تفاصيل صغيرة - جديد جريدة الرؤية

    • تفاصيل صغيرة - جديد جريدة الرؤية


      سمية النبهانية

      (1)
      الذكريات هي الفسحة التي لا نسمح لأيا كان أن يحرمنا منها، أو أن يتعدى عليها.. قد تكون أصدق مقولة نفسية يتبعها الأطباء النفسيون هي: "قل لي ماذا تتذكر، أقل لك من أنت؟". الذكريات بئر عميق مليء بالدموع وحرقة القلب، بالسعادة وعطر الحب، بكل ما يجعلك تبتسم بلا غير سبب، وبكل ما يخيفك من تذكره وحيدًا.. ولا يهم كم هي سيئة أو مبهجة تلك الذكريات، فقد صنعت منا ما نحن عليه الآن بشكل أو بآخر.

      (2)
      هناك أخطاء نقع فيها دائماً بصورة متكررة لا يسع لذاكرتنا التعلم منها، وربما لا نعطي ذات الذاكرة فسحة لتستفيد من ذلك الموقف التعلّمي.. فحينما نمر بمشكلة ما تضيق الدنيا في أعيننا، وتسد كل السبل امام بصائرنا، ولا يسعنا إلا أن نشعر بالحزن، المشوب بتمني الانعتاق من الموقف وتمني الخلاص منه. لكن بمجرد انتهاء المشكلة سترى نفسك أن المشكلة تدخل ضمن نطاق ( الأشياء الصغيرة) والمضحكة أحيانًا بعد أن أبكتنا يومًا.. وربما لو تذكرنا في لحظة الضيق تلك أبيات أبو الطيب المتنبي:
      على قدر أهل العزم تأتي العزائم
      وتأتي على قدر الكرام المكارم
      وتعظم في عين الصغير صغارها
      وتصْغر في عين العظيم العظائم
      لكنّا أكثر قدرة على المواجهة وامتلاك ناصية الحل.


      (3)
      نشكر الله كثيرًا على أن منحنا نعمة النسيان، ووهبنا الأمل الذي يمنحنا القدرة على الاستمرار والدفع بخطواتنا إلى الأمام لاستشراف ما هو أفضل وأجمل.. كما أنّ هناك خطئين آخرين نقترفهما بحق نفسنا؛ الخطأ الأول: حينما نفقد الأمل في عودة ما تمنيناه، فنشعر بالشقاء، أو أن يعود بعد أن نكون قد مضينًا قدمًا في حياتنا.. أمّا الخطأ الثاني والأكبر؛ فهو أن نشعر بالندم على ذلك.. تناقضات نعيشها كل كل مرّة بجميع تفاصيلها الصغيرة دون أن نتعلّم.

      (4)
      أجمل ما في العلاقات الإنسانية القوية كالأخوة والصداقة والحب، أنّها تجمع كل ما ذُكر، وأنك تعيشها بنمط شخصيتك وقدراتك.. بكل صفاتك الحسنة، وعاداتك السيئة التي قد لا يراها جميع من حولك؛ فلا تجد نفسك بحاجة لأن تخفي أظافرك القبيحة بفعل عادتك السيئة في قضمها، أو عادتك في إسقاط الطعام عند تناوله أو خلط جميع أنواع "الصلصات" في وجبة واحدة.. فهي استمتاع خاص جدًا تنفرد به شخصيتك دون منازع، كما أنّك لست بحاجة إلى أن تشرح للآخر ( الذي يهمّه أمرك) كم تشعر بالأسف على ذنب اقترفته تجاهه، وإلا فلن تكون علاقة صادقة حينها.. ولست بحاجة أيضًا أن تبوح له بمشاعرك الجيّاشة تجاهه.. فهو يستطيع أن يشعر بذلك في حديثك، وحركاتك، وسكناتك حينما تكون حوله.. وربما في حديث عينك.. فلغة العيون أبلغ وأعمق.

      sumaya@alroya.info