
لو كان للقسوة وطن لسكنت جسد هذا الرجل قتل زوجته ولم يشعر بالندم، تملكه الإحساس بالانتصار، صرخات أطفاله لم تمنعه من ذبح والدتهم أمام أعينهم، سيناريو مرير عاشه أهالي حي حلوان في ساعة السحور، بطله سائق ميكروباص ما القصة؟
* النهاية
* كانت الساعة تشير إلى الثالثة بعد منتصف الليل عندما عاد السائق عماد عبد الحميد من عمله، فتح باب شقته المتواضعة، وجد زوجته وأولاده نائمين، فكر في تناول السحور ليواصل صوم يوم جديد، نادى بصوت مرتفع ليوقظ زوجته إيه يا ست قومي، جهزي السحور تململت الزوجة وردت عليه، ثم واصلت نومها، نادى عليها مرة ثانية فهبت واقفة وفي فزع شديد قالت له: مافيش أكل عندنا، اتصرف لنا في سحور ، لم يتوقع الزوج هذا الرد، وقف في وسط الشقة، وضرب كفيه والشرر يتطاير من عينيه، قائلاً: «نصيبي زي الزفت» أعمله إيه.. احتملت الزوجة عباراته الأليمة، لكنها خرجت عن صمتها بعد أن فاض بها الكيل.
لم يكن يتخيل أن زوجته سترد عليه يوماً ما، إنهال عليها بالضرب، تعالت صرخاتها، استيقظ أطفالهما في لهفة، الأم أسفل قدمي الأب الذي يسدد في جسدها طعنات الغدر، المشهد قاس ومؤلم على الأبناء الأبرياء، دوت صرخاتهم الهيستيرية انتبه الجيران، حاولوا انقاذ الأم لكن لا أمل.. السيف قد سبق العزل، لفظت الأم آخر أنفاسها، الجريمة وقعت. لف الصمت أرجاء الشقة تعلقت نظرات الأب بنظرات أطفاله، لماذا قتلت ماما.. يا بابا؟ ثم تعالت صرخات الأبناء، انشغل الجيران بالتصرف في جثة الأم الغارقة وسط دمائها فكانت البداية بإبلاغ رجال الشرطة بالجريمة، ليبدأ سائق الميكروباص مشهداً جديداً من سيناريو قسوته.
* المشهد الأول
* بعد دقائق معدودة من وصول البلاغ، توجهت قوة من رجال المباحث إلى عنوان الجريمة، باب الشقة مفتوح على مصراعيه، التف أهالي المنطقة حول المنزل، دخل ضابط المباحث للإمساك بالمتهم، أشارت أصابع الجميع إلى المتهم في محاولة الانتقام منه، على جهاز اللاسلكي أبلغ الضابط رؤساءه وبدأ في الإجراءات اللازمة، الدماء لطخت ملابس المتهم، الذي فقد توازنه، لا يقوى على الكلام. كان ينادي بصوت واهن على أطفاله: شيماء.. أحمد .. محمود.. أعمل إيه معاكم، ترقب ضابط المباحث أجواء الجريمة، ثم نادى على أكبر الأبناء، ما الذي حدث يا محمود؟ حكى له محمود الحكاية منذ بدايتها وحتى نهايتها، المشهد لا يسع لتفاصيل كثيرة، خيط الجريمة واضح جداً، اصطحب ضابط المباحث المتهم، الجميع لم يصدق أن هناك أباً بهذه القسوة، يقتل زوجته أمام أطفاله وفي شهر الصيام، قسوة ما بعدها قسوة.
* المشهد الثاني
* داخل مكتب رئيس المباحث، اعترف المتهم بجريمته، لم يشعر بالندم، قال : أشعر بالانتصار لأنني قتلت زوجتي، عبارته هذه أثارت حفيظة الحضور، هب الضابط واقفاً وهو يضرب بكفيه قائلاً: جريمتك هذه لا يفعلها إنسان لديه مشاعر، إنت إيه؟ الاعتراف سيد الأدلة.. حرر الضابط محضراً على لسان المتهم، الذي قال: أقبلت على جريمتي بعد أن فاض بي الكيل ولم أحتمل القدرة على مواصلة الحياة مع زوجتي، فعندما أيقظتها لتجهيز السحور ونهرتني لا أنكر أنني استرجعت شريط الذكريات معها فلم أجد ما يشفع لها في هذه الليلة، كانت دائماً تعايرني بعجزي من توفير نفقات الأسرة، ولم تكن تقدر أنني أعمل سائق بالأجرة على سيارة ميكروباص، وهو عمل غير دائم فأحياناً يقوم صاحب السيارة باحضار سائق غيري، وحاولت كثيراً البحث عن فرصة عمل أخرى لكنني لم أجد، أعمل إيه؟ ازدادت طلبات زوجتي، كانت دائماً تضعني في مقارنة مع أزواج جيرانها، جردتني من الإحساس بذاتي فاعتبرت أن السجن في قتلها أهون من البقاء في ذل امرأة، أحال ضابط المباحث المتهم إلى النيابة وأمام وكيل النيابة لم يغير المتهم أقواله، فأمر وكيل النيابة بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق.
* البداية
* في شهر رمضان قبل 17 عاماً، كان المتهم يفكر في الزواج، أراد الاستقرار، ففكر في الارتباط باحدى بنات عائلته جاء نصيبه فتزوج من أهل المنطقة التي يعيش بها بحلوان، عقد الإثنان خطبتهما.. رسما أحلامهما أعدا شقة الزوجية، مضى عليهما 17 شهراً من الصيام، لكن أي أحد منهما لم يتوقع أن هذا الشهر سيكون نهاية الرحلة وسيشهد على قتل الزوجة وتيتم الأطفال وسجن الأب!
تحياتي