بسم الله الرحمن الرحيم
أضحى التنائي بديلا من تدانينا --- وناب عن طيب لقيانا تجافينا
غيظ العدى من تساقينا الهوى فدعوا --- بأن نغص فقال الدهر آمينا
فانحل ما كان معقودا بأنفسنا --- وأنبتّ ما كان موصولا بأيدينا
بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا --- شوقا إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا --- يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت --- سودا وكانت بكم بيضا ليالينا
{ ساعة الوداع } ما أشق هذه الكلمة على النفوس وما أشد حرارتها على الأفئدة ـ إنها الساعة التي تفترق فيها القلوب المتحابة وينقطع معها حبل الوصل ، وأيام الأنس وليالي الألفة .
مددت إلى التوديع كفا ضعيفة --- وأخرى على الرمضاء فوق فؤادي
فلا كان هذا آخر العهد منكمو --- ولا كان ذا التوديع آخر زادي
{ ساعة الوداع } هي الساعة التي لا تُنسى ، واللوعة التي لا تبلى ، والحرقة التي لا تبرد نار تلهب الأحشاء ، ودموع تحرق الوجنات ، وعيون تنثر العبرات ، استمع معي إلى هذه الأبيات وضع يدك على قلبك ، واترك النطق لدمعك :
فوالله لا أنسى مدى الدهر قولها --- ونحن على حدّ الوداع وقوف
وللنار من تحت الضلوع تلهّب --- وللماء من فوق الخدود وكيفُ
ألا قاتل الله الصّروف فإنما --- تفرّق بين الصاحبين صُروفُ
هذه هي ساعة الوداع وتلك هي لحظات الفراق ، يضعف فيها الأقوياء ، وينهار لهولها الأشداء .
ضعُفتْ عن التسليم يوم فراقنا --- فودّعتها بالطرف والعين تدمعُ
وأمسكتُ عن رد السلام فمن رأى --- مُحباً بطرف العين قبلي يودّع ؟
رأيت سيوف البين عند فراقنا --- بأيدي جنود الشوق بالموت تلمعُ
عليك سلام الله مني مُضاعفا --- إلى أن تغيب الشمس من حيث تطلع
ولله در القائل :
ولما وقفنا للوداع وقلبها --- وقلبي يفيضان الصبابة والوجدا
بكت لؤلؤا رطبا وفاضت مدامعي --- عقيقا فصار الكل في نحرها عقدا
وما أروع ما قاله الآخر :
لم يبكني إلا حديث فراقكم --- لما أسرّ به إليّ مودّعي
هو ذلك الدر الذي أودعتم --- في مسمعي أجريته في مدمعي
{ ساعة الوداع } أمضى من السيف حسما ، وأوقع من الحمى ألما . إنها مفرّقة الأصحاب ، ومبعثرة الأحباب . فيها تسخو الدموع ، وتجود الجفون ، وتكتوي الوجنات بحرارة العبرات فيها يخفق الفؤاد ألما ، وتحترق النفوس ندما . فيا لله كم أحرقت من كبد رطبة ، وكم أرهقت من قلب محب وكم أبكت من مقلة هادئة . كم أضرمت في الأحشاء نارا ، وألهبت في الصدور سعيرا .
إذا أحرقت في القلب موضع سُكْناها --- فمن ذا الذي من بعدُ يكرم مثواها ؟
وإنْ نزفتْ ماء العيون بهجرها --- فمن أيّ عين تأملُ العين سقياها
وما الدمع يوم البين إلا لآليء --- على الرسم في رسم الديار نثرناها
ولما وقفنا للوداع وترجمتْ --- لعيني عما في الضمائر عيناها
بدتْ صورة في هيكل فلو أننا --- نَدينُ بأديان النصارى عبدناها
وما طربا صُغنا القريض وإنما --- جلا اليوم مِرآة القرائح مرآها
يتبع