كان هذا الغصن رطيبا

    • كان هذا الغصن رطيبا

      بسم الله الرحمن الرحيم





      · إن كبر عقلك ، فأصبح يعلمك ما لم تعلم ، واتسع خيالك ، فبات يلقي عليك من الصور البديعة ما يلذه ذوقك ، فأنت ما بين أستاذ يمحض نصيحته ، ونديم لا تمل صحبته .


      · يعلمك الأستاذ كيف تغوص في عميق البحار ، ويريك نموذجا من الدر يتميز بينه وبين الأحجار ، وهمتك تخلد بك إلى الإملاق ، أو تجعلك المجلي في حلبة السباق .


      · سميت الاستخاف بالشرع حرية ، فقلت : برع في فن المجاز ، وتهكم بمن أصبح عبدا للهوى ، وسميت النفاق كياسة ، فقلت : خان الفضيلة في اسمها ، أو خانه النظر في فهمها .


      · تنظر النفس في سيرة الرجل العظيم كما تنظر العين في الزجاجة النقية ، فتدرك مساويها ، أفلا تصنع بمآثرك الحميدة مرآة يبصر بها الناشئ بعدك صورته الروحية فيصلحها .


      · سرت والنور أمامك ، فانطلق ظلك على أثرك ، ثم وليته قفاك ، فكان الظل يسعى وأنت على أثره ، وهكذا العقل ، يتقبل فيتبعه الخيال ، فإذا أدبر عنها انقلب الخيال إلى الأمام ، وقاده في شُعب الباطل بغير لجام .


      · هذه الدنيا كالعدسة الزجاجية في الآلة المصورة ، تضع الرأس بموطئ القد ، وترفع القدم مكان الرأس . فزنوا الرجل بمآثره لا بما يبدو لكم من مظاهره .


      · حسبت العلم ضلالا فناديت إلى الجهل ، وآخر يزعم التقوى بلهاً فكان داعية الفجور ، ولولا ما تلقيناه في سبيلنا من هذه الأرجاس ، لكنا خير أمة أخرجت للناس .


      · ربما كان صانع الأسنة أرق عاطفة من الطبيب ، والسفيه أحفظ للحكم البالغة من الأديب ، ولكني أطلب نفس الرجل حثيثا ، وأناجيها فلا تكتمني حديثا .


      · كان هذا الغصن رطيبا ، وعيش البلبل به خصيبا ولكنه سحب عليه ذيل الخيلاء ، فأصبح يتقلب في ذلك البلاء ، ويرتجف كما ترتجف اليد الشلاء .


      · العفاف نور تستمده النفس من مطلع العقل ، فإن ضرب عليها الهوى بخيمته السوداء ، خسفت كما يخسف القمر إذا حجزت الأرض بينه وبين الشمس .


      · ينزوي البحر فتضع السفينة صدرها على التراب ؛ وينبسط فتمر على الماء مر السحاب والعقل يظل في موقعه من النفس طريحا ، فإن فاضت عليه الحكمة سار في سبيل النظر عنقا فسيحا .


      · إن تخبطك السفه أهانوك ، وإن قعد ك البله أعانوك ، لأنك تستطيع أن تكون تقيا ، وليس في يدك أن تكون ألمعيا .


      · تتجلى فضيلتك فتنسج في هذه النفس عاطفة أرق من النسيم ، وتوقد في أخرى حسدا أحرّ من الجحيم ، وكذلك المزن ينسكب على أرض ، فتبتسم بثغر الأقحوان ، وينزل على أخرى . فتقطّب بجبهة من حَسَك السعدان .


      · جنيت وردة لأخلصها من الشوك الذي يساورها من كل جانب ، فما لبث أن طفئت بهجتها ، وسكنت أنفاسها ؛ فعلمت أن النفوس الزاكية لا تتخلص من النوائب إلا يوم تموت .


      · الشر نار كامنة في قلوب تحملها صدور المستبدين ، فإن قدحتها بنقد سياستهم كانت لها قوتا ، إلا أن تكون بإخلاصك وحكمتك البالغة ياقوتا .


      · إذا قلت في السياسة ما لا تفعل ، أو همتَ في واد لا تعرج فيه على حقيقة فانفض ثوبك من غبارها ؛ فإنه ليس من الغبار الذي يصيبك في سبيل الله .


      · إنما يقطف الفيلسوف من المنافع ما تتفتق عنه أكمام الحقيقة ، ولا يعرج السياسي بنظره على الحقائق إلا إذا أطلت عليه المنفعة من ورائها .


      · لا تجادل المعاند قبل أن يأخذ الاستهزاء به في نفسك مكان الغضب عليه ؛ فالغضب دخان يتجهم به وجه الحجة المستنيرة ، وابتسام التهكم برقه يخطف البصر قبل أن تقع صاعقة البرهان على البصيرة .








      وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم