فايزة سويلم الكلبانية
تتميز القرى الداخلية بالسلطنة بعيدا عن صخب العاصمة مسقط بوجود عدد هائل من المزارع أو تلك التي نطلق عليها نحن العمانيون بــ ( الضواحي).. وغالبًا ما يعتمد الفلاح العماني على مزرعته كمصدر لدخله اليومي وقوت أسرته.. قريتي مثلها مثل باقي القرى العمانية تجد النساء يعملن إلى جانب الرجال في زراعة الأرض وحصاد محاصيلها، فعندما أعود بذاكرتي إلى سنوات طفولتنا التي مضت حين نستيقظ منذ الصباح الباكر لنتسابق إلى المزرعة، نقضي نصف يومنا نلهو بين نخيلها.. وجدتي تعمل يدًا بيد إلى جانب جدي في حراثة الأرض وزراعتها بكافة أنواع المحاصيل من خضروات وفواكه وأعلاف دون كلل أو ملل، وبالرغم من رحيل جدي منذ سنوات عدة إلا أنّ جدتي ما زالت صامدة كصمود الأرض التي غرست محاصيلها حتى اليوم، وروتها بعرق جبينها وهي مستمتعة حين ترانا نكبر أمام عينيها، والغرس التي غرسته بيدها يكبر معنا. وهذا هو حال الكثير من نساء عمان في الريف.
بالأمس وأنا أتصفح صفحات الفيسبوك، لفت انتباهي عدد من المواضيع ومن بينها رسالة المديرة العامة لليونسكو إيرينا بوكوفا بمناسبة اليوم الدولي للمرأة 2012، قد يكون فات الآوان للاطلاع على مضمون الرسالة ولكن لم تتسن لي الفرصة للاستماع لها في وقتها أو حتى الاطلاع عليها سلفًا، أعجبني طرح ومضامين الرسالة، وما أثار إعجابي عبارتها التي قالت فيها: " كثيراً ما تتعرض النساء في المناطق الريفية للتهميش ويواجهن تحديات كبيرة تعيق ممارستهنّ لحقوقهنّ الإنسانية وتقدمهنّ الشخصي وسعيهنّ إلى تحقيق تطلعاتهن"، هذه العبارة أثارت في ذهني تساؤلات عدة حول المفارقة بين المرأة الريفية في السلطنة والاهتمام التي تحظى به في وطني عمان.. وبين حال المرأة الريفية في بعض الدول الأخرى.
إنّ الأسر الريفية التي تقودها امرأة هي من ضمن الأسر الأكثر هشاشة من بين الـ1.4 مليار نسمة في العالم الذين يعيشون في حالات فقر في الدول النامية. وتشكل النساء والفتيات 60% من نسبة الأشخاص الذين يعانون من الجوع المزمن في جميع أنحاء العالم.
في المقابل نجد أنّ المرأة الريفية العمانية كلما تقدمنا خطوة للإمام تحظى باهتمام وعناية خاصة في شتى المجالات، من تعليم وصحة وحياة أسرية واجتماعية ومسكن، حيث تشارك في العديد من مناطق السلطنة بالأعمال اليومية في الزراعة والثروة الحيوانية، وقد سجلت تواجدًا أعلى من الرجل في العديد من المجالات الزراعية. حيث إنّ ما نسبته 65.6 % من إجمالي النساء الريفيات يعملن في الزراعة والتربية الحيوانية كما أنّ أغلبيتهن ينتمين إلى الفئة ذات الإمكانات المتواضعة من حيث مساحة المزرعة والمعدات والموارد، ويعتمدن على إنتاج المزرعة كمصدر أساسي ووحيد لدخل الأسرة.
وانطلاقًا من هده الحقيقة فقد برز اهتمام وزارة الزراعة والثروة السمكيّة بالمرأة الريفية من خلال إنشاء قسم المرأة الريفية عام 1996م، حيث اختص هذا القسم بتفعيل دور المرأة في المجال الزراعي، وحل المشاكل التي تعترضها في هذا المجال، وقد تم تطوير القسم إلى دائرة في نهاية عام 1999م بالقرار الوزاري رقم 87/99 وأدرجت اختصاصاتها ضمن اختصاصات الوزارة في هيكلها التنظيمي الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 83/99. وتعمل الدائرة على جعل تنمية وتطوير المرأة الريفية هدفًا واقعًا، وذلك من خلال تنفيذ العديد من البرامج والأنشطة الهادفة إلى تنمية دور المرأة في المجتمع الريفي وإبراز دوره الإنتاجي حتى يساهم بشكل كبير في الدخل الاقتصادي للأسرة العمانية.
هذا وكما تشير الدراسات إلى أنّ النساء في الريف في بعض من الدول يواجهن أعلى معدلات الفقر التعليمي في العالم. وتقدر اليونسكو أنّ 80 في المائة من مجموع الأطفال غير الملتحقين بالمدارس والذي يبلغ عددهم 67 مليونًا، يعيشون في مناطق ريفية، وأغلبيتهم من الفتيات. ويشكلن الفتيات من الأسر الريفية الفقيرة الفئة الاجتماعية الأقل حظًا بالالتحاق بالمدارس أو بالحصول على فرص التعليم. كما أنّ معدلات الأمية في المناطق الريفية هي تقريبًا ضعف ما هي عليه في المناطق الحضرية، وأعلاها لدى النساء. فهذه أمور تعيق التقدم نحو تحقيق أهداف التنمية كما تحول دون نمو اقتصادي جاد في المناطق الريفية. وبالتالي فإنّ تحسين التعليم للنساء في هذه المناطق هي مسألة ضرورية لتحقيق المساواة بين الجنسين والقضاء على الفقر فيها.
همسة للمرأة الريفية العمانية...
المرأة العمانية الريفية.. حاضرة بعطائها بالأمس.. واليوم.. والحاضر
فهي الأم التي روت الأرض بعرق جبينها.. وأرياف عمان تشهد لها..
بوركت أيديكنّ على حسن صنيعكن..