رجل يرعبنا بحقيبة
حين لمح مواقف السيارات خالية شعر بارتياح شديد.
لا يدعو ذلك إلى الغرابة حتماً، فهناك أناس يكرهون الازدحام وربما التلوث الناجم عن عوادم السيارات. كان من الأجدى أن نفكر في تلك الحقيبة الثقيلة التي يحملها على ظهره. يا لعقلية الصحفيين الكارثية! إن القول بأنه جاء لينفذ عملية دموية جديدة من تلك العمليات التي نشاهدها على شاشات التلفزيون غير صائب، فمثل هذه العمليات لا تنفذ في الجوامع، ثم إننا نظلم تاريخاً طويلاً من السلم المبسوط على رقعة هذه الأرض.
لنعد ترتيب الأوراق: رجل يشعر بارتياح شديد لأن مواقف السيارات خالية مع أنه غير مرتاح من حمل حقيبة ثقيلة على ظهره، هذا أمر اعتيادي، ألم تروا من قبل رجلاً يحمل على ظهره جونية ملأى بعلب معدنية؟ الأمر مشابه لذلك تماماً لولا عامل النظافة الذي أرمُق في عينيه حسداً واحتقاراً لحامل الحقيبة. إن عامل النظافة ببساطة شديدة لا يرغب في رؤية أحد يدخل الجامع، فهو يجمع ذرات الغبار بلا طائل تحت شمس تعامل رأسه كبوظة ينبغي أن تذوب ليلحسها طفل شره. حسناً حسناً. الأوراق اختلطت مجدداً: عامل النظافة لا يحب الرجل الذي يحمل الحقيبة لأنه يبدو أنه سيدخل الجامع ليتبرد تحت مكيفاته وكأن الجامع نُزُل لمسافر عائد من رحلة طويلة، هذا تبرير منطقي إلى حدٍ ما.
من غير المنطق ما يفعله عامل النظافة الآن: فبعد كل نظرات الاحتقار تلك هاهو يصافح حامل الحقيبة! إن وعثاء السفر ونواياه تهون أمام مصافحة هذا الرجل الوقور ذي اللحية المشعثة والدشداشة القصيرة، هاهو العامل يعود إلى عمله الرتيب تارة يجمع الحسنات مع ذرات الغبار، وتارة أخرى يمسح حبات العرق من وجهه ورقبته بمنديله الزنخ.
إن متابعة مشهد كهذا تحت شمس حارقة لا بد أن تنسينا تفاصيل كثيرة. فقبل أن نذكر أن الرجل متجه إلى الجامع بحقيبته الثقيلة كان لا بد من وصف شكله وفقاً لبعض أعراف سرد القصص، فهو رجل ملتحٍ وسيماء الوقار في وجهه ودشداشته. وهكذا سيبدو من المنطق أنه ذاهب إلى الجامع رغم أن موعد أذان الظهر لم يحن بعد. إذ ربما كان يريد جمع حسنات كثيرة بتلاوة القرآن قبل الأذان. ففي وسط برودة المكيفات يمكن جمع الحسنات وليس تحت شمس حارقة فحسب.
إنه يعبر أروقة الجامع محني الظهر، ظله الذي يتبعه صوّره على حائط الجامع عجوزاً يحمل على ظهره جونية ملأى بعلب معدنية، لهاثه المستمر رافقه كقاتل محترف بدا يفقد صبره لطول ما تتبعه. كان يروح ويجيء من رواق لآخر كأنه يبحث عن شيء. هل جاءت السيارات أخيراً لتملأ المواقف الخالية؟ هل ذابت بوظة عامل النظافة تحت الشمس؟ هل هو رجل غريب ولا يعرف باب الدخول إلى الجامع؟ هل سقطت علبة من حقيبته فراح يبحث عنها في ذهابه ومجيئه؟ ينبغي أن نسأل في كل شيء وإلا لما كان هنالك معنى لما نراه الآن. من نسأل ومن يجيب على أسئلتنا؟ ذلك ليس مهماً. علينا أن نسأل ففي أسئلتنا تكمن الأجوبة حتماً.
لا لا. لا ينبغي أن نغامر بالقول إنه يبحث عن مدخل الجامع. فقبل أن يقرأ القرآن يجب أن يكون متوضئاً. لكن ما أدرانا أنه جاء إلى الجامع دون وضوء؟ بعض الأسئلة تافهة تصدر عن ضعف في التفكير. هل يبحث عن مكتبة للجامع ليقول لأمين المكتبة: أود أن أهديكم بعض الكتب الموجودة في حقيبتي هذه؟ هل هو كاتب يبحث عمن يقرأ له؟ هل يظن أن أحداً سيفكر في قراءة كتبه من مكتبة الجامع؟ هل سيجد أمين المكتبة أم أنه كبقية الموظفين مشغول في مكان ما بالبحث عما يبعد به رتابة وظيفته؟ إننا نسأل لأننا لا نعرف شيئاً. إنه رجل غريب الأطوار، ولا يوجد تفسير واضح لما يفعله حامل الحقيبة الملعونة تلك.
لقد وجد ثلاجة الجامع أخيراً. إنه ذكي بلا شك. فلم يتعب نفسه مثلنا في الأسئلة ليعرف مكان الثلاجة. كان من الممكن أن يسأل عامل النظافة عن مكانها لأنه أعلم منه بهذا الأمر. ببساطة كان يمكن أن نتلافى كل تلك الأسئلة. إنه عابر سبيل يجمع علب المشروبات المعدنية. بالتأكيد كلما أودع علبة في الجونية فإن شعوره بالعطش يزداد. ولأننا نتحدث عن جونية ملأى بالعلب لنا أن نتخيل أنواعاً مختلفة من المشروبات تحتفظ بها الجونية وتزيد من رغبته في بلّ ريقه الجاف. لكن ما الذي يفعله هذا الرجل؟ ها هو يسكب ماء في الكوب دون أن يشربه ويعود إلى حيرته مجدداً.
يروح ويجيء. يروج ويجيء. من الممكن أن يفهم هذا الأمر لو كان بلا حقيبة وكوبٍ مليء بالماء. لقلنا إنه "محتصر" ويبحث عن حمّام. هل سيشرب الماء؟ ربما كان صائماً وحين رأى الثلاجة نسي صيامه ثم تذكره قبل أن يشرب. هذا احتمال وارد أيضاً. لكن من غير المقبول أن يحمل كوب الماء هكذا وهو صائم. أين عامل النظافة لينبه هذا الرجل غريب الأطوار على فداحة ما يفعله؟ لقد أدخلَنا في رواق بعيد ومن غير الممكن رؤية عامل نظافة هنا.
لا شك أنه يتسلى بإرعابنا. لا المؤذن سيأتي الآن ولا سيارة ستملأ موقفا خالياً. لقد اختار توقيتاً مناسباً. استسلموا من فضلكم فإن حدس الصحفيين الكارثي هو التفسير المقنع لكل ما نراه الآن. لا علب معدنية تملأ الحقيبة ولا وقار في لحيته ودشداشته القصيرة. سيزيل كل ذلك الآن. ها هو يلتفت يمنة ويسرة أعلى وأسفل ليتأكد من خلو المكان من المارة والكاميرات الخفية. ينزل حقيبته ثم يدفع باب إحدى الحمامات باليد نفسها التي يمسك بها كوب الماء. اشهدوا على ما سيفعله هذا الرجل بعد قليل. واحفظوا ذكرياتكم عن الجامع كي لا تطير مع تلك الحقيبة الناسفة. إنها الشيء الوحيد الذي سيبقى منه. أما أنا فلن أبقى مكتوف اليد وسأذهب إلى ذلك الحمّام لأوقف هذا الرعب.
دخلتُ الحمامّ، ثم أخرجت أمواساً من حقيبتي، وبدأت في حلاقة ذقني المشعثة معتمداً على مرآة صغيرة كانت جزءاً من مبراة. استحممت. ارتديت دشداشة زرقاء طويلة. وخرجت من الجامع بعد أن سلمت على عامل النظافة مجدداً. يبدو أنه لم يتعرّف علي مع أني كنت أحمل الحقيبة نفسها. عبرت مواقف الجامع التي ما زالت خالية من السيارات. وشعرت بارتياح شديد.
وليد النبهاني
2-6-2012م
المصدر : مدونة وليد النبهاني