
سمية النبهانية-
الهند.. بلد المتناقضات، وبلد كل شيء، فبمجرد وصولي إلى الهند بعد رحلة مرهقة؛ احتقنت أنفاسي برائحة الغبار، ولكنني لم أشعر بالغربة فيها ولا بالخوف، فالجميع يبتسم لك ويحييك بكل ود، كما امتلأت عيناي بأشكال وألوان لا تخطر على البال، فأنا في الهند، بلاد الديانات والخرافات وملايين الأمراض، وبلاد الزهد والتسامح والزهور.
اتيحت لي الفرصة لزيارة دلهي، لحضور الاجتماع الوزاري لرابطة الدول المطلة على المحيط الهندي للتعاون الإقليمي، فكنت - بجانب وفد من الصحفيين من دول عديدة- في ضيافة الوزارة الخارجية الهندية، والتي عملت جاهدة على توفير أرقى سبل الراحة لنا، ولكن ما لبثنا أن نتصادم مع الهند الحقيقية بمجرد أن نخرج من الفندق ذي الخمس نجوم، مودعين الطعام اللذيذ والناس المهندمين المعتنية بنظافتها، لنعيش النسخة الحقيقية من فيلم "slumdog millionaire" الشهير.
الهند بلاد جوها خانق هذه الأيام، والهواء ملوث بتأثير حركة المركبات وما تنفثه من أدخنة ، وتزاحم البشر وما يفرزه من روائح وما يثيره من أتربة .
الوجوه المتشابة لا تزيح أنظارها عنك، فقد ضاعت ابتسامتي في زحام دلهي؛ أطفال مرضى حفاة عراة، وأياد عديدة تمتد إليك طلبا للمساعدة والطعام، وأشباه منازل تنتشر في كل مكان. كنت أتخيل نفسي عند عودتي للفندق بأنني قد تنشقت كميات من الأدخنة والغبار، وبأن لون جسمي سيتحول بعد أيام إلى لون المرض.
تجربة استثنائية تلك التي ستعيشها في الهند، فعلى الرغم من أنك لن تستطيع حبس دموعك تألما مما ستراه، إلا أنك ستتأثر من الابتسامة المرسومة على أغلب الوجوه، ومن محلات الزهور الموجودة حتى في أفقر البقاع، فالزهور والألوان أصبحت أكثر من رموز دينية، فهي جزء من الحياة. وستعتاد على التناقض الغريب بعد فترة، لتدرك أن الهند شعب سعيد بالرغم من كل شيء؛ وذلك لأن سعادة العديد منهم تكتمل عندما يجدوا قوت يومهم ومكانا يناموا عليه، فلا هواتف ولا تكنولوجيا ولا سفر ولا مناصب عليا. ومن الطرائف التي ستلقاها هناك، أنه على الرغم من أن لسانك سيلتهب من حرقة الطعام حتى في أفخم المطاعم، ولكنك ستجد بمحاذاة الطعام الملتهب في طبقك، فلفل أخضر طازج، في حالة أن رغبت بالمزيد!.. ويقال بأن السبب في أن الأطعمة الهندية بما فيها الخبز وبعض أنواع الحلويات مملؤة بالفلفل، يعود إلى أن حرارة الجو في الهند يؤدي إلى كسل في الكبد وإلى خمول في الجسم، فيشعر الناس بعدم رغبة في تناول الطعام، وهو أمر يساعدهم الفلفل الحار على التخلص منه.
وكانت لنا زيارة لإحدى الجامعات الهندية الريفية، وبنايتها بحاجة إلى ترميم فوري بلا شك من الألف إلى الياء، جدران آيلة للسقوط ومياه بنية اللون. ولكنك لن تتبين حقا نوعية التدريس الذي يلقاه الطلبة في الجامعة حتى تلتقي بهم، فهم يملكون شغف حقيقي في أن يحدثوا فرقا في العالم، كما أنني انبهرت بأن طلبة الطب في الجامعة قد فتحوا عيادة خاصة في الجامعة لعلاج سكان المنطقة بالمجان، فكيف سيتحمل وجدانك جميع ذلك.
الهند، بلد مليئة حقا بكل شيء، بلد لا تستطيع العيش فيها ولكنك تشتاق إلى زيارتها في غضون فترة بسيطة، فلها مني ولشعبها المودة والتحية .
Sumaya@alroya.info