
المـشـاكـس الـحـكـيـم
رحيـل غسـان توينـي الصحـافـي الرائـد والسيـاسـي الجـريء والأب الصـابـر
مارلين خليفة -
رحل غسّان تويني عميد «النهار» وعمادها. رحل الرجل الجليل الذي آخى الجبابرة بصبره بعدما مرّ بتجارب مريرة في حياته العائلية قادرة على هدّ أي جبار: فقد الابنة والابن والزوجة ثمّ أخيرا الابن الوحيد جبران، وبقي حاملاً قلم «النهار» في مسيرة الدفاع عن الحريات واستقلال لبنان وسيادته بصبر وقوة عظيمين.
وقد تجلّت عظمته في كلمته التي ردّ فيها على قتل ابنه الوحيد، ووريثه في «النهار» الشهيد جبران تويني، في العام 2005:
أمام نعش نجله المغطى بالعلم اللبناني، وقبالة نعشين آخرين لرفيقي جبران، نقولا فلوطي وأندره مراد، وقف الرجل الأسطورة بشعره الأبيض وهامته الشامخة التي لم تنل منها مصائب الحياة، ونطق بكلمات حضرته أمام رهبة الموت، فزرع المفاجأة في العيون الباكية وأثار تعجّب اللبنانيين الحانقين على آلة القتل التي تقطف الأحرار. قال الرجل:
«أنا أدعو اليوم في هذه المناسبة لا إلى انتقام ولا إلى حقد ولا إلى دم، أدعو إلى أن ندفن مع جبران الأحقاد كلها والكلام الخلافي كله، وأن ننادي بصوت واحد ذلك القسم الذي أطلقه في ساحة الشهداء، يوم انتفاضة 2005 التي ذهب ضحيتها. أدعو اللبنانيين جميعاً مسيحيين ومسلمين إلى أن يكونوا واحداً في خدمة لبنان الوطن العظيم وفي خدمة قضيته العربية. آمين وشكراً».
غدر القدر
لعب القدر مع غسّان تويني لعبة ظالمة. قبل ثلاثة أيام على اغتيال نجله (في 9 كانون الأول 2005) احتفت به فرنسا فقلّده رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دو فيلبان في احتفال أقيم في «قصر ماتينيون» في باريس، وسام جوقة الشرف برتبة ضابط الذي منحه اياه الرئيس الفرنسي جاك شيراك، وبعد ثلاثة أيام صفعه القدر ذاته صفعة لعلّها الأشد قسوة في حياته الزاخرة بالمآسي.
ومن سخرية الأقدار أنّ دو فيلبان الذي خاطب غسّان تويني بـ«الصديق الوزير»، ذكره في كلمته بجملة قالها تويني سابقاً: «علينا أن نتعلم كيف نمشي إلى جانب الموت ونسكن ذاكرته كي ننجو يومياً من الاغتيال فننتظره من دون خوف ومن دون ملامة»!.
رواياته الشخصية
في العام 1996 أرّخ غسّان تويني حياته السياسية والصحافية في كتاب ضخم حمل عنوان «سرّ المهنة وأسرار أخرى»، روى فيه سيرته ومسيرته بتفاصيلها.
يروي عن أول عهده في الصحافة في ظلّ أبيه: «كنت في صف البكالوريا، ولم أكن أفضل التلاميذ، لشغفي في آن واحد، بالإضرابات وبالشعر... وذات مرة، سألت والدي إذا كان في وسعي النزول إلى الجريدة لأتمرن، فوافق وقال إنه ينتظرني صباح الغد في المكتب. لا أزال اذكر المبنى القديم في سوق الطويلة، وقد جعل والدي مكتبه في القاعة التي تتوسط الغرف، بحسب النهج المعماري القديم. يجلس وسط القاعة، خلف طاولة مهيبة، ومن حوله في زوايا القاعة طاولات أخرى ومقاعد تصلح لحلقات الزوار، وخزائن كتب ومجموعات جرائد، وفي زاوية خزنة حديد كنت أظنها تحوي ثروة هي مصدر حياتنا كعائلة وكجريدة... إلى أن انتقلت إليّ مفاتيحها في ما بعد!
دخلت عليه وهو يقرأ الصحف وأعطيته بيد ترتجف أوراقاً مطوية بترتيب، كنت صرفت الليل في تحبيرها.
وبالكاد ابتسم وهو يسأل: ما هذه؟
قلت: مقالة عن... ولم أكمل جملتي، وهلع قلبي على الأوراق يمزقها من غير قراءة ويرميها في سلة المهملات!
وقبل أن يتسنى لي سؤاله لماذا؟ كان يدعو لويس الحاج ويقول له:
«هذا غسان، يريد أن يصبح صحافياً. لكنه يستعجل على الكتابة! «دبّر» له كرسياً وليصحح البروفات، حتى إذا ما أتقن ذلك، تنقله إلى قسم الحوادث و«المتفرقات»، وبعد ذلك نرى إذا كان «ينفع» ولأي باب، وهل نستكتبه شيئاً!
هذه القصة، رويتها ربما لمئات المحررين، خصوصاً أبناء أصدقاء جاؤوا ليشتغلوا صحافيين معي في ما بعد حاملين مقالات طول الشهادات، فحاولت أن افهمهم أن الصحافة تبدأ بالقرب من المطبعة، حيث تصحح «البروفات»، وأن الذي لن يتعلم هناك كيف يكتب خبراً متواضعاً، لن يكتب مقالاً»!
يضيف: «في صيف 1945، سافر والدي إلى انكلترا، فاعتبرت أن من حقي الطبيعي أن أنزل إلى الجريدة، وشجّعتني والدتي. وشجعني المحررون، خصوصاً صغارهم، غير أنهم سرعان ما اجمعوا على الندم من فرط ما كنت أؤخر الصدور بتجاربي في الإخراج (رحم الله «المعلم» فرحان مشرفية المسؤول عن «التركيب» كم تعذب معي) وتنفيذ بعض قواعد الإخراج المأخوذة من الكتب أو المستحدثة في الصحف الغربية التي كنت اقرأها ليلاً وأغيّبها وآتي لتنفيذها صباحاً.
وتنفس الجميع الصعداء عندما عاد جبران تويني من السفر، وسافرت أنا إلى أميركا للدراسة في هارفرد».
المراسل من فلسطين
منذ تسلمه «النهار»، في 5 كانون الثاني في العام 1948، وحتى فترة متأخرة، راح يتعرف إلى صفحات الجريدة ويكلّف نفسه مهمات ليست سهلة عليه وهو بعد طريّ العود في مهنة المتاعب.
يروي: «أرسلت نفسي إلى جبهة فلسطين، ودخلت القدس مع الجيش العربي الأردني في آذار 1948 بلباس جندي وشارة مراسل عربي. وراسلت «النهار» من هناك، حيث تعلمت مع المراسلين الأجانب ما هي صحافة الميدان الحقيقية قبل أن نختبرها في شوارع بيروت».
يضيف: «مع الأسف، لم أزر جبهات حربية أخرى، باستثناء الجبهة المصرية في سيناء (في بعثة من «النهار» بدعوة من «الأهرام») وكان الجيش المصري يتهيأ لخوض حرب 1973، بينما حرب الاستنزاف تأخذ مجراها.
عندما سئل غسان تويني عن أي تحقيق في تاريخه الصحافي وتاريخ «النهار» يعتبره الأكثر نجاحاً أجاب: «بدون تردد التحقيق عن نزول الإنسان إلى القمر، في 20 تموز في العام 1969. لعله التحقيق الوحيد الذي لا يتوقع أحد أن يكون لك مندوب خاص يجريه «على الطبيعة» أو مراسل يواكب الحدث وأبطاله».
الوصيّة
ورث غسّان تويني مبادئ أساسية من والده، أولها ضرورة التناغم مع المحيط العربي مع الحفاظ على الخصوصية اللبنانية، وثانيها التأكيد على محورية الحكم الدستوري، وثالثها نبذ الطائفية التي قال عنها جبران تويني إنها الثغرة التي يتسلل منها الهدامون ليحولوا دون انسجام اللبنانيين وتآلفهم.
إلى المبادئ السياسية، تعلم في مدرسة «النهار» أسرار الإتقان المهني الصحافي، وأبرزها الابتعاد من التفرّد، والاعتماد على روح الفريق، والاهتمام بالعنصر الإنساني، والتمتّع بالحيادية وقول كلمة الحق دائماً.
تسلم تويني «النهار» رسمياً في 5 كانون الثاني 1948، بصفة رئيس تحرير، كتب عن هذا المنعطف في حياته: «حمل العدد الصادر يومذاك اسمي للمرة الأولى، إلى جانب اسم والدي كمؤسس واسم شقيقي وليد كمدير مسؤول. واخترت 5 كانون لأنه كان عيد ميلادي الثاني والعشرين. وبلغت بي السرسبة، كما يقولون، حد الاستعاضة عن مقال تقليدي بتوقيعي، أعاهد فيه القراء على كذا وكذا، بنشر وصية والدي الصحافية، أو بعضها، في إطار عريض بعنوان «بيان وعهد»، وبتوقيع «النهار».
الحزب القومي
انتمى غسّان تويني إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي في العام 1943، وهو على مقاعد الدراسة الجامعية. يروي: «كان محيطي في الجامعة الأميركية معظمه من القوميين، تدرجت في مراتب القيادة، عندما أطلق سراح نعمة تابت ورفاقه من المعتقل، إلى أن أصبحت «ناموساً» لتابت رئيس المجلس الأعلى، ثم وكيلاً لعميد الإذاعة الدكتور كريم عزقول ووكيلاً لعميد الثقافة الدكتور فايز صايغ. كل ذلك بين سن السابعة عشرة والتاسعة عشرة.
وسافرت إلى أميركا لمتابعة تحصيلي، ومن هناك كلفت تأمين الاتصال بالزعيم الذي بعدما عاد إلى لبنان طرد من الحزب نعمة تابت ومن كان معه، ولم يطردني. ثم طرد فايز صايغ. وبعدها بأيام، عدت إلى بيروت (إثر وفاة والدي في تشرين الثاني 1947)، فاجتمعت إلى الزعيم للمرة الأولى، ثم اجتمعنا ثانية مع يوسف الخال وحلمي معلوف ويوسف نويهض. ولما وجدنا أبواب التغيير في الحزب، لجهة لبنان والحريات، موصدة، أصدرنا بياناً بالانسحاب، فما كان من الزعيم إلا أن أصدر مرسوماً بطردنا، بتاريخ مسبق.
لم تنته الحكاية عند هذا الحد.
إذ بعد محاولة الانقلاب التي قام بها سعادة في تموز 1949 وكتابتي افتتاحية ضد إعدامه بعنوان «سعادة... المجرم الشهيد»، جرى اعتقالي فوراً فوجدت في السجن الرفقاء السابقين ولاسيما عبدالله سعاده وفؤاد أبوعجرم وأديب قدوره.
إلى أن انتخبت نائباً في 5 حزيران 1951، على أساس المبادئ القومية ولو بدون إعلان رسمي في انتظار أن أنال الحصانة النيابية.
وظللت أنا في الحزب مسؤولاً في المكتب السياسي إلى أن كانت انتخابات 1957، فصدر قرار بفصلي من العضوية لاختلاف بين القيادة وبيني قيل إن سببه كيفية ترشيحي للانتخابات في بيروت وإعلان هذا الترشيح».
معارك حريات
عاصرت صحيفة «النهار» مع غسان تويني رؤساء عدة، وواجهت أنظمة وزعامات وغطّت أحداثاً وشاكست وربّت أجيالاً، وهي تعتبر مصدراً إعلاميّاً أساسياً لتاريخ القرن العشرين.
أول ملاحقة لتويني كانت في شباط في العام 1948 بسبب اطلاعه على نشرة أخبار تصدر عن الأمم المتحدة ونادراً ما يقرأها الصحافيون، «أما أنا العائد من نيويورك، فقرأتها منقباً ووجدت صورة ضباط لبنانيين وضباط إسرائيليين يتفاوضون وسيارة ركبوا فيها معاً، وخبراً عن الهدنة... في حين كان رياض الصلح ينفي وجود هدنة ومن يتهادنون أو يتفاوضون.
نشرت الصورة. وكانت الملاحقة. وبقيت متوارياً زهاء شهر، لاجئاً إلى المطرانية الأرثوذكسية استقبل النواب بل والوزراء في حمى عرّابي الشيخ المطران إيليا الصليبي الذي كان يتحدى الحكومة يومياً داعياً إياها إلى أن تتجراً وتأتي فتوقفني. إلى أن صدر بلاغ رسمي يعلن توقيع اتفاق الهدنة، فاعتبرت أن الدعوى سقطت حكماً وأطلقت سراحي بنفسي وعدت إلى مكتبي، ولم ألاحق وطوي الأمر».
«المجرم الشهيد»
في 8 تموز العام 1949 أعدم زعيم القوميين السوريين أنطون سعادة، فكتب غسّان تويني في «النهار» مقالا بعنوان «سعاده، المجرم الشهيد»، في صباح اليوم التالي استيقظ ليجد نفسه في السجن حيث بقي شهرين رافضاً توقيع طلب عفو كان يعرض عليه يومياً. واستفاد من فترة العقوبة ليعدّ أطروحة الدكتوراه في «جامعة هارفارد» وموضوعها كان في فلسفة الحرية، «طلبت مجموعة كتب أحتاج إليها، منها كتاب الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط عن «السلام الدائم». وقد تردد آمر السجن طويلاً قبل أن يسمح بدخول الكتب هذه، ورد بعضها ولم يسمح بالبعض الآخر إلا ممهوراً بخاتمه مع عبارة «نظر وسمح به».
وفي العام 1951 سجن تويني بسبب مقالة بعنوان «بدنا ناكل جوعانين»، فأضربت الصحافة وأخلي من السجن ثم أعيدت محاكمته وسجن شهرين.
عيّن في العام 1970 وزيراً للتربية والإعلام لكنّه لم يمكث سوى مئة يوم قبل أن يستقيل لأنه لم يستطع أن يحقق ما يطمح إليه من إصلاحات.
سفيراً في «الأمم المتحدة»
أدى غسّان تويني أدوارا صعبة أثناء الحرب لعلّ أبرزها خوضه معركة إصدار قرار مجلس الأمن الرقم 425 عندما كان سفيرا للبنان في «الأمم المتحدة». ولمّا سئل عن سبب مغادرته لبنان عام 1977 في عزّ أتون الحرب أجاب بتعجب: «لماذا قبلت؟ بل سلني لماذا أرسلت؟». «فقد وجد الرئيس الياس سركيس ووافقته، أن بقائي في بيروت بعدما كنت وزيراً في ظروف الحرب، قد يشكل حرجاً له وللعهد وللنهار، كذلك وربما لآخرين... من يدري؟ في حين أن وجودي في الأمم المتحدة قد يكون مفيداً لأنني، أنا بالذات، قد أكون أقدر من سفير تقليدي، نظراً إلى ما قال أنه لي من رصيد سياسي وما هو معروف عني من سلوك صعب الانضباط».
وقد تجلى ذلك في أبرز مظاهره في الوصول إلى القرار 425 الذي يشرفني أنه صار العمود الفقري لسياستنا الخارجية بعدما رافق اتخاذه واستتبع الاقتراع عليه تنسيق سياسي بيني وبين شخصيات سياسية اعتبرها مسؤولة، ولو كانت خارج الحكم».
النائب والوزير
انتخب غسّان تويني في العام 1951 نائباً عن الشوف ممثلا لـ«لحزب القومي»، وانتخب نائباً عن بيروت في دورتي العامين 1953 و1957، ثم انتخب داخل المجلس نائباً لرئيسه. وأخفق في الوصول إلى المجلس في انتخابات 1972. وفي العام 1976 عين سفيراً للبنان في «الأمم المتحدة»، وكان الأمين العام آنذاك كورت فالدهايم يقول: «هناك خمس دول كبرى، وستة سفراء لدول كبرى، السادس هو غسان تويني». وانتخب بالتزكية في 5 شباط عام 2006 نائباً عن بيروت خلفا لنجله جبران.
لم يكن غسان تويني يوماً نائبا من دون برنامج واضح. وبعد انتخابه بعام نائباً عن الشوف للمرة الأولى في العام 1951 أصدر كرّاساً عنوانه «من أجل مجلس حر: رصيد سنة في مجلس النواب 2 حزيران 1951- 31 أيار 1952».
اختير وزيرا للإعلام والتربية ونائباً لرئيس مجلس الوزراء اللبناني (1970- 1971). ونصّب وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية والسياحة والصناعة والنفط (1975- 1976). واختير رئيساً لـ«جامعة البلمند» (1990- 2002)، ورئيس لجنة متحف سرسق في العام 1998.
أدى غسّان تويني أدواراً صعبة إبان الحرب لعلّ أبرزها خوضه معركة إصدار قرار مجلس الأمن الرقم 425 عندما كان سفيراً للبنان في الأمم المتحدة.
وأدى أيضا أدواراً بارزة في قضايا الحوار الوطني بين المسلمين والمسيحيين، خصوصاً في مرحلة الإمام موسى الصّدر الذي ردّد تويني في أحاديث تلفزيونية معه بأنه (أي الصدر) أثر في حياته كثيراً.
*