
عزيزة الطائية
-
إلى سماء.. السيد البهي الأصيل.. والإنسان الحر النبيل.. كنت ومازلت شغوفا بنبش قبور سلالاتي البعيدة بين أحضان الجبال ومعين الأبيار.. وحزينًا لتحول البساتين إلى صحراء من غياب.. ومازلت تزحف بذاكرتنا وتقود مهجنا إلى الرياح والأمطار حين تتدحرج مياه السيل على حجارة الوادي الصغيرة حتى تمتد أعناقنا مشرئبة إلى الفضاء الباهي وسط وحشة القبور المتآكلة، وغموض البحار الصامتة، ووجع الأقبية المستترة، وقحط الوديان القاحلة. فنسير من منطقة لأخرى لنرحل مع تلك السلالات التي انقضى عهدها واندثر رسمها وغدت أطلالا بالية تضمنا بانعتاق.
***
كالفراشات الحالمات كنَّا نحلم مع قبس رؤاه.. بأجنحتنا نطير خلف شعاع نوره.. ونعود عندما نتعب لنصنع الأشكال، ونلون الأوراق.. ونحكي عند دفء الشمس، ونتسامر مع ضوء القمر بأحاديثه العذاب وحكاياه المراح.. هل تذكرين يا شمس؟ وهل تحنين يا أمل لذلك الزمان؟ يوم نجلس مع الصغار نقلب القصص ونقرأ المذكرات من معين فكره المعطاء، ونشكل الرسوم ونلون الصور من وحي خياله الرقراق فتنتشي خواطرنا بعشق الأرض والحنين إلى سمائها.
وبعد كل ذلك.. هل يمر اسمه على قلوبنا مرور الكرام؟ وهل تصبح كتاباته في ذاكرتنا في مغب النسيان؟ وهل يغدو شخصه بيننا في مهب الرياح التي تتطاير معها ذرات من الغبار؟!
حين نقلب الذاكرة تنبلج أمامنا صور جميلة، وربما مؤثرة فتنبعث منها رائحة مسك تلك الأيام الحلوة وأحيانا المرة.. ولا بد أن نرحل يوما ونفترق ويودع كلُّ منَّا الآخر كما تشاء الأقدار، ولكن من يرحلون قد لايغيبون عن الذاكرة ويسكنون في الوجدان.. ففي كل لحظة قد نودع ونلتقي.. وفي كل حين قد نبتعد ونقترب.. فهل سنجد من يحزن مع آلامنا ويتعطر بذكرنا، فتبقى ذاكرته طيبة شجية بعبق شذاه ومرام رؤاه؛ لذا كان الإخلاص واجبا والوفاء حقا لمن له بذور الغرس لجني الثمار.
***
ومع زحمة الحياة .. وحدة الالآم رحلت بي الذكريات بطفولتي البريئة وقامتي الصغيرة ومرح الأطيار.. بثوبي المزركش ولعبتي البيضاء، وضفيرتيّ المجدولة بشرائط حمراء. كنت لا أتقن سوى البهجة والحبور والإنصات.. يشكّلني ذلك الحاضر إلى منزلنا كيف يشاء! حتى أصبح لنا رأي يجب أن يُصغى، وأمنيات يجب أن تتحقق، وصوت يتوجب على الآخرين أن ينصتوا له.
مضى بنا العمر خطوة خطوة بشجاعة جميلة وهمة عازمة بحثا عن مأوىً آخر حتى نمسي في دائرة الحب متشرّدين يمرّ بجانبنا الآتون من بعدنا.. ويتجاوزون..
ونبقى نحن كما نحن.. نمسك بأطراف خيوط شعاع الشمش، وألق ضوء القمر بالأمل المحب.. بالرؤى العذاب، ونتخيّل أنّ هذا يعشقنا بصمت! وذاك يرعانا بحنو، والآخر يتتبع خطواتنا بحلم. حتى أصبح الوطن أمنية منقوشة في القلب. ليس بالمعنى المجرّد للوطن بل هو أقرب للانتماء للولاء من أن يكون وطنا بحد ذاته يوضّح لنا صحة الاختيار.. بالكلمة الحانية الواسعة وبالمثالية الرانية الشفيفة!
قال لنا ذات مرة عن الوطن: هناك من يراه الحب أو الصداقة أو البهاء أو الأم أو المأوى أو الفضاء أو الأرض لنعيد النظر في قلوبنا وما آلت إليه فيكفيها من الهوان ما لاقت، ويكفيها من الوقوف على أعتاب القلوب لتظفر بحب بالٍ يكرر معها قصصه القديمه ويسرد عليها نفس الكلمات!! ولنتوقف عن النظر في وطن فضّل الانزواء في مكان بعيد وأوصد أبوابه عن الناظرين إليه، ومع ذلك نكرر طرق الباب حتى خدشنا كرامتنا بأيدينا!! فهناك ما أشحنا النظر عنه رغم أهميّته !وعلامة ذلك حين نقف في وسط الطريق بقلوب خالية لا تدري إلى أين تنتمي!! ولندرك أنّنا لم نعد في زمن الضفائر المجدولة والقامات الصغيرة!! ولم نعد نطير كالفراش الحالم حول المصباح ونعود للأحباب كالأطيار المرفرفة لنخبرهم عن الحال بألطف المقال.
تمضي بنا الأيام وتسير لتمضي يا ابن وطني وأمي لتتسابق مع كل الهائمين النبلاء بأحرف من نور ضد تبيض دم الأبرياء لتصل منفردا إلى حدود التماس، وتؤسس لجغرافية الأرض الرفض بتحكيم الأزرار، لتسافر وتسبح دون جواز سفر عبور، ودونما وثائق ولا تراخيص مرور إلى العالم في البعيد اللامتناهي للعشق المطلق إلى اللامرئي من القرى المنفية بالسدر والغاف، والأرياف الملتهبة بالنخل والكروم، والشواطئ الممتدة باللؤلؤ والأصداف، والجبال المتعانقة بالصمود والإباء؛ لتنثر من أريج أنفاسك للموت للفناء فتتجدد الحياة بالخصب والميلاد بالزهر بالورد بالشجر بالعصافير بالمطر بالبدر بالشمس بكل بهاء وولاء، هكذا حتى صار العشق عندك ملح الأرض الذي لا حد له.
***
كان ومازال نبض قلمك بما يترجمه من مداد قلبك يطوف بنا إلى الأفلاج والمقاصير والعوابي والسيح والوادي والبحر والصحراء؛ حاملا معه هموم البيدار والصياد والراعي، ونحيب الأرامل والمجانين والموتى.
حتى أصبحت مخالب صمت الكتابة حادة فتحولت إلى أظافر تتصدى لكل أولئك المغرضين كي يكفوا عن أكل اللحم الحرام، كي يكفوا عن التمضمض بدم الفكر عن الاغتسال بعرق الكادحين وتعب المزارعين، وكل من يعانون من أجل فتات رغيف ولقمة عيش وتكون كغيرك الذين لا يغلبهم النعاس.. وغدت خواطرك لحظات تجلٍ وسمو من روحك بالفكر المستنير لكل الأوفياء لقطعة أرض وصراخ جياع وأحلام سمراء وأنين محرومين وأوجاع مظلومين ينتظرون أنشودة بحَّار ورذاذ مطر.
***
عفوًا سماء إن تاهت بي الذكريات واشجبتني المفردات أو اعتصرتني الكلمات أو اجتاحتني بعض حالات الهذيان.. وعذرًا إن تلكأ قلمي في واقع الرماد وتعثرت حروفي في واقع القحط.. أو تبعثرت أفكاري في زمن العناكب.. فرغم كل حالات العجز الجنائزي العربي وحالات الرماد الضبابي العالمي، فلايزال في سماء وطني بريق من الأمل الذي قد يبشر بمواسم الخصب وليالي الحصاد.
دعني سماء أنقل لك بعض الومضات التي تزرع الأحلام وتنتصر على روائح النفايات.. ودعني أنثر كلماتي لأبدأ القول أنك السيد النبيل الجميل.. هكذا ارتسمت بذاكرة جسدي، وهكذا نقشت بوجداني حين علمتنا ونحن صغيرات بما تقصه علينا من حكايا الأميرات المتمردات على الهوان لأجل عشقهن النقي فكان علينا أن نغترف منك كيف يكون العيش متمردا على زمن السبات والسكون والاعتلال؟. كانت قصصك واعية وأحاديثك مبهجة وحواراتك رائعة شكَّلت مرامنا وعشقنا لهذه الأرض التي لم ندرج على أديمها ولم نستنشق هواءها ولم نستظل بربوعها، فكان لأحاديثك وأمي وأخي رغم تجذرنا هي النوافذ المفتوحة والأبواب المشرعة التي توصلنا بجذورنا، وتعمقنا بأوصال جلدتنا، حتى زرعت فينا بذور الكبرياء بآمالنا الواسعة، وسقيت غراس الشموخ بأنفاسنا حين أسست فينا مدرسة للرأي الحر والأحاسيس النبيلة التي ترفض التطبيع والانحناء لينبلج من رحم القهر والأحزان جيل من الكرامة والضمير الذين تخندقوا ضد الكراهية والاستغلال والوصولية، فرفعنا رايتك المطرزة بمعاني النبل والنقاء والشفافية والوئام والولاء والانتماء؛ فأضحت زوايا أرض الوطن سياجا حانيا آمنا مسيجا بالياسمين والفل، ومعطرا بالكاذي والريحان.
***
لعلك يا سماء كنت وأنت في تلك السنين العجاف تدرك أن سقي كروم العنب في الجبل الأخضر، وتلقيح نبات النخل في السهل الممتد يحتاج إلى سنين وأعوام.. وأن كرامة الكلمة تماما كما الانفصال عن جاذبية الأرض وجاذبية التاريخ وجاذبية العرض.. وأن عشق الوطن هو حب أهله البسطاء الطيبين يظل سعالا مزمنا في الأجساد والضمير، وأن خصب الأرض وتحرير العقل وانبلاج الوعي بالرأي والفكر بالحرف يتطلب عمرا، وأن الإيمان بدولة الإنسان يستوجب التضحية وتحمل المشقة، وكل أصناف الأرق وأوجاع الضمير.
لقد كنت ومازلت يا سماء سماءنا التي نرنو لأفقها ونستظل بسمكها حين قررت أن تكون من جيل الآباء الذين يشتغلون بصمت دون ضوضاء، ويخترقون لهيب السعير بحنان. ورغم الحصار.. رغم الغياب كنت حاضرًا بفكرك مشعًا برؤيتك محتضنًا بأبوتك؛ لذا استطعت أن تخترق الظلام، وتجسد رباط التواصل. وكنت طوقا مزهرا وسياجا مشرقا بين جيلك والمتخرجين من مدرسة الثقافة الرانية، ومواقع العقل المستنير الذين يمدونا بجذورنا المورقة التي لن تغيب أسماؤهم عن ذاكرتنا المغيبة.. جيل الذين يرفعون الأقلام، ويعلون النداءات، ويفتحون نوافذ الحوار لأجل التحصن ضد الزكام السياسي والتلقيح ضد الانحناء يوم قررت أن تكون واحدا ممن يزرعون أشجار الفكر ويحتضنون الحرية!! التي تشرق الأفق من الانجراف السياسي والتشقق والتخريب ليستظل تحت سمائها كل المتعبين المثقلين بهموم الإصلاح، وهواجس التغيير، كي لا يواصلوا عزف المواويل الأليمة والأهازيج الحزينة، كمثل هذه المقاطع المعبرة عن شدة التفجع في ترجمة ملوحة أمانينا.
ولا يزال يذكرني نقاء فكرك وإخلاص نيتك وصدق حبك ونبل إحساسك لمن حولك يا سماء بقول شيخ الإسلام ابن تيميه (يرحمه الله):
"في طريق الجنّة لا مكان للخائفين وللجُبناء
فتخويفُ أهل الباطل هو من عمل الشيطان
ولن يخافَ من الشيطان إلا أتباعه وأولياؤه
ولا يخاف من المخلوقين إلَّا من في قلبه مرض"
لكم البهاء.. ودمتم أنقياء .. صادقين كسماء..