
فاطمة ناصر الشعيلي-
الاستحمار من المفاهيمِ التي استخدمها الدكتور "علي شريعتي" في تأصيل كتاباته، ويمكن أن نعطي تعريفا جامعاً مانعاً لمصطلح الاستحمار فهو " دافع لانحراف وطمس الذهن وإلهائه عن الدراية الإنسانية والذاتية، وإشغاله بالتبعية والتقليد والاستنساخ الذاتي والقيمي والحضاري للآخر" . وقد أورد شريعتي العديد من أنواع الاستحمار منها الاستحمار المباشر ويقصد به "تحريك الأذهان إلى الجهل والغفلة أو سوق الأذهان إلى الضلال والانحراف".
الاستحمار غير المباشر" يراد به إلهاء الأذهان بالحقوق الجزئية اللافورية لينشغل عن المطالبة أو التفكير بالحقوق الأساسية والحياتية الكبيرة الفورية" . وتركيزنا هنا على الاستحمار الذي يطمس الوعي بالذات لدى الأفراد، ويدفعهم إمّا للعيش في قوالبهم القديمة أو التبعية للآخر والتنازل عن حقوقهم الأساسية والحياتية بحكم إلهاء الذهن بجزئيات أخرى.
إنّ العالم بوجوده الحالي يُسير الإنسان في فوضى ودوران فكري داخلي في الوعي بذاته وبإمكانياته وحقوقه، فيحوي المجتمع أولئك الذين لا يعرفون أين يتجهون ولا يحددون اتجاها ما لذواتهم إلا ما يفرضه عليهم الآخر من أيديولوجيا كنتيجة للاستحمار الخارجي، في جانب آخر نجد أولئك المتحجرين على ماضيهم فيظلون ثابتين في مكانهم بلا حراك كنتيجة للاستحمار الداخلي. مع وجود هذا النوعين من الأفراد في المجتمع فقط، فإنّ الوعي الذاتي لن يتحقق ولن يكون هناك انسلاخ من التبعية والتقليد وبالتالي نكتب للمجتمع أن يكون في مزبلة التاريخ.
ما يحتاجه الفرد هو العودة لذاته الحية في داخله المستمدة من وجدان الذات والمجتمع المتحرك لكي يكون للفرد الحق في امتلاك ضوابط الاختيار، وتتطلب هذه العودة ثورة فكرية تقتلع الغث وتبقي السمين، وفي ذلك يقول شريعتي إننا بحاجة إلى" إبادة للقوة المسيطرة على الفرد التي تفرض أفكارها وإرادتها وربما تمتد لفرض طريقة أكلها وشربها على الفرد" ونتيجة ذلك هو التخلف محليا في كل المجالات نتيجة الإيمان بثقافة الاستهلاك الفكري للآخر بلا وعي سواء كان الآخر يمثل ثقافات خارجية أو خضوعا تقليديا.
الذات في مفهومها العام هي وليدة المجتمع والتاريخ والطبقة الاجتماعية والمعتقدات الدينية والتي تُكوّن بترابطها الأنماط الفكرية والاتجاهات للفرد، ولكن في مفهومها الخاص هو قدرة الفرد على بناء ذاته ليكون منتج معنويًا وفكريًا وثقافيًا ويتّصف بالشوفينية التي توصله للنجاح وتخلصه من العوامل الجبرية كتخلصه من المتوارثات الفكرية غير الواعية، والتبعية لثقافات مستوردة.
كوجيتو ديكارتي " أنا أفكر... إذن أنا موجود" هو ما يجب غرسه في ذوات الأفراد لتحقيق الوعي بالذات، مما يساعد في إعادة خلق الفرد لذاته وقيمه ومعتقداته وفق الأنا التي تُكون أي إنسان عاقل فيكون الفرد مصدرا من مصادر المعرفة ولا نقصد هنا أن يكون صندوقًا مغلقا بل صندوقا مفتوحًا وفق أسس ومعايير عقلية تفرز الأشياء وفق الوعي والفهم فينبذ الغث ويلتحم بالسمين.
إنّ دور المفكر أساسي في توعية الأفراد بالدراية الاجتماعية لذواتهم كذات منفردة حرة؛ ولكنّ الفارق هنا أنّ بعض المفكرين يستند إلى الاستنساخ الثقافي لنمط غربي أو غيره من الأنماط للوصول لذلك الوعي، مؤمنا أنّ تلك الأنماط هي رموز للتطور والتقدم، وأنّ لها الإمكانية لتحقق النجاح في مجتمعنا كما حققته في المجتمعات الأخرى، وهذا من وجهة نظري ليس إلا نوع من الاستحمار الخارجي للأفراد؛ تكون نتيجته مجتمع مشلول قابل للموت، وفي ذلك يصفه شريعتي بأنّه ليس إلا مقبرة لثقافات أخرى فيتحرك نحو الركود والتأخر، ويمكن استنتاج ذلك بكتاب " المنبوذين في الأرض" للفيلسوف جان بول سارتر" كنا نحضر أولاد رؤوس القبائل والأشراف والسادة في إفريقيا وآسيا ونطوف بهم بضعة أيام في امستردام ولندن والنرويج وبلجيكا وباريس، فنغير ملابسهم ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة ويرتدون السترات والسراويل ويتعلمون منا لغتنا وأساليب رقصنا وركوب عرباتنا وكنا نتدبر لبعضهم زيجة أوربية ثم نلقنهم أسلوب الحياة من أثاث جديد وطراز جديد من الزينة واستهلاك أوربي جديد وغذاء أوربي، كنا نوحي لهم في أعماقهم الرغبة في تغريب بلادهم المتخلفة، ثمّ نرسلهم إلى بلادهم ونقنعهم بأنّ بلادهم المتخلفة لا تتطور إلا بتبني النمط الغربي، وهنا يقتنعون أنّهم مفكرون وما هم إلا صدى لأصواتنا نقول الفكرة فتردد بينهم كأنّهم ببغاء..." منها يمكن الاستنتاج أنّ إلغاء ذات الأفراد يكون بشل ذاكرتهم وإلغاء ثقافتهم وتاريخهم فينسى الشعب من يكون وينتمي لفصيلة أخرى لا يمتلك خصائصها ويتحول إلى مجتمع مبتذل.
لا يعني ذلك أنّ يكون الفرد في حالة ركود يعيش في الحياة كمتفرج نابذًا الحياة بتفاعلها مع الآخر طامعًا بالحياة الأبدية فقط، ولعل بعض رجال الدين كان لهم دور في تخدير الأفراد من هذه الناحية، فيكون الفرد متزمتا بعبارة " دع الدنيا لأهل الدنيا " وفي ذلك يقول شريعتي تلك العبارة توحي بالخذلان، فعندما يطلب منك ترك الدنيا وأمانيها إلى الآخرة، إلى بعد الموت لا بد أنه هو أهلها"، وبالتالي يجد الفرد أنّ عليه ترك سفاسف أمور الدنيا في نظره ومنها حقوقه الأساسية، وهذا نوع من الاستحمار الداخلي التي تمنع الفرد من إدراك نسبية الحقائق سوا تلك التي يستوردها من الخارج أو تلك التي تتأصل في ذاكرته التاريخية ( الماضي الموروث) كقوالب أسس عليها الفرد تأسيسًا مجتمعيًا أو دينيا.
تبرز أهمية استغلال العقل في إعادة خلق تلك الحقائق من جديد وفق الأيديولوجية المناسبة، والدور الفعال لقوة الرفض - عند قدومنا للحياة كانت تسيّرنا الأقدار الحتمية التي لم تسألنا عن رأينا في اختار الوطن والدين والطبقة الاجتماعية - فيستخدم الرفض كأداة لتغيير الحقائق التي تدعم الشعور بالاغتناء الفكري الكاذب وفي ذلك يقول شريعتي " أكبر قيم الإنسان تلك التي بدأ منها وهي الرفض وعدم التسليم وما يلخص بكلمة حيث منها بدأ آدم عليه السلام أبو البشر، لقد أمر ألا يأكل من تلك الشجرة لكنه أكل فصار بعد ذلك آدم، وصار بشرًا وهبط إلى الأرض ولولا ذلك لصار ملكا وصار غيره آدم".
على الفرد أن يسعى لتحقيق الأنا في الوعي بذاته كوعي فردي يمكن أن يصبغ بصبغة جماعية تعززه ولا تثبطه في نظرة للمفكر هيدجر يقول " إن لكل إنسان وجودين أحدهما الأنا كموجود اجتماعي حي وبهذا يكون جزءا من مجتمع وكل البشر سواء في هذا الوجود كل منهم له قدر من الاستهلاك والوزن والقوام والذوق وهذا هو الوجود المجازي للإنسان؛ أمّا الوجود الآخر فهو الوجود الحقيقي أو الأصلي وجود تصنعه الثقافة وتخلقه عبر التاريخ وهو من صنع الإنسان نفسه عن طريق عوامل ثقافية وتاريخية لذاته التي تربى نفسه على أساسها وهذا هو الوجود الأصلي للإنسان هو الذي يتبلور عليه التاريخ وتكوين الثقافة وصناعة الحضارة". ما يحتاجه الفرد هو حالة أتزان بين الأنا الاجتماعية التي يجب ألا ينسلخ منها كليا بل يفلترها، وبين الأنا الأصلية التي يصنعها لذاته بلا استحمار من قوى اجتماعية داخلية أو قوى خارجية؛ لأنّ أي تظليل واستحمار فكري ستكون محصِلته مفردة رياضية (فاي) والتي تعني مجموعة خالية ليس لها أي كيان، ولكن نحتاج أن يسمو كل فرد ليكون هو (برومثيوس) الذي أوقد النار الإلهية ليبدد الظلام ويكون مشعلا للنور والمعرفة.