محاسبة النفس

    • محاسبة النفس

      هل خلوت بنفسك يوماً فحاسبتها عما بدر منها من الأقوال والأفعال؟

      وهل حاولت يوماً أن تعد سيئاتك كما تعد حسناتك؟ بل هل تأملت يوماً طاعاتك التي تفتخر بذكرها؟! فإن وجدت أن كثيراً منها مشوباً بالرياء والسمعة وحظوظ النفس فكيف تصبر على هذه الحال، وطريقك محفوف بالمكارة والأخطار؟! وكيف القدوم على الله وأنت محمل بالأثقال والأوزار؟ قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أتقو الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون، ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم) [الحشر:18،19]. وقال تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون) [الزمر:54].


      مكتوب في حكمةآل داود: حق على العاقل، أن لا يغفل عن أربع ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلو فيها مع إخوته الذين يخبرونه بعيوبه ويَصدقونه عن نفسه، وساعة يتخلى فيها بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل، فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات وإجماماً للقلوب ). وقال ميمون بن مهران: ( لا يكون العبد تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه ولهذا قيل: النفس كالشريك الخوّان إن لم تحاسبه ذهب بما لك ). وكتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله: ( حاسب نفسك في الرخاء قبل حساب الشدة، فإن من حاسب نفسه في الرخاء قبل حساب الشدة عاد أمره إلى الرضى والغبطة، ومن ألهته حياته وشغلته أهواؤه عاد أمره إلى الندامة والخسارة )

      تجهزي بجهاز تبلغين به *** يا نفس قبل الردى لم تخلقي عبثاً
      وحاذري سقطة الذل وانكسري *** باب كريم كم هدى وعفا
      واخشي حوادث صرف الدهر في مهل *** واستيقظي لا تكوني كالذي سقطا
      في هوة الذل كان فيها قطع مدته *** فوافت النفس سعيها كما سلفا
      واعلموا أخوتي: أن محاسبة النفس أنواع.

      ومحاسبة النفس نوعان: نوعٌ قبل العمل ونوعٌ بعده.

      فالنوع الأول: الذي هو قبل العمل فهو: أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحان العمل به على تركه، قال الحسن رحمه الله: ( رحم الله عبداً وقف عند همه فإن كان لله مضى وإن كان لغيره تأخر ).
      النوع الثاني: محاسبة النفس بعد العمل وهو ثلاثة أنواع:
      أحدها: محاسبتها على طاعة قصرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعها على الوجه الذي ينبغي. ثم يحاسب نفسه هل قام بطاعة الله على وجه يرضي الله تعالى أم قصر بذلك؟
      الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عمل كان تركه خيراً من فعله.
      الثالث: أن يحاسب نفسه على أمر مباح أو معتاد، لِمَ فعله؟ وهل أراد به وجه الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا وعاجلها؟ فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به.

      ولمحاسبة النفس آثار ومنافع عظيمة منها:

      1 - الإطلاع على عيوب النفس ومن لم يطلع على عيوب نفسه لم يمكنه إزالتها.
      2 - المحاسبة توجب للإنسان أن يمقت نفسه في جانب حق الله عليه، وهذه كانت حال سلف الأمة، كانوا يمقتون أنفسهم في مقابل حق الله عليهم. روى الإمام أحمد عن أبي الدرداء أنه قال: ( لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً ).
      وقال محمد بن واسع محتقراً نفسه وهو من العباد: لو كان للذنوب ريح ما قدر أحد أن يجلس معي. قال ابن القيم رحمه الله: ( ومقت النفس في ذات الله من صفات الصدِّيقين، ويدنو العبد به من ربه تعالى في لحظة واحدة أضعاف أضعاف ما يدنو بالعمل ). وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ( من مقت نفسه في ذات الله آمنه الله من مقته ).
      3 - ومن ثمار محاسبة النفس إعانتها على المراقبة، ومعرفة أنه إذا إجتهد بذلك في محياه إستراح في مماته، فإذا أخذ بزمامها اليوم وحاسبها إستراح غداً من هول الحساب.
      4 - ومن ثمارها أنها تفتح للإنسان باب الذل والإنكسار لله، والخضوع له والإفتقار إليه.
      5 - ومن أعلى ثمارها الربح بدخول جنة الفردوس وسكناها، والنظر إلى وجه الرب الكريم سبحانه، وإن أهمالها يعرض للخسارة ودخول النار، والحجب عن الله وصَلَى العذاب الأليم.

      إذا ما أطعت النفس في كل لذة *** نسيت إلى غير الحجا والتكرم
      إذا ما أجبت النفس في كل دعوة *** دعتك إلى الإمر القبيح المحرم


      منقووووووول
      اعتذر للاطالة