سوريا العزيزة تتعثر أراء الكتاب الشبيبة

    • سوريا العزيزة تتعثر أراء الكتاب الشبيبة

      "الحل كان في يد النظام السوري نفسه لو استمع لنداءات من أصدقاء وحلفاء طالبوه بالتنازل عن بعض الصلاحيات ودعوة المعارضة للحوار ووقف إطلاق الرصاص "

      بقلم: يسري حسين

      تميز النظام السوري خلال تمتعه بالجلوس على قمة السلطة في دمشق، بالقدرة الفائقة على المناورة و إدارة الأزمات بحذق سياسي بالغ . لكن يبدو أن البقاء في الحكم لفترة طويلة يصيب العقل السياسي بالجمود البالغ وغياب الأفكار القادرة على الحوار مع الأزمات العنيفة .

      وقد نجح النظام في دمشق منذ أيام الرئيس الراحل حافظ الأسد في إدارة الأزمات بروح عالية تستفيد من مساحات التحالف وتكوين جبهات لديها القدرة على الصمود وتحويل المتناقضات لصالحها بشكل كبير .

      ورث الأسد الابن الجهاز السياسي الذي أسسه والده . وكان تعامله مع الأوضاع اللبنانية بعد حادث اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري، يعبر عن برجماتية قادرة على التفكير والتحرك والتحكم في مفاتيح الأزمة ودفعها حتى لا تصل إلى مرحلة الاختناق .

      سحب النظام السوري قواته من لبنان نتيجة ضغط قوى من المعارضة هناك . جاءت الخطوة الذكية لتجنيب مواجهة شرسة كان من الممكن قيادتها الموقف للمزيد من الاحتقان والاقتتال غير المبرر .

      هذه الخطوة عبرت عن مطبخ سياسي شديد الحذق يدير الأزمات . وقد يعود ذلك لذكاء وزير الخارجية الأسبق فاروق الشرع وتمتعه بمساحة هائلة من المناورة والقدرة على جذب خيوط الأزمة لصالح بقاء النظام وتنفسه السياسي السليم . وقد غاب ( الشرع ) عن الأزمة السورية الحالية، حتى وليد المعلم الذي عُرف عنه ممارسته دبلوماسية عالية تعتمد على الهدوء والامتصاص وتحويل الموقف مهما تأزم لصالح سوريا، هذا الرجل يبدو الآن غير قادر على التحرك ولم يعد لديه سوى الاعتماد على سياسة عنيفة تهاجم المعارضين وتنزلق بمصالح سوريا إلى المزيد من التعثر والإحباط .

      أدت سياسات سوريا مضطربة إلى هذا الوضع، مما دفع الجامعة العربية لإصدار قرارها الأخير بتجميد عضوية دمشق، في ظل تعنت يعتمد على حكاية خرافية تتحدث عن عصابات تطلق الرصاص وتقتل المدنيين، بينما الوقائع تشير إلى أن الجيش السوري نفسه يقوم بهذه المهمة غير الوطنية على الإطلاق .

      ولا أعرف لماذا تورط نظام بشار الأسد في هذه اللعبة بإطلاق النار على مدنيين واستمرار القتل بهذه الوتيرة من التبجح بوجود عصابات مسلحة لا نعرف كيف تكونت، ولا قدرتها على التحدي لجيش بحجم الوضع السوري المعروف .

      ارتكز نظام بشار منذ البداية على معادلة خاطئة تماماً، وهي الاستجابة لضغوط المعارضة بإطلاق رصاص الدبابات على المتظاهرين . كان النظام يملك البحث عن حل سياسي ، لأن الإنزلاق إلى القتل خطير ويفرز صعوبات ومخاطر .

      لا اعرف كيف غابت عناصر المطبخ السياسي وإدارتهم لأزمات على مدى طويل في لبنان ، وبالتفاعل مع إسرائيل وإدارة الصراع معها بتوسيع شبكة تحالفات حققت لدمشق قدرة الإمساك بخيوط الموقف كله وتنميته لصالح الدولة والنظام .

      غياب مهارة المناورة دفع النظام إلى ورطة مبكرة مما أغراه بالاستمرار في هذا الأسلوب . وقد يعود الأمر إلى غياب الأجهزة القديمة التي أدارت أكثر المواقف صعوبة وتأزماً خلال حكم حافظ الأسد وبدايات سلطة نجله بشار .

      كان يمكن البحث عن حلول تخفف الضغط عبر إجراء إصلاحات وتغيير في الوجوه المعروفة والبحث عن شخصيات مختلفة من داخل المعارضة ودعوتها للإشتراك في الحكومة والإستماع إليها بدلاً من إطلاق الرصاص الطائش هنا وهناك . لا أعرف كيف توصل النظام إلى الحل العسكري لتخفيف الحصار من حوله ؟. كان يمكن المناورة كما اعتاد الحكم سابقاً ، وإجراء بعض التغييرات على القمة والتنازل عن مساحة معينة من قبضة السلطة لتيارات شابة جديدة .

      لقد وقفنا مع سوريا دائماً من منطلق عربي ولتأييد جبهة المقاومة ضد إسرائيل . لكن ما حدث منذ اندلاع ما يسمى بالربيع العربي ,والمطبخ السياسي السوري يتعثر في أخطاء فادحة معتمداً على تعصب وتعنت ورفض كافة الحلول والإستناد فقط على قوة عسكرية هي في الحقيقة تعبر عن ضعف شديد وغياب القدرة على المناورة .

      ترك الجامعة العربية تتصرف بهذا الشكل هو فشل صريح لسوريا .تعجبت كيف يقع وليد المعلم الدبلوماسي الماهر في أخطاء بهذه الدرجة من عدم الرؤية بحيث يُطلق اتهامات دون البحث عن الأسباب التي أدت إلى الأزمة الضارية الحالية . لقد صنع النظام السوري أزمته بنفسه، معتمداً على الغرور وحده ورفض الحلول الإصلاحية وتحليله الخاطئ الذي أدى إلى تعثر وأزمة مع الجامعة العربية وإصراره على تفعيلها وليس حلها .

      كيف غابت الحصافة والمرونة عن نظام اشتهر بإدارة الأزمات بأسلوب سلس لصالح استمراره ؟ . لماذا اندفع الحكم بالأزمة إلى هذا الموقف بإطلاق الرصاص على متظاهرين والتوسع في استخدام الاعتقالات وتهجير المدنيين الذين فروا إلى تركيا وعدة دول أخرى .

      كان يمكن من البداية امتصاص الأزمة بانفراج سياسي يقود إلى اصلاحات سياسية، فمن غير المعقول بقاء سوريا سجينة بين قضبان شديد القسوة يستخدم الإقصاء وتجريف الحياة السياسية ومنع تداول حرية الصحافة والإعتماد على يد الدولة الباطشة . لم يعد ممكنا استمرار هذا الأسلوب وهناك ثورات تنعش رياح الحرية في المنطقة . كان من الممكن لنظام الأسد التحرك خارج دائرة القمع وفتح أبواب الحلول السياسية وترك المجال لتفاعل أحزاب المعارضة ومنحها مساحة مختلفة حتى يحدث التوازن في دمشق . اعتمد النظام على البطش العنيف، وقد نجح لسنوات طويلة في استخدام هذه الوسيلة القاسية، غير أن الأجواء تغيرت وهناك ضغوط لمساندة فجر الحرية حتى تتمكن الشعوب من العيش الكريم .

      أصابني الحزن الشديد لدى استماعي لوليد المعلم وهو يتحدث بهذه اللغة الخشنة والهجوم الحاد على الجامعة العربية، واستمرار المناورة في حيز ضيق للغاية، اعتمد على الموقف الروسي أو الآخر الصيني . هذه الدول في النهاية لا تستطيع توفير الحماية لأحد، والحل كان في يد النظام السوري نفسه لو استمع لنداءات من أصدقاء وحلفاء طالبوه بالتنازل عن بعض الصلاحيات ودعوة المعارضة للحوار ووقف إطلاق الرصاص .

      لقد تعلم بشار الأسد فن جراحة العيون، لكن للأسف الشديد لم تعد لديه قدرة لفهم أوضاع سوريا للخروج بها من هذا المأزق ولحماية كيان هذه الدولة العزيزة على كل عربي .

      الإصرار على استخدام العنف ورفض الحوار سيؤدي إلى تكرار سيناريوهات شديدة القتامة. ونحن نأمل لسوريا السلامة وهذا لن يحدث إلا بخروجها من هذا النفق المظلم نتيجة لضياع العقل السياسي المستنير، الذي غاب عنه طريق الحل وانزلق نحو القتل، وهذا يدفع إلى نهاية مهلكة ومدمرة في الوقت نفسه .

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية