استثمار العقول.. - جديد جريدة الرؤية

    • استثمار العقول.. - جديد جريدة الرؤية

      إبراهيم الهادي
      -

      كتبت فيما مضى ثلاثة مقالات عن المنهج الدراسي وآفاقه المبهمة، وكانت المقالات الثلاث بمثابة صرخة تمنيت لو أنها دوت في آذان المعنيين، ولكنها رغم وضوحها وإنذارها بخطر يحدق بمخرجات أجيالنا إلا أن فحواها ذرّه المعنيون في أدراج الرياح، كانت تتضمن جملًا من الأدلة عن واقع الضغط والحشو الذي يتضمنه المنهج الدراسي وما يسببه من خلل في التوازن لدى استيعاب العقول بأعمار أبنائنا، ولكن رغم ذلك فإن هذه العقول تحدّت وكابرت فخرجت بحصيلة علمية تعززها القدرات وتغلفها الإمكانيات، هناك معايير كثيرة ومقاييس وفيرة للتنقيب عن العقول التي يمكن لها أن تنشئ وتعلم، تخترع، وتعالج، تدير وتخطط تنظّر وتطبق تهندس وتصنع تطبب وتبدع.. إلخ.
      هذه العقول لو أهملت ستنفق او تعكس الإنتاج لأنها تتصادم مع شلالات من الإهمال فلن تجد أمامها إلا مقاومة هذه الشلالات فتحبط وتنضوي تحت زاوية ضيقة بحثا عن العيش البسيط، كيف نستثمر هذه العقول المهداة من رب العباد؟ وكيف نأخذ بأيادي حامليها إلى بر الإنتاج، فالاستثمار؟ أولا معالجة المنهج الدراسي أصبحت حاجة ماسة وفي غاية الأهمية.. والمقالات الثلاث سالفة الذكر تشرح كيفية علاجها، ومن هنا علينا البداية.. أما جني ثمارها فهو ما قبل التخصص، هل دققنا في مهارات وإبداعات الطلبة ومواهبهم وميولهم قبل انخراطهم في التخصصات المختلفة؟ أم أننا أجبرناهم على النسب المئوية التي تصل إلى 99% بحثا عن لقمة العيش وهربا من البطالة؟ ألم نكتشف أن من بين أجيالنا المتتابعة عقول متعددة الإمكانيات؟ ألم يثبت التاريخ أن من بيننا قيادات وصناع مجد؟ ألم يمر علينا زمن أخضعنا فيه بريطانيا بأسطولنا البحري؟ ألم نتمكن من طرد المستعمرين الطامعين من مختلف الاقطار؟ ألم يكن هؤلاء اليوم هم أحفاد أؤلئك الذين كانت لهم إمبراطورية من أهم الإمبراطوريات الشرقية أثناء العقدين الرابع والخامس من القرن التاسع عشر، والتي كانت تسيطر على الساحل الإفريقي من ميناء لامو في الشمال إلى ميناء كيلوه في الجنوب؟ هؤلاء الأحفاد اليوم هم نسيج من تلك الخريطة البشرية ذات الطاقات والإمكانيات التي ورثت هذا الترك، فلماذا لا ننبش عن هذه العقول لنجدها؟ ألم يأن الأوان لئلا نضع النسب المؤية كأساس عنوانه عائق؟ ألم يأن الأوان أن نوسع نطاق التخصصات بحيث لا تكون محصورة في خطة وضعها أناس واروا الثرى منذ أكثر من ربع قرن؟ فالتقييم بالنسب المؤية أثبت فشله ولا ينسجم مع استثمار العقول.. فهل تساءلنا مثلا عن الوافدين الذين يقارب عددهم بالسلطنة مليونين؟ أكلهم دخلوا تخصصاتهم بنسب عالية؟ أم أن دولهم مليئة بالجامعات التي لا تشترط النسب التعجيزية؟ على كل حال.. فإن الطالب الذي يأتي بنسبة تصل إلى 97% في مادة العلوم رغم المنهج المحشو ويأتي في باقي المواد بنسب 63% فهنا نسبته في العلوم تأهله في أن يكون طبيبا بارعا يفوق الأطباء فطنة وطاقة وذكاء، لكنّ نسبته العامة ستكون 66% فيظلم بحكم العمومية ولا يدخل التخصص ولا حتى الجامعه فتهدر طاقاته في موهبته! فتموت الإمكانية لديه ويتجه ليشتري سيارة أجرة بحثا عن قوت يومه! أو يستلم وظيفته الجديدة بالسهر على قارعة الطريق.. أهذا مرضٍّ؟ وهكذا هو الحال للذي يأتي بنسبة عالية في الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء في إحدى هذه المواد نسبته 98% ويحصل في باقي المواد على نسبة 62 % وبعد خلطها بهذه المواد تصبح نسبته العمومية 64 % فيحوم حول الجامعات والكليات ولا يستطيع دخولها ويحرم من أن يكون مهندسا ذكيا أو مخترعا عبقريا أو طبيبا متفوقا أو عالما في المختبرات الطبية أو الكيميائية أو البيولوجية أو النووية أو طيارا أو ميكانيكيا أو كهربائيا، فيخسر الوطن إمكانياته جراء الحكم بالعمومية للنسبة التي حصل عليها والحال سيكون مشابها لباقي التخصصات في باقي المواد، وقد يكون ما يحدث حاليا خلاف ذلك، ولكننا لا نقرأه في إعلانات دورية تفصل ما لولي الأمر والطالب، وما عليه فعيش في دائرة الجهل بالالتحاق؛ لذلك أتمنى أن يكون لمركز القبول الموحد دور في هذا الجانب، كما أتمنى أن تكون هناك استقلالية للمركز؛ بحيث يستطيع التمتع بالصلاحيات التي يمكن لها أن توفق بين التخصص والاهتمام بالقدرات والإمكانيات المنبثقة من العقول، ومن ثم نعيد النظر ونتفحص واقعنا جيدا، ونضع النقاط على الحروف، بدلا من تركها مبعثرة جراء أسباب قد تكون مقصودة!
      Ibrahim@alroya.net



      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية