الطريق المسدود في ديربان أراء الكتاب الشبيبة

    • الطريق المسدود في ديربان أراء الكتاب الشبيبة

      * "كانت الجهود المبذولة لفرض المطالب غير اللائقة والاعتراضات التي تتزعمها الولايات المتحدة سبباً في تقويض العديد من هذه السبل المعقولة لتصميم المعاهدة التي من المفترض أن تخلف بروتوكول كيوتو، الأمر الذي أدى إلى ذلك المأزق الذي بات واضحا"

      جاجديش باجواتي

      الآن ينعقد المؤتمر السابع عشر لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في ديربان بجنوب أفريقيا، وفي لحظة حرجة، حيث من المقرر أن ينتهي العمل ببروتوكول كيوتو التاريخي الذي بدأ العمل به في عام 1997 في العام المقبل. ولكن، مثله كمثل مؤتمر تغير المناخ الذي انعقد في كوبنهاجن عام 2009، ومؤتمر كانكون في عام 2010، فإن مؤتمر تغير المناخ السابع عشر من المتوقع أن ينتهي إلى انفاق الكثير وإنتاج أقل القليل.

      الواقع أن الإسراف الذي تتسم به هذه المؤتمرات يبدو في تزايد مستمر، بدلاً من أن يتقلص، كما باتت نتائجها الهزيلة أشد وضوحا. فقد استمر مؤتمر كوبنهاجن اثني عشر يوما، واجتذب وفقاً للتقديرات نحو خمسة عشر ألفا من المندوبين وممثلي الدول المختلفة ونحو خمسة آلاف صحافي. ومن المؤكد أن الانبعاثات الكربونية الناتجة عن طيران هذا العدد الهائل من البشر إلى الدنمارك كانت حقيقية، في حين ظلت الأهداف التي سعى المؤتمر إلى تحديدها بعيدة المنال. ويصدق هذا القول على مؤتمر ديربان أيضا ــ وعلى نطاق أوسع.

      والمشكلة الحقيقية هنا هي أن التوقعات حول التحرك المجدي بشأن تغير المناخ، في مقابل حيل رخيصة مثل وصول الرئيس الأمريكي باراك أوباما في آخر لحظة والإيماءات المحدودة في كوبنهاجن، أصبحت الآن أدنى من أي وقت مضى. فهناك مشكلتان لا يمكن التوصل إلى حل لهما بالتمني.

      الأولى أن الولايات المتحدة تحت زعامة أوباما غير الفعّالة انحرفت بدرجة أكبر إلى الموقف الأناني الذي يتخلص في التساؤل "بأي شيء قد يفيدني هذا؟"، فيما يتصل بقضايا أساسية تتطلب العمل الدولي المشترك. فبدلاً مما أسماه الخبير الاقتصادي تشارلز كايندلبيرجر ذات يوم "الهيمنة القائمة على الإيثار"، تحولت أمريكا التي يواجهها العالم الآن إلى ما أستطيع أن أطلق عليه "الهيمنة الأنانية".

      وبالتالي، فقد انسحبت الولايات المتحدة عملياً من جولة الدوحة من المفاوضات التجارية، حيث أذعن أوباما لجماعات الضغط من رجال الأعمال الجشعين الذين لن يرضوا ما لم تتم الاستجابة للمزيد من مطالبهم. ولكن أوباما لم يتخل عن جولة الدوحة فحسب؛ بل إنه تسبب أيضاً في تعريض النظام التجاري المتعدد الأطراف للخطر الشديد عن طريق تحويل الجهود والموارد الأمريكية نحو اتفاقيات تجارية ثنائية تمييزية، وكانت أحدثها الشراكة عبر الباسيفيكية، التي من المفترض أن تساعد دولاً تشعر بالقلق إزاء عدوانية الصين وتسعى إلى تحقيق الأمن السياسي بدلاً من زيادة التجارة. ويصدق نفس القول أيضاً على العمل البيئي: فبعد التصديق المتأخر من جانب أستراليا على بروتوكول كيوتو في عام 2007، أصبحت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي لم تصدق على الاتفاقية.

      والمشكلة الثانية أن الثِقَل الهائل الذي تتمتع به الولايات المتحدة على الساحة الدولية، ولو أنه تضاءل في الوقت الحاضر، أدى إلى تقويض المبادئ التي من المفترض أن تؤسس لمعاهدة جديدة لتغير المناخ تخلف بروتوكول كيوتو.

      فعلى سبيل المثال، وخلافاً لمنظمة التجارة العالمية، التي تفرض آلية تسوية المنازعات التابعة لها عقوبات على الدول التي تتخلى عن أهداف خفض الحواجز التجارية التي تم التفاوض عليها، فإن أهداف خفض الانبعاثات غير ملزمة ولا تشتمل على تعهدات قابلة للتنفيذ. فالولايات المتحدة لم توافق على قبول مثل هذه العقوبات للتقاعس عن تلبية أهداف الانبعاثات؛ ولكن من دون عقوبات فإن الممارسة بالكامل تصبح غير مجدية إلى حد كبير ولا تشجع سوى الاستهزاء بالجهود الرامية إلى مكافحة تغير المناخ.

      فضلاً عن ذلك، وبالتخلي عن إعفاء الدول النامية بموجب بروتوكول كيوتو من الالتزامات بالنسبة للانبعاثات الحالية، تصر الولايات المتحدة على الحصول على التزامات من الصين والهند تعكس شكلاً مشتركاً من أشكال فرض "الضريبة" على الانبعاثات. ولكن هناك أسبابا مقنعة لإصرار هذه الدول على أن الالتزامات لابد وأن تعكس بدلاً من ذلك نصيب الفرد في الانبعاثات، وهو المعيار الذي من شأنه أن يفرض على الولايات المتحدة مستويات أعلى كثيراً مما قد يتصوره قادتها الآن من خفض الانبعاثات.

      علاوة على ذلك فإن هذه البلدان تزعم عن حق أن المفاضلة بين العمل بشأن تغير المناخ وبين جهود الحد من الفقر أكثر إلحاحاً بالنسبة لها بما يتفق مع مستوى نصيب الفرد في دخولها، ما لم يكن بوسعها الوصول إلى تكنولوجيات ناشئة حديثاً وبتكاليف منخفضة. ويشير هذا المطلب إلى أن الولايات المتحدة لابد وأن تدعم تدفق التكنولوجيا إلى الهند والصين من شركات الولايات المتحدة التي تحمل براءات الاختراع، وهو أمر غير عملي إلى حد كبير.

      وهنا يأتي دور صندوق تغير المناخ العالمي الذي تبلغ قيمته 100 بليون دولار أمريكي، والذي وعد به زعماء العالم في إطار مؤتمر كانكون. ولكن من المؤسف أن حتى رموز العمل البيئي من أمثال آل جور في الولايات المتحدة مستغرقون في التكنولوجيا الخضراء الجديدة إلى الحد الذي يجعل مصالحهم الشخصية ترتبط بانفاق أموال هذا الصندوق على تطوير تكنولوجيات جديدة تنتمي إلى ملكيات خاصة وتحميها براءات اختراع.

      كانت بذور "الثورة الخضراء الجديدة" التي طورها العالم الزراعي الحائز على جائزة نوبل نورمان بورلوج، بالاستعانة بأموال عامة، متاحة لكافة المستخدمين في أي مكان بالمجان. وينبغي للتكنولوجيا المطورة بالاستعانة بأموال صندوق تغير المناخ العالمي أيضاً أن تكون متاحة على قدم المساواة للجميع، بما في ذلك الهند والصين، وهو ما من شأنه أن يحمل هذه البلدان آنذاك على قبول مستويات أعلى من خفض الانبعاثات.

      والواقع أن حتى المساهمات في الصندوق كان من الواجب أن تعكس الأضرار التي أحدثتها في الماضي الدول المتقدمة على مدى قرن من الزمان بسبب انبعاثاتها الكربونية ــ وهو الالتزام القائم على مبدأ التعويض عن الضرر الذي قبلته الولايات المتحدة فيما يتصل بالتلوث المحلي. ولكن هنا أيضا، رفضت الولايات المتحدة الفكرة تماما.

      كانت الجهود المبذولة لفرض المطالب غير اللائقة والاعتراضات التي تتزعمها الولايات المتحدة سبباً في تقويض العديد من هذه السبل المعقولة لتصميم المعاهدة التي من المفترض أن تخلف بروتوكول كيوتو، الأمر الذي أدى إلى ذلك المأزق الذي بات واضحاً في مؤتمري تغير المناخ في كوبنهاجن وكانكون. وهؤلاء الذين لا يؤمنون بالسحر يدركون تمام الإدراك أن هذا المأزق لن يتبدد بطريقة ما في ديربان.

      جاجديش باجواتي أستاذ الاقتصاد والقانون بجامعة كولومبيا، وكبير زملاء الاقتصاد الدولي لدى مجلس العلاقات الخارجية.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية