الثورات العربية وإعادة الاعتبار للصحافة

    • الثورات العربية وإعادة الاعتبار للصحافة

      استاذ بجامعة السلطان قابوس

      "إنها دعوة لرد الاعتبار للصحافة الورقية والمحطات التلفزيونية التقليدية التي مارست بدأب شديد وعلى مدى سنوات طويلة دورها في التمهيد للثورات، ولم يذكرها أحد في لحظات الانتصار "

      د. حسني نصر

      إلى أي مدى ساهم الإعلام بوسائله المختلفة في أحداث الربيع العربي التي عصفت بالأنظمة في اكثر من قطر عربي خلال العام الحالي؟ هذا هو السؤال الذي كان موضوع المحاضرة القيمة التي قدمها قبل أسبوعين البروفيسور يحيى كمالابور الأستاذ بجامعة بوردو الأمريكية، واستضافها قسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس.

      والواقع ان مثل هذه المحاضرات رغم أهميتها، باعتبارها محاولات سريعة لفهم وتحليل ما جرى ويجري من احتجاجات وتظاهرات أسقطت أنظمة وتسعى إلى إسقاط أنظمة أخرى، لا تقدم إجابات بقدر ما تطرح المزيد من الأسئلة، ومنها هذا السؤال الذي يبدو بسيطا في الظاهر ولكنه في الحقيقة صعب ومراوغ ولا يمكن تقديم إجابة واحدة جازمة عنه. وترجع هذه الصعوبة إلى ان ظاهرة الثورات العربية ما زالت في حالة سيولة سياسية وإعلامية، الأمر الذي يجعل الاقتراب منها ووضعها على طاولة تشريح التحليل العلمي، محفوفا بالمخاطر. رغم ذلك يمكن تقديم عدد من الخلاصات الأولية حول دور الإعلام في الثورات العربية سواء تلك التي أنجزت مهمتها بإسقاط الأنظمة، كما في تونس ومصر وليبيا، أو تلك التي ما زالت على الطريق ولم تكتمل بعد كما هو الحال في اليمن وسوريا.

      أول هذه الخلاصات أنه لا يمكن قبول الزعم القائل بان وسائل الإعلام الجديدة كانت وحدها السبب الرئيس والمحرك الأساسي للثورات العربية.

      نعم لعب الإعلام الجديد خاصة شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها شبكة فيسبوك، دورا مهما في تنظيم التظاهرات الأولى، والتشجيع على التظاهر، وكسر حاجز الخوف، وربما إشاعة روح الاحتجاج والثورة بين الناس، ولكن الثورات غالبا ما تندلع لأسباب أخرى كثيرة اقتصادية واجتماعية وسياسية تتجمع كلها في لحظة تاريخية ما لتدفع الشعوب إلى الثورة. في ضوء ذلك فان فيسبوك وغيره من الشبكات الاجتماعية كان أداة جيدة فرضتها طبيعة وتكنولوجيا العصر واستخدمها الداعون إلى الثورة في تنظيم وتأجيج التظاهرات والاحتجاجات الشعبية، تماما مثلما تم استخدام "شرائط الكاسيت" التي تحمل خطب ورسائل آية الله خوميني في تأجيج الثورة الإسلامية في ايران التي أطاحت بنظام الشاه في العام الأخير من سبعينيات القرن الماضي.وعلى هذا الأساس يمكن القول ان الإعلام الجديد ساهم ضمن أدوات أخرى كثيرة في تحويل حالة الغضب الكامن في النفوس إلى الحالة الثورية العلنية.

      لا يمكن إذن حصر مساهمة وسائل الإعلام في هذه الثورات في الدور الذي لعبته وسائل الإعلام الجديدة، فمع التسليم بان هذه الوسائل كان لها دور فاعل في تأجيج الثورات وجمع المتظاهرين في الفضاء الإلكتروني وفي الشارع، إلا انه لا يمكن إغفال الدور الجوهري الذي لعبته وسائل الإعلام التقليدية في بعض الحالات، وأبرزها الحالة المصرية. وفي اعتقادي أن الصحف المطبوعة المستقلة والحزبية، وكذلك القنوات الفضائية الخاصة،وحتى الصحف والقنوات التلفزيونية الحكومية التي كانت تثير غضب الناس أيضا ولكن بطريقة عكسية، لعبت دورا لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبته الإنترنت، خاصة في التمهيد طويل المدى لهذه الثورات. والمتابع لهذه الصحف وتلك الفضائيات قبل 2011 يجد فيها تحريضا صريحا على الثورة على النظام من خلال التركيز الكبير على قضايا الفساد المالي والأخلاقي للنخب الحاكمة، والحديث المستمر عن ترهل النظام الحاكم، وغياب العدالة الاجتماعية، وتراجع الخدمات الجماهيرية الأساسية، بالإضافة إلى فتح الملفات الحساسة المتصلة بتوريث الحكم ووحشية أجهزة الأمن. ويمكن فهم هذا التمهيد الذي يعود إلى نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، في اطار التأثير طويل المدى لوسائل الإعلام، وهو تأثير تراكمي ظهرت نتائجه في مطلع العام الحالي. وبدون هذا التمهيد الذي استمر على مدى سنوات لم يكن ممكنا للثوار ان يخرجوا إلى الشارع للمطالبة بالحرية والعدالة، كما لم يكن ممكنا ان يستقطبوا الجماهير الصامتة ومن ثم تحويل هذه المظاهرات السلمية إلى ثورة شاملة.

      ان مقارنة بسيطة بين الحالتين المصرية والسورية يمكن أن توضح لنا أهمية الدور الذي لعبته الصحافة المستقلة والحزبية والفضائيات الخاصة المصرية في التمهيد للثورة وإنجاحها، وهو الدور الذي كان ولا زال غائبا في الحالة السورية. ولعل هذا يفسر- إلى حد ما- القبول الشعبي الجارف الذي حظيت به الثورة في مصر، في مقابل ما نراه من انقسام في الشارع السوري بين المؤيدين والمعارضين، والذي لم يعرف طوال سنوات حكم الأسد الأب ثم الأسد الابن، صحافة المعارضة أو صحف مستقلة أو فضائيات خاصة حقيقية، وبالتالي لم تتراكم تأثيرات هذه الوسائل لتمهد للقبول الشعبي العام للثورة.

      خلاصة القول إن حصر دور الإعلام في الثورات العربية، سواء تلك التي نجحت أوالتي على الطريق، في الدور الذي لعبته شبكات التواصل الاجتماعي خاصة فيسبوك، فيه ظلم كبير لوسائل الإعلام التقليدية، وإهدار لجهود عشرات وربما مئات الصحفيين المقاتلين الذين اصدروا الصحف المعارضة للنظام وحرروها في ظروف غاية في القسوة كانت الغلبة فيها للصحافة الحكومية المدللة، وفي وقت كان كل ما على الأرض يسبح بحمد النظام ويتقرب اليه. وقد استطاعت هذه الصحف ان تقول لا في زمن كان الجميع يقول فيه نعم، وقبل ان تظهر الإنترنت وبعد ظهورها. إنها دعوة لرد الاعتبار للصحافة الورقية والمحطات التلفزيونية التقليدية التي مارست بدأب شديد ودون ملل أو يأس وعلى مدى سنوات طويلة دورها في التمهيد للثورات، ولم يذكرها احد في لحظات الانتصار.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية