دال وأخواتها.. - جديد جريدة الرؤية

    • دال وأخواتها.. - جديد جريدة الرؤية

      مسعود الحمداني
      -

      قبل عدة سنوات لم نكن مضطرين لمناداة هذا الكم الهائل من حملة درجة الدكتوراة بألقابهم لأن الدكتور بالنسبة لنا هو (الطبيب) الذي نراه حين نزور المستشفى، أما اليوم فإن تسارع وتيرة (الدكاترة) هي بنفس تسارع وتيرة الخبر، لا تستطيع أن تلتقط أنفاسك لكثرة تجددها وتلاحقها، ففي كل يوم "يولد" مجموعة من حاملي شهادات الدكتوراة، والعلم في حد ذاته غاية نبيلة، وهو في نفس الوقت وسيلة لبلوغ هدف اجتماعي معيّن، وحق مشروع ومشرَع للجميع.. وهذا ليس مثار خلاف أو جدال..ولكن..السؤال الذي أطرحه هو: هل لقب "الدكتور" هدف نسعى إليه أم أن الغاية التي لا حد لها تكمن في ذات العلم؟!!..وحتى لا أحصر الكلام في الدكاترة ـ ولنا منهم أصدقاء كثيرون ـ فإن الحديث هنا عن التشبّث بالألقاب بكل أشكالها، وأحيانا مجانية هذه الألقاب التي نطلقها، ونوهم الآخرين ـ تحت غطائها ـ بأنها حق مكتسب لهم لا يمكن المساس بها، لدرجة أن البعض قد يتجاهل أي شخص لا يناديه بدونها.. ولنأخذ أمثلة على مجموعة من هذه الألقاب، والتي تنتشر في أرجاء المجتمعات العربية بشكل عام، إمعانا في التميّز والتعالي الذي يعشقه العرب، والذي قد لا تجد له ندّا في الغرب:
      * فحين يذهب أحدهم إلى الحج، فإنك لابد أن تطلق عليه لقب "الحاج فلان" وإياك ثم إيّاك أن تنسى ذلك لأنك عندئذ معرّض لنقمته و(دعواته) في الظاهر والباطن..
      * وحين يلتحق أحدهم بأحد المعاهد الدينية، أو يربّي لحيته، أو يعد برنامجا دينيا، فإنّه بذلك اكتسب بشكل آلي لقب "الشيخ"، وهذا معناه أنه جمع الدين من "أطرافه" كما يقولون..
      * ولابد أن تنادي من هو أكبر منك سنا أو منصبا بلقب "أستاذ" سواء كان يستحق ذلك أو لا..كنوع من احترامه، وكحاجز نفسي يضعه هو أو تضع نفسك في إطاره.
      * ومن حصل على شهادة الهندسة أصبح "باشمهندس " مع أنّ زمن "الباشوية" انتهى منذ زمن في الدول التي كانت تطبّقها.
      ولم يتوقف الأمر عند هذه الألقاب التي في بعضها نوع من التبجيل والتوقير لا أكثر، بل امتد ذلك إلى الأدب ، فبعض الشعراء يرفض أن تناديه بدون لقبه (الشاعر فلان)، ولا يهم أن يكون هذا (الفلان) شاعرا أم لا؟!!..وكاتب القصة أو المقالة، لابد أن تناديه بلقبه (القاص أو الكاتب) وغير ذلك من صنوف الأدب وأشكاله.
      إنّ الغرب بكل آفاقه الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والتعليمية لا ينظر إلى هذه المسائل بكثير من الأهمية، بينما يقاتل البعض لدينا على لقب لا يقدّم ولا يؤخر، يحاول من خلاله إضفاء هالة من الأهمية على نفسه، أو الرفع من نقيصة في شخصيته أو تكوينه الاجتماعي، وحتى لا أعمم، فإنني أحترم كثيرا بعض حملة شهادة الدكتوراة الذين يرفضون رفضا قاطعا أن تذيّل كتاباتهم بلقبهم الأكاديمي على اعتبار أن ذلك نوع من التحايل على القارئ، وتوجيه مبطّن لقبول المادة المكتوبة والتي قد تدخل في باب الرأي الشخصي، وبعيدا عن مجال التخصص العلمي، ورغم قلة هؤلاء (المحترمين) وندرتهم، إلا أنهم يؤسسون لمفهوم ثقافي هام، يُعنى بما يقدمه الأكاديمي لمجتمعه، وليس بما يوزّعه المجتمع من ألقاب مجانية على من يستحق ومن لا يستحق..مع الاحترام والتقدير للجميع.
      مسعود الحمداني
      Samawat2004@live.com





      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية