بسم الله الرحمن الرحيم
أبنائي الأعزاء/
يأتنا رمضان أعاده الله على الأمة الاسلامية بالخير والبركات، وتعود لياليه المأنوسة، الحافلة بالعبادة والذكر ومداولة أخبار الأدب والشعر الأعلام.
ولقد إخترت لكم اليوم خطبة إشتهرت في الكتب المدرسية أيامنا، بخطبة "طارق بن زياد فاتح الأندلس"، ولقد ذهب عني ذكرها، حتى جمعتني الصدفة منذ أيام وأحد الأخوة الجزائرين من البربر، وتداعت خواطري وتسلست، وفجأة لمعت في ذهني فكرة أود أطرحها هنا للمناقشة، بعد قراءة النص:
"أيها الناس، أين المفر، البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأقواته موفورة وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصونه من أيدي أعدائكم.
وإن امتدت لكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة.
وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإني لم أحذركم أمراً أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطة أرخص فيها متاع النفوس إلا وأنا أبدأ بنفسي. واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلا استمتعتم بالأرفه الألذ طويلاً، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي.
وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحور الحسان من بنات اليونان الرافلات في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعقيان، والمقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان. وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عزبانا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارا وأختانا ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصا لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم ذكرا في الدارين.
واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فان هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهمَّ من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يُخْذلون".
ماذا ترون؟ لسان عربي قويم، وهذا ما يتير الريبة عندي، كيف يتسنى لبربري، أن يتحدث بهذا اللغة العربية الراقية؟ ثم أن جل الجيش الذي فتح الاندلس كان من البربر، حديثي العهد بالاسلام، فكيف سيفهمون عن قائدهم إذن؟ هذا إن ملك هذا الأخير فعلا زمام العربية؟ هل ألقاها بلغة البربر وترجمها عنه أحد فصحاء العربية بلغتنا، وبقيت هذه الصيغة التي نعرفها اليوم؟
هل بين يدينا نص لخطبة ألفها أحد ألأدباء أو المتأدبون، وصنع لها نسبا وهميا، لانزال نحن ضحايا وهمه؟
وتداعى الأفكار لدي؛ وبصراحة فإن قصة إحراق طارق القائد هذا لسفنه قبل إلتحامه عسكريا مع جيش روديك، لا تبدو معقولة أو منطقية، لأسباب كثيرة منها، أن أي قائد يقطع طريق الرجعة والافلات الوحيد، هو قائد قاصر النظرة من الناحية العسكرية، ماذا لو إحتاج لمزيد من القوات من شمال أفريقيا؟ هل سيبعث أحدهم لطلب المدد سباحة؟ ثم هل يعقل أن يقدم على حرق ممتلكات عامة بمبادرة شخصية منه؟ أم أنه أخذ الاذن المسبق بهذا؟ لا تذكر كتب الأدب شيئا من هذا، فما ترون؟