
بقلم: أحمد بن محمد العامري
بداية هذا الأسبوع توافد أبناؤنا الطلبة على مدارسهم في جميع محافظات السلطنة، فهناك من أبنائنا الطلبة من يخطو أولى خطواته على عتبة المدرسة، ولا يعلمون كيف ستدور بهم الأيام بعد اثني عشر عامًا من الآن، وهناك من هو مازال على الطريق لإكمال المسيرة، وآخرون من أبنائنا الطلبة من يمثل لهم هذا العام الخطوة الأخيرة، وبعدها يواجهون الحياة بالوجه الذي لم يألفوه من قبل، فمن وفقه الله سوف تحتضنه جامعة السلطان قابوس والكليات الحكوميّة المختلفة أو بعثة خارجية، ومن لم يحصد نسبة القبول لتكملة تعليمه الأكاديمي سوف يدرج اسمه ضمن السجل الوطني للقوى العاملة عسى و لعل يجد فرصة هنا أو هناك، إلا إذا كان من أبناء الأسر التي أنعم الله عليها بالمال والفرص، فسوف يجد أمامه أبواب الجامعات الخاصة في عمان والعالم مفتوحة لاستقباله.
فتحت المدارس وانتظم الطلبة، وأتى المعلم في الصباح ولديه هدف واحد، وهدفه نبيل، وإذا ما سألته عن هذا الهدف سيقول بأنه ( يبني مستقبلا) لأبنائنا الطلبة، وهنا محور حديثنا، وفي اعتقادي أنّ فكرة بناء مستقبل أبنائنا الطلبة قد يكون واحدًا من أسباب الخلل في التحصيل العلمي بالإضافة إلى عوامل أخرى، نحن بحاجة إلى معلم يتعامل مع أبنائنا الطلبة بمفهوم يختلف عمّا درج عليه خلال السنوات الماضية. ألا تتفق معي عزيزي القارئ والمعلم بأننا جربنا على مدى عقود فلسفة (بناء المستقبل)، وتجاوبت عزيزي المعلم مع الطالب الذي لمست منه اهتماما ببناء مستقبله أكثر من الطالب الآخر الذي قد لا يكون لديه ذلك الهاجس بسبب قدراته أو نتيجة لما يشعر به من إحباط تولّد جراء ما يراه من حوله ممن سبقوه من مخرجات التعليم التي لم نحسن بناء مستقبلها؟ ولا نقول جميعكم فعلوا. من يظن بأنّه يبني مستقبل أبنائنا الطلبة عليه التوقف وإعادة التفكير في تقنيات التعليم لديه و عليه فهم فلسفة التعليم ورسالة المعلم. كما ذكرت سابقًا، جربنا فلسفة ( بناء مستقبل) أبنائنا الطلبة، دعونا أعزائي المعلمين نتبنى فلسفة ( بناء مستقبلنا) في أبنائنا الطلبة، وهذا يستدعي منكم أن تكونوا معلمين رساليين، أي (معلم ذا رسالة) أو المعلم المربي، الذي يأخذ على عاتقه مسئولية بناء مستقبل وطن في أبنائنا الطلبة. لا تعتقد عزيزي المعلم أن دورك وتأثيرك ينتهي بعد الصف الثاني عشر أبدًا. إنّ ما تبنيه من مستقبل في أبنائنا الطلبة هو أصل لما سيؤولون إليه في المستقبل، فإنّ من تراه اليوم طفلا يافعًا، غدًا يشتد عوده ويصبح مسئولا عنّا، سوف يكون هو الطبيب، فعليك بناء مستقبلك في هذا الطبيب، إن لم تكن في السن الذي تتعالج فيه عند من كان طالبًا عندك فتأكد بأنّه لن يطول الأمر كثيرًا حتى ترى يومًا ما وأنت بين يدي طبيب كان يومًا طالبا بين يديك، فيا ترى كيف تريد أن يكون طبيبك؟ هذا الغض هو المحامي الذي سوف يترافع للدفاع وإرجاع الحقوق، وهو القاضي الذي يحكم بالعدل وهو المهندس الذي تأمنه على إنشاء منزلك والطيّار، الذي يقلك بين سماء وماء ولا تملك بعد الله إلا ما بنيته فيه من ثقة ومسؤولية، وهو الشرطي الذي بعد الله عينه تحرسنا، والجندي الذي يجوب الحدود لضمان أمننا واستقرارنا، عزيزي المعلم المهمة شاقة وجسيمة، ونحن نعقد عليكم بعد الله آمال كبيرة في( بناء مستقبل وطن) في أبنائنا الطلبة، لا يعني هذا مهمتكم لوحدكم، قد تكونون من نضع عليه الحمل الأكبر، غير متناسين دور المنزل وخاصة الأم في الأسرة، لأنّ (من بين يدي الأم يتخرّج العظماء) ومسؤوليتها عظيمة ولا نستثني هنا الأب أبدا، ولكن دور الأم محوري، فهي الناقل الأول للمعرفة لأبنائها، كما ينبغي أن يتعدى دور الأب دور السائق وألا يكتفي فقط بتوصيل أبنائه بين المدرسة والبيت، يجب أن يشمر عن ساعده وينخرط في بناء مستقبل وطن.
عزيزي الأب، ما سيعطيك ابنك في كبرك هو بمقدار ما تبنيه فيه من مستقبل، إنّ مستقبل رفاهيتك في الكبر هو في يد ابنك، فقم ببنائه الآن.
لذا عزيزي ولي الأمر يتحتم عليك المتابعة الدائمة لتحصيله العلمي، والتعاون مع المدرسة في وضع الحلول لمشاكل التحصيل العلمي عند أبنائنا الطلبة، لا تكتفي وتقف موقف المتفرّج إذا كان ابنك متفوقا، شارك تجربتك مع المدرسة ومع أولياء الأمور من خلال نشاطات مجالس الآباء، نعم كلنا نعلم وللأسف أنّ مجالس الآباء في بعض المدارس مجالس صورية، لا تتعدى مدير المدرسة وولي أمر واحد، وعندما تتفحص مناشط مجلس الآباء سيبهرك بما يقوم به مجلس الآباء من مناشط و التي للأسف غير حقيقية؛ لذا أهيب بكافة أولياء الأمور ومديريات التربية والتعليم في المحافظات أن يفعّلوا هذه المجالس تفعيلا حقيقيًا، يساهم في بناء الجسور بين المدرسة والمنزل؛ لينعكس ذلك إيجابيا على أبنائنا الطلبة.
بكل تأكيد إنّ البيئة المدرسيّة لها دور فعّال في نفسية أبناءنا الطلبة ونرجو من القائمين على تصميم المدارس أن يزيدوا من الرقعة الخضراء في المدارس، لتصبح رعاية حدائق المدارس جزءا من النشاط المدرسي، إنّ المياه المهدرة في حمامات المدارس كافية لإنشاء حدائق جميلة بديلا عن الأسفلت والإنترلوك. كما أقترح على إدارة كل مدرسة أن تقدم برنامجا بعنوان (قصص نجاح) يستضيفون فيه أحد الشباب ولو مرة في الأسبوع يروي للطلبة قصة نجاحه من كرسي الصف إلى كرسي الموقع الذي يشغله الآن، حتى يكون ذلك حافزًا ودافعًا لهم، وهكذا يتعرف الطلبة على قصة نجاح الضيف ويرى من خلال قصص النجاح التي تروى له بأنّ النجاح خيار ممكن وليس مستحيلا.
أبنائي الطلبة إنّ النجاح والفشل خياران أنتم تختارون أحدهما، و طريقان أنتم تسلكون أحدهما، فأنتم درة التاج، وأنتم من سوف تؤول إليه مسئولية الوطن، أنتم هدف التعليم و محوره، إنّ ما تزرعونه الآن هو ما ستحصدونه في أعوامكم القادمة، فإن كان هذا عامكم الأخير، فلا تضع خيارا أمامك سوى النجاح.
خلال هذا العام الدراسي اصبر على نفسك وتحمّل والديك ومعلميك، لا تفتح بابًا للتخاذل والكسل.
أبنائي الطلبة، ذات يوم سأل الممكن المستحيل وقال له: أين تسكن؟ أجاب المستحيل وقال: أنا أسكن في خيال العاجزين.
إنّ ما تراه من إحباطات حولك لم تكن قدرًا، بل كانت خيارًا للعديد من الطلبة عندما استسلموا لليأس، وبعدما أهملوا واجباتهم المدرسية، وتخاذلوا ولم يواظبوا على حضور الحصص، وأدخلوا أنفسهم في دائرة المستحيل الذي هوى بهم للفشل.
استفد من تجاربهم ولا تقتفي أثرهم، اجتهد وثابر كي تحظى بنتائج مشرفة تمكّنك من دخول الجامعة التي تختارها والتخصص الذي ترتضيه، وتذكر أنّ ما تعتقده تجده.
ahmedalameri@live.com