[TABLE='width:70%;'][CELL='filter:;']
عندمــا يموت شعور البشــر!!!
[/CELL][/TABLE]بعد ستة أشهر من وفاتها...وبعد أن فارقتني إلى العالم الآخر...عالم يستحيل على من يذهب إليه الرجوع مرة أخرى...حاولت أن أشغل نفسي بأشياء كثيرة محاولة مني لنسيانها...أو محاولة تناسيها فتارة ً أقرأ القرآن الكريم على روحها الفقيدة....وتارة ً أشغل نفسي بقراءة بعض القصص القصيرة وتارة أخرى ألجأ إلى التلفاز أو المذياع أشاهد ما كنت لا أحب مشاهدته وأسمع ما كنت لا أحب سماعه....فقط من أجل أن أحاول أن أمنع نفسي من التفكير بها.... الوقت الآن يشير إلى السابعة مساء وهذه مباراة في كرة التنس على القناة الثانية....أسماء غريبة لا أعرفها ووجوه نكرة لا أحبها...ومع ذلك أشاهدها.... تعودت الجلوس بمفردي....وحيد من غير أنيس يؤنس هذه الوحدة القاتلة والشرود الدائم قد أخبرتكم قبل قليل عن الوقت ...دقائق وثواني تأتي لترحل ويأتي غيرها...ولولا ساعة الحائط المعلقة في الجدار الصامت الذي لا يسمع غير صوت التلفاز أو المذياع لما عرفت الوقت...ولا أدري إن كانت تحمل توقيتا ً صحيحاً أم لا ستة أشهر طال خلالها شعري....وأطلقت للحيتي عنانها".....وأحمد الله أنني لا أخرج من البيت إلا نادراً...وإلا لسمعت الكثير من الكلام الذي يثير حفيظتي.. لا أريد أن أطيل عليكم في الكلام عن حياتي خلال هذه الستة أشهر...فليس هنا بيت القصيد لأن ما حدث أثناء مشاهدتي لتلك المباراة المشئومة هو ما جعلني أكتب لكم هذه الكلمات صالة البيت ليست كبيرة....وأستطيع أن أصفها لكم ببعض الكلمات....سجاد ..أريكة ...تلفاز..أباجورة.. " سي دي " ...وصرتي معها...والكرسي الهزاز... ولو أن هناك نملة أرادت الاستمتاع بمشاهدة التلفاز لعرفت بوجودها....فالهدوء المخيم على المكان يسمح لي بسماع كل صغيرة وكبيرة....ومن هنا تبدأ الحكاية سمعت صوتاً لا أدري ما هو؟ في البداية خيل إلي أنه بكاءٌ أو نحيب....ولكن بعد تركيز أكثر وجدته أنيناً حزيناً....نظرت حولي...لا أحد....ربما التلفاز...أغلقته....ما زال الأنين يتردد نظرت هنا ..نظرت هناك....لا يوجد أحد غيري , ولم يسكن هذا البيت الأشبه بالمهجور أحد سواي طوال الشهور الستة الماضية .... إذن من يا ترى يطلق هذا الأنين المبكي الشبيه بمعزوفة حزينة.... فجأة توجهت عيناي إلى زاوية المكان....في اتجاه الكرسي الهزاز فقد كان يهتز؟ بالرغم أني لم أجلس عليه منذ ستة أشهر " من يومِ رحيلها " الشبابيك مغلقة والباب موصد....وليس هناك هواء أو رياح أستطيع أن أدّعي أنها هي السبب في اهتزازه ؟....رميت بالريموت كنترول على الأريكة واتجهت إليه.....وهو لا يزال يتحرك ؟ اقتربت منه....نظرت إلى جبينه...وهو المكان الذي كانت تضع رأسها عليه عندما تريد أن ترتاح من عناء اليوم وتعبه....وإذا به يتصبب عرقا.....خيّل إليّ في لحظة بأن الكرسي يملك عينان وأن هاتان العينان تدمعان ؟ سألته ما بك ؟ " لا أدري كيف تجرأتُ لأكلّم جماد.." أعترفُ أنه كان ضرباً من الجنون.....ولكن حالتي النفسية وقتها كانت تسمح لي بأن أكلم الجان وليس الجماد فقط....رد عليّ بصوتٍ تخنقه العبرة " اشتقت إليها يا أحمد " كانت هذه أولى الأحرف والكلمات التي هزت مشاعري وكتمت أنفاسي وأربكت لساني....كنت أقف أمام الكرسي كالتلميذ الذي يقف أمام أستاذه... تسمرت في مكاني..لا أعرف ماذا أقول ولا إلى أين أذهب....وبدأ البكاء الداخلي في التسلسل إلى شراييني وأوردتي....وما زلت قويا متماسكا لا تدمع لي عين ولا يسمع لي صياح قلت له بصوت لا تغيب عنه الآه " أخبرني عنها أيها الكرسي...حدثني عنها " منذ ستة أشهر وأنا أحاول إخفاء الشوق والحنين واللهفة...ستة أشهر وأنا أصحو لأنام وأنام لأصحو ستة أشهر ومعالم الليل والنهار قد تساوت لدي....فليلي نهار ونهاري ليل.... ستة أشهر جافتني خلالها الأقلام.....وملأت الكوابيس الأحلام....وأصبحت حياتي ظلام في ظلام أصارع اليأس والحزن....فمرة يصرعني ومرة اصرعه.....ولولا قوله تعالى " ولا تقنطوا من رحمة الله " لكنت الآن في عداد المجانين أو الموتى.....ستة أشهر والقهر فنجاني الذي اشربه....والحسرة عنواني الذي أكتبه ...والموت هو الهدف الذي ما زلت أنشده..... كلمني عنها أيها الكرسي.....بالله عليك أخبرني عنها كيف كنت تراها....ماذا كانت تقول لك وماذا كنت تقول لها....أعلم أنكم تتسامران الليل بطوله ...تشكيني إليك إذا ما ضايقتها وتشكو نفسها إليك إذا ما ضايقتني....خبرني بالله عليك فإني والله متلهف ومشتاق للجلوس ساعات طويلة أعرف ما لم أعرفه عنها......... ولكنه بقيِ على حاله فما زال أنينه مستمر....وما زالت دموعه منهمرة...وما زال اهتزازه دائم....لم أجد تفسيرا للاهتزاز غير انه يملك قلبا قد زادت دقاته....ونبضا ثائرا تحترق معاناته....و ما هي إلا لحظات حتى سمعتُ صوتاً يخاطبني : " من أين تريد أن أبدا الحديث عنها ؟ فعذراء " وهذا هو اسمها " لم تكن كغيرها من الفتيات أعذرني يا أحمد إذا ما تماديت في الحديث عنها....فأنت كنت ترى الشكل والمظهر .. أما أنا فكنت أرى الروح....ما زلت أذكر أول يوم التقيت بها....عندما اشتريتني من بائع الأثاث....كانت ليلة شديدة البرودة.....وكنت تحتار في أي مكان تضعني...إلى أن أشارت عليك بأن تضعني بالقرب من المدفأة لا أدري ولكنني وقتها أحسست بأنها تريد أن تدفئني من برد الشتاء القارص....وما أكد كلامي هذا هو رميها للمعطف الشتوي الذي كانت تلبسه على ظهري .... وأنتما في طريقكما إلى غرفة النوم..... وكأنها تقول لي نم هني العين ..فهذه المدفأة بالقرب منك...وهذا معطفي يقيك برودة الليل القارصة .... إعلم يا أحمد أنك لا تحس بما أحس به....فأنا بنظرك جماد يخلو من المشاعر.... وقد كنتُ بالفعلِ كذلك.... إلى أن التقيت بعذراء..... أذكر ذات مرة بعد زواجكما بعدة شهور جاءتني وهي فرحة ...تكاد تطير من الفرحة.... أخذتها بين أحضاني.....كان بيدها ورقة.....أخذت تقبلها....وتقبلها و تقبلها...... قالت لي..هل رأيت أيها الكرسي ماذا كتب أحمد عني.....كانت تعتقد إنني لا أسمعها.. ولكن كنت معها في كل خطوة تخطوها وفي كل لحظة فرح أو حزن كان قلبها يرفرف بها أو يتقطع منها....قالت أنظر أيها الكرسي....لقد كتب فيني هذه الأبيات... وقرأت كلماتك التالية
[poet font='Simplified Arabic,4,darkblue,normal,normal' bkcolor='transparent' bkimage='' border='none,4,gray' type=0 line=200% align=center use=ex length=0 char='' num='0,black' filter='']
توهج البرقُ في عينيكِ والأملُ =يهدهدُ الروحَ أحياناً ويرتحل
عيناكِ كالكوكبِ الدّريُّ مؤتلقاً =والشعرُ كالسعفِ الليلي ينسدِلُ
أميرتي لم أزل أشدو وتلهمني عيناكِ= والوشمُ والحِناءُ تشتعِلُ
يا نسمة الحلم ما أقصاك من قمرٍ= لكن أظل إلى عينيكِ أبتهِلُ
أهواكِ هاأنتِ في نبضي مَسافِرةٌ =ولم أزل في الهوى العُذريّ أغتسِلُ[/poet]
وما إن انتهى الكرسي من قرأته لأبياتي ....حتى أجهشت في البكاء....وارتميت أمامه أقبله ...وكأني أقبلها....ضممته بقوة ....أحسست أنها أمامي....غلبتني الدموع..... بعد ما كنت أغلبها.... أنَّ لك أنْ تبكي عذراء يا أحمد....أخذني بين أحضانه...أجلسني عليه.....وضمني كما كان يضمها ....وقال "والله أني لأجد رائحة أنفاسها بين أنفاسك...ولأجد صدق إحساسها برقيق إحساسك كم أنت صادق في مشاعرك يا أحمد....وأنا الذي ظننتك لفترات طويلة جمادا لا تتحرك مشاعره رمادا انطفأت نيرانه....."هنا انتبهت لنفسي....وأخذتني العزة بنفسي....فكيف بان انهزامي وضعفي أمام الكرسي...وكيف دمعت عيناي أمام جماد لا يتحرك وهي التي لم يسبق لها أن دمعت أمام أعين البشر جميعا وكيف بدا انكساري يهتف في أرجاء الغرفة " لقد بكى أحمد " ...... بكى القلب المتحجر أخيرا بكى بعد أن أبكاها شهورا وسنين....بكى بعد أن أشتعل بداخله الشوق والحنين...بكى بعد أن كسر قاعدته المشهورة " أنا قاسي وميت إحساسي "بكى بعد أن نسف أحلامه المغرورة.......بكى بعد أن تفجرت أوهامه المقهورة بكى بعد أن.......جمعت قواي وكفكفت دمعي وجئت لأنهض من على الكرسي....الذي بادرني بجذبة قوية أرجعتني لأحضانه مرة أخرى...وهو يقول " لا تكابر أيها الشوق" فقد كانت تستحق أكثر من تلك الدموع وأكثر من ذلك الشوق وأكثر من ذلك الانهزام والانكسار.اجلس بين أحضاني....لأخبرك بما لا تعرفه.....وهنا بدأت أحس بشعور غريب .....بدأ الكرسي أكثر اتزانا ودفئا وهدوءً...لم أعد أسمع ذلك الأنين....ولم أعد أحس بحرارة الدمع على ظهري.....أخذ يتحرك ببطئ شديد...." انه يمشي " وكأن هناك قوة خفية تدفعه....ذهب بي إلى غرفة النوم " التي ما كنت أدخلها إلا لأرتبها وأنفض من عليها غبار الأيام والشهور"كأني أدخلها اليوم لأول مرة....الكرسي لا يتكلم...إنه صامت...ذهبت عيناي إلى الصور المعلقة على الحائط ..... صورتها وهي بلباس التخرج أيام الجامعة.....صورتنا ليلة الزفاف....صورتنا ونحن نتسابق بالخيل....صورتنا ونحن ............أرجعت رأسي إلى الوراء وأغمضت عيناي اللتين ما زالتا تعانيان دموع الحنين.....أحمد ....." افتح دولاب الملابس "... كانت تلك الكلمات هي التي أيقظتني من حلمي الجميل " فقد رأيتها وهي واضعة يديها حول عنقي....وتقول لي مداعبتها التي سمعتها منها كثيرا...وللأسف لم أنفذها أبدا " أحمد " احملني على ظهرك كما كان يفعل معي أخي الكبير أيام الطفولة....." ؟؟؟آه .....ليت الأيام تعود للوراء.....لحملتك على نعشي أيتها العذراء ماذا بك.....؟ افتح دولاب الملابس.....أعادها للمرة العاشرة على ما يبدو..... لم أناقشه...فتحته ومعالم الدهشة تبدو على وجهي.....فاجأني بقوله " أنظر لهذا الفستان الأزرق.....لقد اشتريته لها في عيد زواجكم الأول ...والأخير ؟.....وأنظر إلى هذا المعطف.....أتذكره يا أحمد....إنه المعطف الذي رمته على ظهري في أول أيامي بينكم.....هل لك بأن ترتديه.....لم أكن قادرا على الحركة....لا أدري ما الذي جعل أرجائي ترتعد....لم أنفذ رغبته....قلت في نفسي سأفعل ذلك فيما بعد...وأنظر لهذا القميص الأحمر....قميص نومها.....كانت تأتي في منتصف الليل إلى الصالة لترتديه...." كانت تخجل منك " وتسأل نفسهــا....هل أنا جميلة.....هل سأعجبه....هل وهل....وتعود إليك...لم أرى حبا بهذه العظمة يا أحمد.....ضحت بمشاعرها وأحاسيسها من أجل إسعادك...كنت تخلد أنت للنوم بعد ذلك...بينما تأتي هي لتبكي معاناتها....وتذرف آهاتها...وتشكي ويلاتها....لله درك أيتها العذراء كيف كنت شمعة تحترق....وروح تنسرق....وقلب ينفطر ما عاد سرا يا أحمد كي أحجبه عنك....فصاحبته هناك.....بعيدة.... وحيدةٌ في تلك القبور " ذهلتُ....استصغرت نفسي....عرفت حجمي على حقيقته....عرفت أنني .....؟"أخد الكرسي بالدوران بسرعة وخرج من الغرفة.....وذهب باتجاه الباب الخارجي....توجه إلى الحديقة.....اقترب من بعض الورود......هذه كانت تشمها....وهذه كانت تقطفها لتهديها لك....وهذه كانت تغار منها لأنها جميلة ...وهذه كانت ترويها الماء بنفسها...لم تكن حالتي في ذلك الوقت تسمح لي بالتعليق على ما يقول.....وهو ما زال يتكلم عنها وعن الورود والفواكه والأشجار وذكرياتها الجميلة......إلى أن وجدنا أنفسنا خارج الحديقة في اتجاه الشاطئ القريب من بيتي...بدأ الاضطراب على الكرسي ....ورجع إليه أنينه....وبدأت أحس بالحرارة مرة أخرى على ظهري......أحسست بارتباكه الكبير....وخوفه الكثير......وكأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة....زادت سرعته....ولكن إلى أين.....أنه يتجه إلى البحر, ماذا يريد أن يفعل.....لا.....الشاطئ قريب.....هل يريد أن.....؟ ولم أشعر إلا وأنا مدفوع بقوة من فوقه إلى الرمال القريبة من الشاطئ لأشهد بعيني اصطدامه بأمواج البحر التي قصمت ظهره....وكسرت أرجله.....ليطفو على سطح الماء مبعثرا......ولأقف أنا متغيب عن الوعي.....وأتساءل لم كان كل هذا؟
[TABLE='width:70%;'][CELL='filter:;']
كانت محاولة مني في خوض غمار القصــة //
اتقبل النقد بصدر رحب !
صغيرة
[/CELL][/TABLE]اتقبل النقد بصدر رحب !
صغيرة

قصة اعجبتني جدا
..........................................................
شاركونا