت "هذه هي الجامعة هل تستطيع دخولها دون أن تكون مكتمل الأناقة"..؟!
وحين مددت عنقي إلى الداخل اكتشفت أن طرقات الجامعة وفتياتها لا يفرطن في أناقتهن مهما كانت الكلية "صعبة" والدراسة شاقة.
غير بعيد عن مكان لقائي بـ(سحر) التقيت "شذى" وقبل أن أقترب منها سبقها شذاها إلىي، قالت وهي تخطو على مهل كأنها تخشى إثارة الغبار" خشيت ألاّ تفهم مقصدي، وربما تعتقد أنه نوع من أنواع "التحرش" خاصة وأن مفردة "التحرش" صارت تلقى رواجاً" لكنها أثارات دهشتي، حين أعطتني درساً في الأناقة، وثقفتني عن "دور الأزياء" الكبيرة، حدثتني عن إيطاليا وأحذيتها، وعن باريس وعطورها الشذية و"كريماتها" الغالية، وعن لندن ورصانة أناقتها.
كانت شذى تضوع شذىً، وفي الوقت ذاته تعرف أنها "أنيقة" ولافته، وأنا أتحدث إليها ظننتها مقدمة برامج في قناة فضائية شهيرة، غير أنها لم تكن سوى "طالبة" في طريقها إلى قاعة الدرس، لقد هزمت معارفي في "الأناقة" وأغرقتها في "شبر ماء"، أكملت حديثها قائلة بابتسامة رائقة: "لا أتأنق للفت الأنظار، لقد ورثت الأناقة عن أمي" .
الرجال هم الآخرون سلكوا طريق الأناقة، هنا أحمد، ويعمل تاجراً، كان حين التقيته يرتدي "جلابية بنية" وينتعل حذاء "مركوب" من جلد النمر وعلى كتفه ملفحة بنية من نفس نسيج الجلابية، يزينها تطريز بلون يماثل نقوش جلد النمر، ملقاة بإهمال على كتفه.
كان أحمد نمطاً مختلفاً لأناقة "نشبت" بين الرجال، تتداخل فيها الحداثة بالتقليدية، فهو يرتدي "الجلابية" - الزي الشعبي السوداني الكلاسيكي - لكن مسحات تطور وحداثة كانت بائنة في طريقة خياطتها وتطريزها، بدت أجمل من "الجلابية" القديمة التي كانت في الغالب إما بيضاء ناصعة أو "سمنية" اللون، وقلما يلبس الناس الجلابية ذات اللون "الرمادي"، أما الجلابية الزرقاء ذات "الياقة" فقد كانت ماركة مسجلة لـ"مريدي الطائفة الختمية".
الخامات القديمة مازالت لها مكانها فـ"السكروتة" لم تعد تتميز ببياضها الناصع القديم، بل أضيفت لها "إكسسوارات" جديدة، "ملفحة وشال حرير"، ودخلت "التصاميم" الأفريقية عليها، يعني أن الجلابية السودانية استردت سيادتها على الإقليم، ولم تعد تحفل بكلاسيكيتها، فامتزجت بـ"جلابيب" منطقة غرب أفريقيا.
وفي سيرة أزياء الرجال فإن العمامة، أو "العمة" السودانية تخلت عن مكانها في معظم الرؤوس، وصار الناس يكتفون بـ"الطاقية الحجازية القديمة" بزركشتها اللافتة، وعاد بعضهم إلى "طواقي" الحرير الحمراء من جديد، وطواقٍ أخرى من الغرب الافريقي.
بل وحتى "جبة المتصوفة المرقعة" – التي تميزت بها طائفة الأنصار - تحولت إلى جلباب أنيق، وأدخلت عليها مصممات الأزياء السودانيات تطويراً جعلها تصلح لتكون "أناقة زفاف".
عبدالله رغم أنه ستيني لكنه بدا كمن يتبختر في مشيته، يكاد ثقل العباءة يشده للخلف، كان يعرف ما يريد أن يقول، دافع عن عباءته دفاعا شديداً وقال إنها تقيه البرد، وتجعل مظهره مواكباً وأنيقاً في الوقت ذاته.
أما النساء اللواتي يتمسكن بـ"الثوب السوداني" التقليدي، فقد حرصن هن الأخريات على أن يكون على الموضة، وأن يناسب ألوان بشرتهن، ولم تعد أثواب "الزراق والكرب" القديمة تجد لها مكاناً في أسواق المدينة ولا أسواق القرى، بل وبرع خيال النساء في ابتكار الأسماء، فحين دخل صدام حسين الكويت سمي أحد الثياب "صدام في الخليج"، وحين تعرض الشيخ حسن الترابي لاعتداء في كندا، خرج للناس ثوب "دقة كندا"، وبعد تحرير الكويت ظهر "بوش الابن"، ثم "ثوب بن لادن" وثوب "الزرقاوي" عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بل ويتندر أهل الخرطوم بأن الشرطة حاصرت سوق "سعد قشرة" الشهير شمالي الخرطوم بسبب ثوب جديد، أطلق عليه مروجو "الموضة" اسم "ثوب أوكامبو"، محقق محكمة الجنايات الدولية، عقب صدور مذكرة الاعتقال من ذلك المحقق، بحق الرئيس البشير وبعض مساعديه.
أما ما يطلق عليه الحجاب الإسلامي فلم يسلم هو الآخر من "صفعات" الأناقة، إذ نافسه حجاب "رقيق" أطلقن عليه "حجاب باريس" وهو تحايل لطيف على ما سمته السلطة بـ"الزي الإسلامي".
سؤال حول هذه المتغيرات أرجعته الباحثة الاجتماعية آيات خليل إلى تأثير العولمة على أزياء السودانيين، وإلى أثر ثورة الإتصالات والمواصلات التي جعلت من آخر صيحات الموضة متاحة لكل الناس، تؤثر مباشرة على الأذواق، ما أفقد الأزياء الوطنية التقليدية صفتها بأنها الخيار الأمثل بالنسبة لكثيرين، ودفعهم إلى إدخال إكسسوارات وتحسينات عليها تعكس تأثير عناصر العولمة وأثر القنوات الفضائية عليها.
مبدأ اجتماعي
وأرجع محلل نفسي "الظاهرة" إلى المبدأ الاجتماعي القائل: إن الناس نزاعون لأن يكونوا مثل غيرهم، تؤثر فيهم الموضة فيقلدون بعضهم، لا سيما في المجتمعات التي تعيش مرحلة تحولات كبرى، مثل المجتمع السوداني.
ويضيف إن الإنسان بطبيعته ميال للأناقة، وإحساسه بفقدانها يفقده الثقة في نفسه، وأن من يلبس كيفما اتفق يفقد ثقته بنفسه أو يفقد الحس الاجتماعي تماماً.
أكثر...
تلمح العين تطوراً "نوعياً" في مستوى الأناقة بدأ يحتل مكانه في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم ومنتدياتها وصالات أفراحها، تلمح أناقة محتشمة في الشارع، و"جريئة" في صالات الأفراح والمناسبات والليالي المخملية.
هذا يحدث في المدن، أما الأرياف فهي الأخرى انتزعت نصيبها من "الأناقة"، ولم تعد سيدات وفتيات الأرياف كما كن قبل سنين، يكتفين بما يستر، أو بما يلمع، بل صرن يبحثن عن "الأناقة" وإن كان بحثهن على استحياء.
وصارت الأزياء "والماركات المقلدة والأصلية" تدخل البلاد من مسارب عديدة، بل وتقطع صيحات الموضة العالمية الطريق من مراكز الموضة والأناقة إلى "البلدات" السودانية في زمن قصير.
ومع بروز توجه لافت تجاه الاحتشام، يصارعه توجه "ليلي" يقارب السفور، إلاّ أن الاحتشام الجديد نفسه أصبح ميالاً لأن يكون "أنيقاً"، طالبات الجامعات والنسوة العاملات، بل وربات البيوت يحرصن على أن يخرجن وهن في كامل أناقتهن حين يذهبن إلى "الجامعة، أو "بيوت الأفراح".
ولم تعد الأناقة "حكراً" على النساء وحدهن، فقد دخل الرجال على الخط، وفقدت "الجلابية التقليدية" سطوتها الموروثة، إذ صارت ملونة ومزركشة، ولم يعد الحذاء الشعبي "المركوب" – الذي كان متيناً وخشناً - بل صار ناعماً ولامعاً، وربما أضحى نعله "إيطالياً" جذابا.
في جولة نفذتها "الشبيبة" بدت سحرـ طالبة جامعية ـ أنيقة جداً، حين اقتربت منها بذلت جهداً لأقنعها أن هدفي ليس "التغزل" في أناقتها، فقالت بحذر إنها تختار ملابسها بعناية، وتحرص على أن تكون ألوانها منسجمة، وخاماتها "راقية"، وأضافت إن ما تلبس يكسبها "ثقة في نفسها"، وأن أناقتها عنوانها، وأنها تملك ثقافة واسعة في الملابس والإكسسوارات النسوية، وعن آخر صيحات الموضة.
وحين سألتها هل كل هذه الأناقة من أجل الجامعة..؟! لم تندهش للسؤال، بل قالت "هذه هي الجامعة هل تستطيع دخولها دون أن تكون مكتمل الأناقة"..؟!
وحين مددت عنقي إلى الداخل اكتشفت أن طرقات الجامعة وفتياتها لا يفرطن في أناقتهن مهما كانت الكلية "صعبة" والدراسة شاقة.
غير بعيد عن مكان لقائي بـ(سحر) التقيت "شذى" وقبل أن أقترب منها سبقها شذاها إلىي، قالت وهي تخطو على مهل كأنها تخشى إثارة الغبار" خشيت ألاّ تفهم مقصدي، وربما تعتقد أنه نوع من أنواع "التحرش" خاصة وأن مفردة "التحرش" صارت تلقى رواجاً" لكنها أثارات دهشتي، حين أعطتني درساً في الأناقة، وثقفتني عن "دور الأزياء" الكبيرة، حدثتني عن إيطاليا وأحذيتها، وعن باريس وعطورها الشذية و"كريماتها" الغالية، وعن لندن ورصانة أناقتها.
كانت شذى تضوع شذىً، وفي الوقت ذاته تعرف أنها "أنيقة" ولافته، وأنا أتحدث إليها ظننتها مقدمة برامج في قناة فضائية شهيرة، غير أنها لم تكن سوى "طالبة" في طريقها إلى قاعة الدرس، لقد هزمت معارفي في "الأناقة" وأغرقتها في "شبر ماء"، أكملت حديثها قائلة بابتسامة رائقة: "لا أتأنق للفت الأنظار، لقد ورثت الأناقة عن أمي" .
الرجال هم الآخرون سلكوا طريق الأناقة، هنا أحمد، ويعمل تاجراً، كان حين التقيته يرتدي "جلابية بنية" وينتعل حذاء "مركوب" من جلد النمر وعلى كتفه ملفحة بنية من نفس نسيج الجلابية، يزينها تطريز بلون يماثل نقوش جلد النمر، ملقاة بإهمال على كتفه.
كان أحمد نمطاً مختلفاً لأناقة "نشبت" بين الرجال، تتداخل فيها الحداثة بالتقليدية، فهو يرتدي "الجلابية" - الزي الشعبي السوداني الكلاسيكي - لكن مسحات تطور وحداثة كانت بائنة في طريقة خياطتها وتطريزها، بدت أجمل من "الجلابية" القديمة التي كانت في الغالب إما بيضاء ناصعة أو "سمنية" اللون، وقلما يلبس الناس الجلابية ذات اللون "الرمادي"، أما الجلابية الزرقاء ذات "الياقة" فقد كانت ماركة مسجلة لـ"مريدي الطائفة الختمية".
الخامات القديمة مازالت لها مكانها فـ"السكروتة" لم تعد تتميز ببياضها الناصع القديم، بل أضيفت لها "إكسسوارات" جديدة، "ملفحة وشال حرير"، ودخلت "التصاميم" الأفريقية عليها، يعني أن الجلابية السودانية استردت سيادتها على الإقليم، ولم تعد تحفل بكلاسيكيتها، فامتزجت بـ"جلابيب" منطقة غرب أفريقيا.
وفي سيرة أزياء الرجال فإن العمامة، أو "العمة" السودانية تخلت عن مكانها في معظم الرؤوس، وصار الناس يكتفون بـ"الطاقية الحجازية القديمة" بزركشتها اللافتة، وعاد بعضهم إلى "طواقي" الحرير الحمراء من جديد، وطواقٍ أخرى من الغرب الافريقي.
بل وحتى "جبة المتصوفة المرقعة" – التي تميزت بها طائفة الأنصار - تحولت إلى جلباب أنيق، وأدخلت عليها مصممات الأزياء السودانيات تطويراً جعلها تصلح لتكون "أناقة زفاف".
عبدالله رغم أنه ستيني لكنه بدا كمن يتبختر في مشيته، يكاد ثقل العباءة يشده للخلف، كان يعرف ما يريد أن يقول، دافع عن عباءته دفاعا شديداً وقال إنها تقيه البرد، وتجعل مظهره مواكباً وأنيقاً في الوقت ذاته.
أما النساء اللواتي يتمسكن بـ"الثوب السوداني" التقليدي، فقد حرصن هن الأخريات على أن يكون على الموضة، وأن يناسب ألوان بشرتهن، ولم تعد أثواب "الزراق والكرب" القديمة تجد لها مكاناً في أسواق المدينة ولا أسواق القرى، بل وبرع خيال النساء في ابتكار الأسماء، فحين دخل صدام حسين الكويت سمي أحد الثياب "صدام في الخليج"، وحين تعرض الشيخ حسن الترابي لاعتداء في كندا، خرج للناس ثوب "دقة كندا"، وبعد تحرير الكويت ظهر "بوش الابن"، ثم "ثوب بن لادن" وثوب "الزرقاوي" عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بل ويتندر أهل الخرطوم بأن الشرطة حاصرت سوق "سعد قشرة" الشهير شمالي الخرطوم بسبب ثوب جديد، أطلق عليه مروجو "الموضة" اسم "ثوب أوكامبو"، محقق محكمة الجنايات الدولية، عقب صدور مذكرة الاعتقال من ذلك المحقق، بحق الرئيس البشير وبعض مساعديه.
أما ما يطلق عليه الحجاب الإسلامي فلم يسلم هو الآخر من "صفعات" الأناقة، إذ نافسه حجاب "رقيق" أطلقن عليه "حجاب باريس" وهو تحايل لطيف على ما سمته السلطة بـ"الزي الإسلامي".
سؤال حول هذه المتغيرات أرجعته الباحثة الاجتماعية آيات خليل إلى تأثير العولمة على أزياء السودانيين، وإلى أثر ثورة الإتصالات والمواصلات التي جعلت من آخر صيحات الموضة متاحة لكل الناس، تؤثر مباشرة على الأذواق، ما أفقد الأزياء الوطنية التقليدية صفتها بأنها الخيار الأمثل بالنسبة لكثيرين، ودفعهم إلى إدخال إكسسوارات وتحسينات عليها تعكس تأثير عناصر العولمة وأثر القنوات الفضائية عليها.
مبدأ اجتماعي
وأرجع محلل نفسي "الظاهرة" إلى المبدأ الاجتماعي القائل: إن الناس نزاعون لأن يكونوا مثل غيرهم، تؤثر فيهم الموضة فيقلدون بعضهم، لا سيما في المجتمعات التي تعيش مرحلة تحولات كبرى، مثل المجتمع السوداني.
ويضيف إن الإنسان بطبيعته ميال للأناقة، وإحساسه بفقدانها يفقده الثقة في نفسه، وأن من يلبس كيفما اتفق يفقد ثقته بنفسه أو يفقد الحس الاجتماعي تماماً.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية