لندن – يسري حسين
المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" هي بالتأكيد إمرأة أوروبا الحديدية، تذكرنا لحد ما بصلابة رئيسة وزراء بريطانيا السابقة الليدي "مارجريت تاتشر". لكن المرأة الألمانية تختلف قوتها عن الأخرى البريطانية، حيث كانت تعاند الأخيرة بشراسة الاندماج مع أوروبا وتحذر من أخطار هذه الخطوة، بينما ترى سيدة برلين أن هذا الطريق هو البديل وطوق الانقاذ للخروج من مراحل طويلة متعثرة وقلقة دفعت عناصر القارة القوية للحرب المدمرة أكثر من مرة.
التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى فتعود بريطانيا على رأس اتجاه مشاغب يعاند الوحدة الأوروبية مع تمسكها بمبدأ السيادة والإصرار على عدم التفاوض على هذا الوضع نهائياً. وعندما كانت تاتشر على رأس السلطة في لندن كانت تعاند الرئيس الفرنسي آنذاك "فرانسوا ميتران" اليساري المتحمس لوحدة أوروبية تنهي سنوات الشقاق والحرب والتنافس. كان ميتران يحلم بوحدة أوروبية تستقل عن النفوذ الأمريكي وتعمل لتحقيق تنمية توفر فرص العمل والرواج. وقفت تاتشر في هذه المرحلة على الجبة الأخرى تحذر من الاندماج وإنه سيفرز فيدرالية شمولية تخنق الحريات والديمقراطية وتقضي على التنوع داخل القارة. حاولت مارجريت تاتشر دائماً تقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة وإهمال التيار الأوروبي الذي كان يمثله في وقتها الرئيس الفرنسي ميتران بنزوعه نحو اليسار والعداء الخفي مع نفوذ الولايات المتحدة. هذا الصراع الحاد بين أوروبا القديمة والأخرى الجديدة ظل دائما في بؤرة الصراع في قلب القارة، وإن كان اتخذ أحياناً بعض الأشكال المختلفة وتبديل الأدوار في لعبة حماية المصالح والدفاع عنها.
كان من نتائج تشدد (تاتشر) خسارتها للزعامة في بلادها، إذ وصلت لمرحلة متعصبة وفقدت أعصابها مما أثر على الدور البريطاني الذي غاب عن التأثير في المساحة الأوروبية. وقد لاحظت واشنطن أن تهميش دور لندن داخل الاتحاد الأوروبي غير مطلوب وضار، لذلك لم تحزن على غياب المرأة الحديدية البريطانية من المشهد السياسي كله، وهي التي تحالفت مع الولايات المتحدة في فترة المواجهة الأخيرة مع الاتحاد السوفييتي السابق، حيث وجد نفسه في حصار (الكماشة) البريطانية والأمريكية في ظل صعوبات اقتصادية وترهل الامبراطورية، فلم يجد الرئيس السوفييتي الأخير "ميخائيل جورباتشوف" سوى إعلان نهاية النظام كله وتفكيك عجلاته. وقد أدى غياب تاتشر السياسي في بداية التسعينيات، تفاعل بريطانيا مع الساحة الأوروبية نتيجة قمع الأصوات اليمينية المتمردة. وشغلت معركة الحرب على الإرهاب الجميع، بينما توارى الملف الأوروبي في درجة ثانية، غير أن اندلاع أزمة العملة الموحدة أعاد القضية إلى المربع الأول مرة أخرى. وقد ظهرت قيادة "أنجيلا ميركل" وسعيها للحفاظ على الاتحاد ومقاومة تفككه بكل السبل. وقد لعبت المستشارة دوراً مهماً في معالجة أزمة ديون اليونان وإسبانيا وإيرلندا الجنوبية. وناصرها في خطواتها الرئيس الفرنسي "نيكولاي ساركوزي"، وقد أظهرت الأحداث السريعة المشاكل والهواجس البريطانية مرة أخرى. لقد وجد "ديفيد كاميرون" رئيس الوزراء البريطاني نفسه أمام تحدي مجموعة المتشائمين من الاتحاد الأوروبي، إذ دعوا لاستفتاء للتصويت على بقاء بريطانيا نفسها داخل هذا الاتحاد. كان معنى ذلك اندفاع هذه الكتلة المكونة من 81 نائباً محافظاً في البرلمان نحو إحراج الحكومة وإرباكهخا فجأة. والذي أنقذ الموقف هو كتلة المعارضة العمالية التي صوتت بجانب رئيس الوزراء لإزاحة هذه العاصفة الغريبة.
وبعد إخفاق التمرد في البرلمان هدد المحتجون بالمزيد من القلق والتحدي إذا وافق كاميرون على خطة ميركل وساركوزي لإعادة هيكلة الاتحاد الأوروبي لضمان امتصاص مسلسل الأزمات العاصف بالعملة الموحدة. خطة المستشارة الألمانية تعطي رقابة مركزية على الموازنات المالية لكل دولة وتسمح بتدخل البنك المركزي للاتحاد مما يقلص مبدأ السيادة تماماً كما يقول البريطانيون. ولو كان كاميرون وافق في قمة بروكسل على هذه المقترحات لسقطت حكومته في البرلمان نتيجة عنف مجموعات معارضة للاندماج الأوروبي ولرياح المركزية التي ستنهي مشكلة الأزمة الأخيرة للعملة الموحدة.
وقد فضل كاميرون الانسحاب من شبه إجماع على خطة ألمانيا وفرنسا للإنقاذ. ومعنى ذلك بقاء لندن بمفردها في مربع خاص بها بينما يستمر الأعضاء الآخرون لبناء خطة ليس لإنقاذ (اليورو) وإنما لتطوير خطط الاندماج لأنها الحل لغلق كافة الثقوب التي تتسرب منها عوامل التراخي التي أدت للأزمة الأخيرة والصاعقة. لقد حذر ساركوزي الرئيس الفرنسي من تفكك الاتحاد الأوروبي لو تم ترك الأزمة تتفاعل وتتوحش. وكانت خطة المقاومة ترتكز على تقوية عضلات المركزية داخل بروكسل لقيادة الأوركسترا المالي والسياسي والإداري معاً. وقد رفضت بريطانيا السير في الموكب الاتحادي الأوروبي. مصممة على البقاء خارج (اليورو) وبعيداً عن الخطة الجديدة.
الموقف البريطاني مغامرة خطيرة، فمعنى بقاء لندن خارج سرعة منظومة الاتحاد، تخلفها عن خطوات إذا نجحت، فلن تؤدي لعبور الأزمة الراهنة فقط وإنما ستمنح الاتحاد المزيد من التبلور في خطط محكمة التوجه والقيادة أيضاً. قد تراهن لندن بخسارة مركزها المالي في قلب أوروبا والعالم. لكنها لا تريد المغامرة، إذ المعروف عن العقل البريطاني تقليدية تفكيره وإلتزامه الحذر الشديد والحرص على مصالحه أولاً. وقد شعرت بريطانيا بأنها كانت على صواب بالبقاء خارج دائرة (اليورو)، وقال "ديفيد كاميرون" بإصرار في بروكسل أن بلاده لن تنضم لهذه العملة، في أسلوب قاطع لا يفتح الباب لتأويلات مهما كان حجمها.
تشعر بريطانيا أن أزمة (اليورو) ليست من فعلها، وعلى فرنسا وألمانيا وبقية أعضاء الاتحاد دفع ثمن العلاج، أما هي فقد حاولت استثمار الأزمة للتخفيف من تدخل الاتحاد الأوروبي في شؤون تعتبرها داخلية ومرتبطة بالسيادة الوطنية واستقلالية برلمان ويستمنستر. لدى لندن مشاعر خاصة بها تعود لعزلة طويلة ومعارك وعداء مع دول القارة سواء مع فرنسا أو ألمانيا. وهذا يعود إلى حقائق جغرافية باعتبار بريطانيا جزية منعزلة عن أطراف أوروبا، غير أن التكنولوجيا الحديثة أنهت هذه العزلة بخط القطار تحت الماء الذي ربطها المرة الأولى بالقارة وأنهى انفصالها وحقق ارتباطها الواقعي. ما حدث في بروكسل كشف عن تناقضات داخل الاتحاد الأوروبي، لكن ما تزال الوسيلة هي الإقناع لمحاولة ضم المعارضين لمسيرة مشتركة والإصرار عليها هو الحل. والخروج عنها قد يؤدي إلى تصادم وانهيار كما حذر الرئيس الفرنسي.
لكن مؤتمر بروكسل أظهر عودة التصلب للموقف البريطاني الذي يحركه الخوف من الانصهار والتلاشي داخل الدائرة الأوروبية.
وقد حاربت بريطانيا في أكثر من معركة عالمية للإبقاء على سيادتها، وتخشى الآن من نفوذ "أنجيلا ميركل" التي تخطط لزيادة نفوذ الاتحاد الأوروبي واستغلال مأزق (اليورو) للانطلاق في تشديد قبضة المركزية والفيدرالية معاً.
.......................................
أكثر...
المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل" هي بالتأكيد إمرأة أوروبا الحديدية، تذكرنا لحد ما بصلابة رئيسة وزراء بريطانيا السابقة الليدي "مارجريت تاتشر". لكن المرأة الألمانية تختلف قوتها عن الأخرى البريطانية، حيث كانت تعاند الأخيرة بشراسة الاندماج مع أوروبا وتحذر من أخطار هذه الخطوة، بينما ترى سيدة برلين أن هذا الطريق هو البديل وطوق الانقاذ للخروج من مراحل طويلة متعثرة وقلقة دفعت عناصر القارة القوية للحرب المدمرة أكثر من مرة.
التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى فتعود بريطانيا على رأس اتجاه مشاغب يعاند الوحدة الأوروبية مع تمسكها بمبدأ السيادة والإصرار على عدم التفاوض على هذا الوضع نهائياً. وعندما كانت تاتشر على رأس السلطة في لندن كانت تعاند الرئيس الفرنسي آنذاك "فرانسوا ميتران" اليساري المتحمس لوحدة أوروبية تنهي سنوات الشقاق والحرب والتنافس. كان ميتران يحلم بوحدة أوروبية تستقل عن النفوذ الأمريكي وتعمل لتحقيق تنمية توفر فرص العمل والرواج. وقفت تاتشر في هذه المرحلة على الجبة الأخرى تحذر من الاندماج وإنه سيفرز فيدرالية شمولية تخنق الحريات والديمقراطية وتقضي على التنوع داخل القارة. حاولت مارجريت تاتشر دائماً تقوية علاقاتها مع الولايات المتحدة وإهمال التيار الأوروبي الذي كان يمثله في وقتها الرئيس الفرنسي ميتران بنزوعه نحو اليسار والعداء الخفي مع نفوذ الولايات المتحدة. هذا الصراع الحاد بين أوروبا القديمة والأخرى الجديدة ظل دائما في بؤرة الصراع في قلب القارة، وإن كان اتخذ أحياناً بعض الأشكال المختلفة وتبديل الأدوار في لعبة حماية المصالح والدفاع عنها.
كان من نتائج تشدد (تاتشر) خسارتها للزعامة في بلادها، إذ وصلت لمرحلة متعصبة وفقدت أعصابها مما أثر على الدور البريطاني الذي غاب عن التأثير في المساحة الأوروبية. وقد لاحظت واشنطن أن تهميش دور لندن داخل الاتحاد الأوروبي غير مطلوب وضار، لذلك لم تحزن على غياب المرأة الحديدية البريطانية من المشهد السياسي كله، وهي التي تحالفت مع الولايات المتحدة في فترة المواجهة الأخيرة مع الاتحاد السوفييتي السابق، حيث وجد نفسه في حصار (الكماشة) البريطانية والأمريكية في ظل صعوبات اقتصادية وترهل الامبراطورية، فلم يجد الرئيس السوفييتي الأخير "ميخائيل جورباتشوف" سوى إعلان نهاية النظام كله وتفكيك عجلاته. وقد أدى غياب تاتشر السياسي في بداية التسعينيات، تفاعل بريطانيا مع الساحة الأوروبية نتيجة قمع الأصوات اليمينية المتمردة. وشغلت معركة الحرب على الإرهاب الجميع، بينما توارى الملف الأوروبي في درجة ثانية، غير أن اندلاع أزمة العملة الموحدة أعاد القضية إلى المربع الأول مرة أخرى. وقد ظهرت قيادة "أنجيلا ميركل" وسعيها للحفاظ على الاتحاد ومقاومة تفككه بكل السبل. وقد لعبت المستشارة دوراً مهماً في معالجة أزمة ديون اليونان وإسبانيا وإيرلندا الجنوبية. وناصرها في خطواتها الرئيس الفرنسي "نيكولاي ساركوزي"، وقد أظهرت الأحداث السريعة المشاكل والهواجس البريطانية مرة أخرى. لقد وجد "ديفيد كاميرون" رئيس الوزراء البريطاني نفسه أمام تحدي مجموعة المتشائمين من الاتحاد الأوروبي، إذ دعوا لاستفتاء للتصويت على بقاء بريطانيا نفسها داخل هذا الاتحاد. كان معنى ذلك اندفاع هذه الكتلة المكونة من 81 نائباً محافظاً في البرلمان نحو إحراج الحكومة وإرباكهخا فجأة. والذي أنقذ الموقف هو كتلة المعارضة العمالية التي صوتت بجانب رئيس الوزراء لإزاحة هذه العاصفة الغريبة.
وبعد إخفاق التمرد في البرلمان هدد المحتجون بالمزيد من القلق والتحدي إذا وافق كاميرون على خطة ميركل وساركوزي لإعادة هيكلة الاتحاد الأوروبي لضمان امتصاص مسلسل الأزمات العاصف بالعملة الموحدة. خطة المستشارة الألمانية تعطي رقابة مركزية على الموازنات المالية لكل دولة وتسمح بتدخل البنك المركزي للاتحاد مما يقلص مبدأ السيادة تماماً كما يقول البريطانيون. ولو كان كاميرون وافق في قمة بروكسل على هذه المقترحات لسقطت حكومته في البرلمان نتيجة عنف مجموعات معارضة للاندماج الأوروبي ولرياح المركزية التي ستنهي مشكلة الأزمة الأخيرة للعملة الموحدة.
وقد فضل كاميرون الانسحاب من شبه إجماع على خطة ألمانيا وفرنسا للإنقاذ. ومعنى ذلك بقاء لندن بمفردها في مربع خاص بها بينما يستمر الأعضاء الآخرون لبناء خطة ليس لإنقاذ (اليورو) وإنما لتطوير خطط الاندماج لأنها الحل لغلق كافة الثقوب التي تتسرب منها عوامل التراخي التي أدت للأزمة الأخيرة والصاعقة. لقد حذر ساركوزي الرئيس الفرنسي من تفكك الاتحاد الأوروبي لو تم ترك الأزمة تتفاعل وتتوحش. وكانت خطة المقاومة ترتكز على تقوية عضلات المركزية داخل بروكسل لقيادة الأوركسترا المالي والسياسي والإداري معاً. وقد رفضت بريطانيا السير في الموكب الاتحادي الأوروبي. مصممة على البقاء خارج (اليورو) وبعيداً عن الخطة الجديدة.
الموقف البريطاني مغامرة خطيرة، فمعنى بقاء لندن خارج سرعة منظومة الاتحاد، تخلفها عن خطوات إذا نجحت، فلن تؤدي لعبور الأزمة الراهنة فقط وإنما ستمنح الاتحاد المزيد من التبلور في خطط محكمة التوجه والقيادة أيضاً. قد تراهن لندن بخسارة مركزها المالي في قلب أوروبا والعالم. لكنها لا تريد المغامرة، إذ المعروف عن العقل البريطاني تقليدية تفكيره وإلتزامه الحذر الشديد والحرص على مصالحه أولاً. وقد شعرت بريطانيا بأنها كانت على صواب بالبقاء خارج دائرة (اليورو)، وقال "ديفيد كاميرون" بإصرار في بروكسل أن بلاده لن تنضم لهذه العملة، في أسلوب قاطع لا يفتح الباب لتأويلات مهما كان حجمها.
تشعر بريطانيا أن أزمة (اليورو) ليست من فعلها، وعلى فرنسا وألمانيا وبقية أعضاء الاتحاد دفع ثمن العلاج، أما هي فقد حاولت استثمار الأزمة للتخفيف من تدخل الاتحاد الأوروبي في شؤون تعتبرها داخلية ومرتبطة بالسيادة الوطنية واستقلالية برلمان ويستمنستر. لدى لندن مشاعر خاصة بها تعود لعزلة طويلة ومعارك وعداء مع دول القارة سواء مع فرنسا أو ألمانيا. وهذا يعود إلى حقائق جغرافية باعتبار بريطانيا جزية منعزلة عن أطراف أوروبا، غير أن التكنولوجيا الحديثة أنهت هذه العزلة بخط القطار تحت الماء الذي ربطها المرة الأولى بالقارة وأنهى انفصالها وحقق ارتباطها الواقعي. ما حدث في بروكسل كشف عن تناقضات داخل الاتحاد الأوروبي، لكن ما تزال الوسيلة هي الإقناع لمحاولة ضم المعارضين لمسيرة مشتركة والإصرار عليها هو الحل. والخروج عنها قد يؤدي إلى تصادم وانهيار كما حذر الرئيس الفرنسي.
لكن مؤتمر بروكسل أظهر عودة التصلب للموقف البريطاني الذي يحركه الخوف من الانصهار والتلاشي داخل الدائرة الأوروبية.
وقد حاربت بريطانيا في أكثر من معركة عالمية للإبقاء على سيادتها، وتخشى الآن من نفوذ "أنجيلا ميركل" التي تخطط لزيادة نفوذ الاتحاد الأوروبي واستغلال مأزق (اليورو) للانطلاق في تشديد قبضة المركزية والفيدرالية معاً.
.......................................
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية