
مسعود الحمداني-
هذه الأرواح التي تزهق كل يوم في (نعوش) شوارعنا، من يتحمّل وزرها؟..هذه الأنفس البريئة والطاهرة التي تذهب إلى بارئها مغلّفة بالدم ومغسولة بالدموع والحزن من المسؤول عن وأدها في مهد الطرق؟..هذه البيوت التي أظلمت بعد فرح، والأيتام الذين ازداد عددهم في البلاد، والأرامل اللواتي ثُكلن بأحباب أرواحهنّ، والأمهات اللواتي التحفن السواد وفقدن أطفالهنّ وفلذات أكبادهنّ من المسؤول عنهنّ؟..هذه المستشفيات التي غصّت بالمصابين في الحوادث نتيجة سائق أرعن، وهؤلاء الذين فقدوا أطرافهم وكأنهم قدموا من حرب مقدّسة من الذي يتحمل مآسيهم؟..
جهات عديدة تتحمّل المسؤولية بداية من الشرطة وإجراءاتها غير الكافية، مرورا بالطرقات ومواصفاتها، انتقالا إلى السائقين ووعيهم، ذهابا إلى الإعلام وطرحه، وليس انتهاءً بمواصفات السيّارات التي تصل إلينا وكأنّها علب كرتونية، حيث زادت الكماليات فيها وقلّت درجة السلامة.
امنعوا الشاحنات من الحركة على الشوارع السريعة، شدّدوا الغرامات عليها، وعلى كل سيّارة تحمل أرقاما حمراء، كسيارات الأجرة، وحافلات النقل الجماعي، وسيّارات التأجير، وكافة السيّارات التي لا يملكها سائقوها، لأنّهم الأكثر استهتارا بأرواح غيرهم.
ترى الشاحنة وهي تدخل أمامك في الدوار غير عابئة بك ولا بالسيّارات الصغيرة، لأنّ سائقيها يعرفون أنّهم بمأمن من الحوادث، وأنّ السائقين الآخرين سيقفون رغمًا عن أنوفهم، تراها وهي تسابق السيّارات الأخرى، وتحمل شحنات زائدة عن حمولتها القانونية، وترى سيّارات أخرى محمّلة بأي شيء لا يخطر على بالك دون أن تتخذ احتياطات السلامة، ودون وضع سياج أو أي واقٍ احترازي، فتسقط في أحيان كثيرة أمامك الأخشاب أو الإطارات أو المفروشات أو أي شحنة قد تحملها، وعليك أنت أن تتحمّل تبعات ذلك.
شاحنات تجوب المكان محمّلة بالموت أحيانًا، تخطف الأرواح بالجملة، دون أن يرّف لأصحابها جفن، ودون أن تتدخل السلطات لوضع حد لتحركها على الشوارع المزدحمة، وإنشاء طرق بديلة خاصة بها وبكوارثها، تراها أحيانا تسابق الريح وتسبق المركبات الصغيرة، وكأنها في حلبة سبّاق، لا يوجد فيه غيرها، وتشكّل فيلم رعب حقيقي كلما حاولت تجاوزها، بل ازداد خطرها في الوقت الحالي حيث معظم طرقات السلطنة الرئيسية تحت التصليح، حيث تجد الشاحنات تزحم الطريق، وتمسك قلبك وروحك بيدك حين تهم بتجاوزها وهي تترنح أمامك لا يكاد يسعها الشارع الضيق.
حافلات نقل جماعيّ تطير براكبيها تطوي الطريق طي السجّل للكتب، ذاهبة بهم إلى الدول المجاورة، دون أن يكترث سائقها بأرواح راكبيها الذين يتشبثون بالكراسي طيلة الرحلة، وتتجاوز سرعتها المائة وستين أوثمانين كيلو مترا، رغم المطالبات بتحديد سرعة هذه الحافلات، ومراقبتها مركزيًا من قبل الشركة المالكة، كما تفعل بعض شركات النفط لرقابة سيّاراتها.
سيّارات ترد إلى سوق السلطنة ذات مواصفات ورقية، تُباع في السوق بعشرات الآلآف، وهي لا تكاد تتحمّل لكمة طفل، تراها لقمة واحدة في أقل حادث مروري، وسيّارات تحترق في الشارع دون أن تتدخل السلطات المختصة لمنع استيرادها، أو مخاطبة الدول المصنّعة بضرورة التقيّد بمواصفات معينة في دولة حراراتها تصل إلى الخمسين درجة مئوية أحيانًا.
الكثير من المشاهد المؤلمة التي نرصدها كل يوم، ونراها ككابوس يجثم على صدور شوارعنا، ويجز رقاب مواطنينا، نُذهل من مآسي الطرق، والحوادث الجماعية التي يكون ضحاياها أسرة كاملة، أو عدة أفراد، وكأننا أمام سيارات مفخخة، ولكن بعد أن يهدأ الوضع، وتتلاشى الصدمة، تذهب صرخات الاستغاثة أدراج الرياح.
وقانا الله وإيّاكم شرور الطريق
Samawat2004@live.com