هيكلة الإعلام العربي أراء الكتاب الشبيبة

    • هيكلة الإعلام العربي أراء الكتاب الشبيبة

      " أثبت التاريخ أن ملكية وسائل الإعلام والتحكم فيها يأتي على المدى الطويل بنتائج عكسية، ولعل هذا ما تؤكده التجربة المصرية على الأقل"

      د. حسني نصر

      لا يخلو حديث عن الثورات العربية والتحول الديمقراطي في الدول العربية من إشارات كثيرة ذات مغزى إلى الإعلام. وتتردد على ألسنة الكثيرين حتى من عامة المواطنين انتقادات كثيرة لوسائل الإعلام تصب جميعها في مطلب واحد هو إعادة هيكلة الإعلام وإصلاح الأوضاع الإعلامية المقلوبة باعتبار أنها أصبحت ضرورة ملحة مثلها مثل هيكلة مؤسسات المجتمع الفاعلة وبدء عمليات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد جعلت الأحداث الأخيرة التي شهدتها دول عربية عديدة خلال العام الحالي الذي دخلنا شهره الأخير، ولا زالت تشهدها دول عربية أخرى من الإعلام بوسائله المختلفة محط اهتمام الجميع، خاصة بعد أن تأكد للقاصي والداني إن نجاح ثورات الربيع العربي الذي لم ينته بعد رغم حلول الخريف ومن بعده الشتاء، يعود في جزء منه إلى الدور الكبير الذي لعبته وسائل الإعلام في التمهيد لها والدعوة إليها وقيادتها في بعض الأحيان.

      وفي الآونة الأخيرة زادت بشكل كبير مطالب إعادة هيكلة الإعلام خاصة في مصر، في ظل حالة الفوضى الإعلامية التي تشهدها منذ اندلاع ثورة 25 يناير، والدور المضاد للثورة الذي يلعبه الإعلام الحكومي وإعلام "الفلول" الخاص. وظهرت الدعوات إلى إعادة النظر في منظومة الإعلام الحكومي الذي يسيطر على المشهد الإعلامي بحكم تاريخه وتنوع وسائله وثرائه المادي والبشري. فقبل الثورة الأخيرة كانت الصحف اليومية الكبيرة والقنوات التلفزيونية المتعددة لا عمل لها إلا دعم النظام الحاكم بكل ما أوتيت من قوة. وفي الوقت الذي كانت الثورة تشتعل في كل ميادين مصر كانت هذه الوسائل الإعلامية تتحدث عن الدعم الشعبي الوهمي غير المحدود لمبارك ونظامه. ومع نجاح الثورة تحولت نفس الصحف والمحطات التلفزيونية إلى كشف عورات نظام مبارك بعد أن سقط، ثم انحازت كليًا إلى الحكام الجدد في المجلس العسكري الحاكم، وسرعان ما عادت إلى عادتها القديمة وأصبحت أداة التعبئة السياسية الرئيسية التي يستخدمها العسكر في مواجهة استمرار الثورة ومطالبها الجديدة والمتجددة.

      وما حدث من الإعلام الحكومي المصري حدث من الإعلام الحكومي في تونس وليبيا وسوريا واليمن وفي أقطار عربية أخرى. فالنموذج واحد والممارسات واحدة تقريبا. الأمر الذي جعل مطلب إعادة هيكلة الإعلام مطلبا عربيا عاما حتى في الدول التي شهدت انتفاضات محدودة أو تلك التي لم تشهد أية انتفاضات شعبية بعد. هذا المطلب يعود – في اعتقادي- إلى إصرار الدول على الاستمرار في فرض سيطرتها على المشهد الإعلامي الوطني، والتحكم في صيرورة الحركة الإعلامية وضبطها بموازين سياسية صارمة، عبر السيطرة على وسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة والمرئية، بطريقة مباشرة من خلال الملكية أو بطرق غير المباشرة مثل التحكم في حياة وسائل الإعلام وحياة الصحفيين عبر احتكار تراخيص الإصدار والعمل، وفرض الرقابة وإتباع سياسات المنح والمنع.

      لا خلاف- إذن- على أن الإعلام العربي يحتاج الآن إلى هذه الهيكلة التي يمكن أن تنقله من صفوف الإعلام الحكومي الراكد إلى صفوف الإعلام الطليعي الذي يتناسب مع ثورة المعلومات من جانب والاحتياجات الإعلامية الجديدة للمواطن العربي من جانب آخر. ومع التسليم بشرعية المطلب وضرورته في ظل المتغيرات الوطنية والإقليمية والعالمية المتداخلة، فان أي محاولة صادقة لهيكلة الإعلام القومي يجب أن تبدأ بمراجعة أسس النظام القائم ونسف بعضها خاصة تلك التي تجاوزها الزمن. وأول هذه الأسس وأخطرها، هي تلك النظرة الدونية المتوارثة لوسائل الإعلام بوصفها أداة من أدوات الدولة، مثلها مثل الشرطة وأجهزة الأمن، وقصر وظيفتها على السيطرة على الجماهير وتوجيهها الوجهة التي تريدها الأنظمة السياسية.

      وإذا اتفقنا على ضرورة الإصلاح الإعلامي فان السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا تعني هيكلة الإعلام؟ إنها تعني- ببساطة ودون تعقيدات نظرية- إعادة النظر في دور الإعلام في المجتمع وإعادة توصيف وظائف الإعلام سواء بالنسبة للمجتمع أو للأفراد، والاتفاق على حد ادنى من المهام التي يجب أن تقوم بها وسائل الإعلام في خدمة المجتمع كله وليس في خدمة الدولة ونظامها السياسي فقط. وعلى هذا الأساس فان هيكلة الإعلام العربي تعني التخلي عن النظام الإعلامي القائم وإبداله بنظام إعلامي جديد يأخذ في الاعتبار التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي شهدته المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة، والتطور الكبير الذي شهدته تكنولوجيا الاتصال الجماهيري بالإضافة إلى تطور النظرة العالمية لحقوق الإنسان وتزايد الاهتمام الدولي بالحق في التعبير وحرية الرأي والصحافة.

      إن الخطوة الأولى في الإصلاح الإعلامي تبدأ بتخلي الدولة عن ممتلكاتها الإعلامية الصحفية والإذاعية والتلفزيونية، وتحويلها إلى مؤسسات أو هيئات عامة يتم إدارتها من قبل لجان متخصصة تمثل المجتمع، ورفع يدها عن وسائل الإعلام الخاصة، ووقف التمييز الذي تمارسه ضد هذه الوسائل سواء من خلال توزيع الإعلانات الحكومية أو المزايا الخاصة.

      لقد اثبت التاريخ أن ملكية وسائل الإعلام والتحكم فيها يأتي على المدى الطويل بنتائج عكسية، ولعل هذا ما تؤكده التجربة المصرية على الأقل. ففي يوم وليلة تحولت الصحف والتلفزيونات من التسبيح بحمد مبارك ونظامه إلى الهجوم عليه والدعوة إلى إسقاطه والمطالبة بمحاكمته. والواقع أن النتائج التي يمكن أن تترتب على إصلاح الإعلام كثيرة ومفيدة لجميع الأطراف، خاصة بعد أن أصبحت الدولة القومية في العالم كله عاجزة عن متابعة ومراقبة وسائل الإعلام التي تعمل سواء من داخل الوطن أو من خارجه.

      ومن هذه الفوائد أن الدولة العربية المثقلة بالأعباء سوف توفر الوقت والجهد والمال الذي كانت تنفقه في المجال الإعلامي لتتفرغ لمهامها الأساسية في مجالات أخرى أكثر أهمية مثل التعليم والصحة، كما أن خلق نظام إعلامي جديد تنافسي يتراجع فيه دور الدولة في العملية الإعلامية، وتسقط فيه مزاعم السيادة الإعلامية، وتنتهي بموجبه آليات السيطرة الكاملة على المنافذ الإعلامية المختلفة، يمكن أن يشكل نواة لإعلام عربي قوي قادر على مواجهة الإعلام العالمي، وقادر على أداء وظائفه الأساسية، وإحداث الفارق المعلوماتي في المجتمع العربي، وقادر- وهذا هو الأهم- على كسب ثقة الشعوب فيما يقوله، وبالتالي تأمين الأنظمة الحاكمة من الغضب الشعبي، وإدارة هذا الغضب- إن حدث- بطرق تحفظ استقرار المجتمع واستقرار تلك الأنظمة.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية