بسم الله الرحمن الرحيم
نظر العقل حوله في الحياة ، فإذا الحياة تمتلئ بأحزان عميقة ، وآلام وأوجاع ، ومآسٍ تغصّ بها الأرض على رحابتها ، وبدأ التساؤل .
لماذا خلق الله الإنسان ؟ ولماذا خلق الله الآلام ، ولماذا سمح للشر أن يعترض طريق الخير ؟ لماذا خلق الله إبليس ؟ ولماذا يتعذب المؤمنون في الدنيا ويستمتع اللاهون ؟ ما هي حكمة الله في خلق الخلق وابتلائهم ؟ والجواب يحتاج إلى تفسير خطوةَ خطوة .
لو وقفت نملة تتفرج على عالم رياضي ، يحل مسألة رياضية معقدة ، ويكتب مئات الأرقام فوق سبورة أمامه ، هل تعرف النملة حكمة ما يفعله هذا العالم ؟
فكيف يدرك إنسان صنع من تراب وماء حكمة البارئ الجليل سبحانه ؟ كيف يدرك عبد يقف في مقام العبودية حكمة الله تعالى في خلقه ؟
نعرف أن الله خلق الإنسان وأهبطه إلى الأرض هبوط كرامة ، لا هبوط إهانة ، (( وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة )) ، هبط الإنسان إلى الأرض والأرض صراع لا يتوقف ، والألم والحزن قانون من قوانينها ، والموت وفقد الأحباب كأس لا تستعلي على احتسائها شَفَة ، وليس هناك إنسان يخلو من هموم أو جراح أو آلام . ما هو السر وراء هذا كله ؟ تجيب الآية الكريمة (( الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا )) ، نفهم من هذا أن كل ما يقع في الحياة بلاء يمتحن الله به عباده . ويمكن أن نقول : إن مقام العبودية لا يجيز لنا ، نسأل جلال الألوهية . والدليل على ذلك قوله تعالى (( لا يسأل عما يفعل وهم يُسألون )) فالله هو الخالق ومالك الملك وصاحب الأمر والمشيئة .
إن الحق تبارك وتعالى يتعرف على خلقه بالخير والشر ، بالعسل والصِبر ، وعلى المؤمن أن يشرب العسل ويتجرع المرارة ويزداد حبه لله في الحالتين . يقول العارفون بالله : بالبلاء تنضج الذات حتى تُرفع الحجب التي تحجبها عن الله . وكذلك يرى العارفون بالله أن الألم في كل صورة على الأرض ، ليس غير رحمة تتنكر في ثياب الشدة ، فالله تبارك وتعالى لا يقدم لعباده إلا الخير ، وما نراه نحن غامضا ، أو عسيرا ، أو قاسيا ، أو مؤلما ليس كذلك في حقيقته .
يجب ألا تتجهم قلوبنا لما تزخر به الحياة من الآلام والمصائب والشرور ، فلعل يد الرحمة الخالقة ، تخفي سرها من اللطف والإيناس والإنقاذ وراء أقنعة الحزن والآلام والموت ، فما منعك إلا ليعطيك ، ولا ابتلاك إلا ليعافيك ، ولا امتحنك إلا ليصافيك .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم