الغريب (حكايةٌ لما تروها الجدات) - جديد وليد النبهاني

    • الغريب (حكايةٌ لما تروها الجدات) - جديد وليد النبهاني



      الغريب





      * إلى محمد الحبسي وطالب العبري: غريبان قبل غربتهما الغريبة!



      لست غريباً على أحد هنا. فأنتم تسموني (فلج العلاية). وأنا أعرف ما أفعله جيداً. أمي تغذيني بالمياه فأرسله إلى المزارع لتروى به الأشجار. هذا ما كنت أفعله والآن صرت أروي القصص العجيبة التي لا يصدقها البشر رغم أني كنت شاهداً عليها. لكنني لن أتوقف عما تسمونه "ثرثرة فلج عجوز". سأموت يوماً ما وربما لن أعود إلى الحياة مجدداً بعد أن عدت إليها من قبل في قصة عجيبة لم يرها أي منكم ولم تروِها جداتكم ولم يخبركم آباؤكم عنها عندما علموكم كيف تلعبون هذه اللعبة التي تتسلون بها الآن على جدران (مجازتي).
      كنت شاباً مليئا بالعنفوان قبل مئتي عام، أنجز أعمالي بدقة وانتظام. ثم حلت الكارثة. هامة ذات سبعة رؤوس احتلتني. حبست مياهي عن (العلاية). فتوقفت الحياة فيّ وفيها. نعم لقد متّ. والأفلاج تموت إذا ما حلت الكوارث بها. لم يدر أحد من أين جاءت تلك الهامة. كان هناك مسجد تمر ساقيتي بجواره. ويغتسل منها المصلون. وكان على البلدة شيخ يعيش في بيتٍ عوْد. وللشيخ بنت جميلة رفضت الزواج بمن تقدم لخطبتها من أهل البلدة. كانت وحيدة أبيها توفيت أمها بعد ولادتها بقليل. وكان في عداء مع شيخ بلدة السفالة الذي كان راعياً قبل ذلك لشيخها السابق الذي مات في ظروف غامضة ولم يترك سوى فتى يحب خيله أكثر من أي شيء آخر. فتزوج هذا الراعي زوجة الشيخ المتوفى وصار شيخاً على السفالة. ولم يعرف لفتى الخيل أثر بعد ذلك.
      يقولون إن الفتى ظل هائماً على وجهه بعد أن انتزع الراعي كبد خيله ليشفي بها زوجة الشيخ المريضة بعد أن أوهمها أنه (مْعلّم) حاذق وأن سبب مرضها في الخيل المتلبسة بالجن والتي كانت تتكلم كالإنس. ويقولون إن الراعي حين كان يسرح الغنم والشياة في المرعى كان يلتقي جناً في مغارة بالوادي. وبفعل سحره الذي لقنه إياه شياطينه وصل إلى ما وصل إليه. أؤكد لكم أن هذا الكلام صحيح. فأنا فلج غيلي ترويني مياه الوادي الذي أخبرني بما كان يحصل في مغارته. لم أخبر أحداً بما حدث لأني لم أكن أعلم أن الكارثة سوف تصل إلى العلاية.
      لم يكن بالسفالة فلج مثلي. فقد كانت بلدة صغيرة أشبه بتجمعات شوان قرب مكامن المياه الشحيحة. وكان أهلها يستقون من الطويان ويروون بها أغنامهم وشياههم. لم يهتم شيخها الجديد بعمارة الأفلاج كما اهتم بعمارة بيته العود. وحين أراد استطناء بضع نخلات من العلاية رفض شيخها ذلك بحجة أنهم لا يطني نخيله لأشباه الشيوخ. وفي اليوم التالي انقطعت مياهي عن العلاية. كأن سيفاً بتر شريانها. لم يعرفوا السبب في البدء وحين تتبعوا الأمر وجدوا هامة ضخمة ذات سبعة رؤوس مستلقية في اللجل.
      هكذا متّ زمناً طويلاً. وأوشكت العلاية على الموت مثلي. إذ اشترطت الهامة لعودتي إلى الحياة أن يقدموا لها قرابين. مرجل عيش وذبيحة كاملة وبنت عذراء. رفضوا كلهم في أول الأمر. وما إن رأوا موت نخيلهم حتى عدلوا عن قرارهم. بدأوا بالتخلي عن بناتهم واحداً واحداً. لم أعد إلى الحياة حقاً. كنت كسجين يعذَّب بإغراق رأسه في الماء مراراً. فما إن تأخذ الهامة قربانها حتى تعود إلى خنقي مجدداً بالجلوس على اللجل.
      كنت شاهداً على كل شيء رغم اختناقي. لم يكن أهل العلاية رعاة كأهالي السفالة. ولذلك اضطروا إلى شراء الأغنام والشياه من السفالة بعد أن نفد ما كانوا يربونه من مواشي. كانت العلاية تهوي كما تهوي الدلاء في الطويان الميتة فلا تعود بالماء. وكان جشع الهامة يزداد كل يوم. لم أكن لأموت وحدي. فقد مات عشاق كثر وهم يتذكرون مواعيدهم السرية بقرب السواقي مع حبيباتهم القرابين في سبيل حياة لن تلبث أن تموت. هجر كثيرون العلاية وراح شبانها يتزوجون من بنات القرى المجاورة. ولم يبق فيها إلا شاب لا يعرف أصله.
      حل في البلدة منذ سنتين وعمل "جفافاً للمواقد". ولأنه كان غريبا لم يهتم بالرحيل عن العلاية. فلا أهل له يرحل إليهم. ولا يمكن أن يزوجه أهل العلاية بإحدى بناتهم لوضاعة أصله وحقارة مهنته. كان شاباً فارع الطول ملامحه حزينة تبعث الأسى في كل من يتأملها. لم يكن للغريب مكان يأوي إليه. وحين كان يخدم في البيت العود لفترة متأخرة من الليل لا يسمح له شيخ العلاية بالمبيت في العراء. فيطلب الغريب من الشيخ أن ينام في الإسطبل ليذهب ما كان به من حزن في الوادي.
      أخبرني الوادي أنه دائما ما يرى جفّاف المواقد يبكي بحرقة على دك تراب. وأنه كان يسقي ذلك الدك كما لو كان شجرة خضراء. ويزينه بالحجارة التي يجمعها من بطون الوادي. كانت الحجارة المغروزة في الدك أشبه بشكل جمل أو خيل كبيرة. بكاؤه حزين كالتغرود الذي يقوله الحداة على ظهور الخيل. ما إن ينهي تغروده حتى يعود إلى العلاية غاسلا حزنه بكمّ دشداشته.
      توقف الزمن في العلاية أو كاد. وبانت تجاعيدها بعد أن أصبحت مليئة بالعجائز والكهول. وجاء دور شيخها في تقديم القربان للهامة. لم ينزعج جفاف المواقد حين رأى ابنة الشيخ تبكي بحرقة أمام ساقيتي والمرجل يتصاعد منه بخار العيش الناضج للتو. كان صامتاً يراقب المشهد بلا مبالاة حتى أقبل الشيخ يقود خيله ممسكاً بخنجره كي ينحرها أمام الهامة.
      انتفض الشاب وأمسك يد الشيخ قبل أن تفعلها. وما إن خرجت الهامة برؤوسها السبعة حتى ولى الشيخ هاربا تاركاً ابنته لمصيرها المؤلم. وكما لو كان عملاً من أعمال الجن رمى الغريب الفتاة على ظهر الخيل لتركض بها بعيداً.
      "يا غريب كون أديب" ترجرج الماء حين ظهر أحد الرؤوس السبعة مخاطبا الشاب.
      تناول الشاب الخنجر فنحر الرأس ثم قطعه.
      "يا غريب كون أديب" لم يفد تهديد الرأس السابعة في ألا يلحق بالرؤوس الستة التي تساقطت على ساقيتي ملوثة مائي بالدم. اعتلى الشاب ساقيتي واضعا رجليه على كلتا ضفتيّ ثم رمى بنفسه في اللجل مصوبا خنجره بدقة في كبد الهامة.
      اندفعت مياهي القانية حتى فاضت السواقي كما يحدث في كل مرة يجري فيها الوادي. ظلت الحمرة تصبغ مياهي لأسبوع. لم تكن عودتي إلى الحياة هي ما أعاد شبان العلاية إليها بل قرار شيخ الحارة بتزويج ابنته الوحيدة لمن قتل الهامة. كلهم ادعى أنه هو من قتل الهامة وراح يقفز على جدار المسجد حيث طبع (جفّاف المواقد) كفه التي اصطبغت بدم كبد الهامة. كانوا كمن يجرب فردة حذاء لا تسع رجله الصغيرة.
      كنت الشاهد الوحيد على ما فعله الشاب الغريب جفّاف المواقد بالهامة. حين أمسك بكبد الهامة وضرج يده بدمائها ليعتلي جدار المسجد ويعلق عليه الحقيقة التي لم يصل إليها أحد سواي. لم تتزوج ابنة الشيخ بأحد بعد ذلك وظلت منتظرة فارسها الذي هرب بخيل أبيها بعيداً دون أن يفكر بأخذ ثأر أبيه من الراعي الذي أكل كبد خيله فدفنها في بطن الوادي.
      هذه هي القصة وأنتم يا صبيان العلاية - بعد خمسين عاماً من تلك الحادثة - تلهون بلعبة أسماها آباؤكم زوراً (الجدار). علّموكم كيف تأخذون قبضة طين ثم تقفزون قفزة لا يستطيع خصومكم الوصول إليها. أما إذا وصل إليها خصومكم بالحيلة والمكر فتنعتونه (بالسفلة) وتضربونه إلى أن تصلوا به أطلال البلدة القديمة التي كانت تدعى السفالة والتي هجرت بعد موت شيخها المفاجئ في قصة أخرى عجيبة سأرويها لكم يوماً ما.


      وليد النبهاني




      المصدر : مدونة وليد النبهاني