رحــــــــــــــلـــــــــــة الأرواح

    • رحــــــــــــــلـــــــــــة الأرواح

      بسم الله الرحمن الرحيم
      الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...آما بعد
      تعالوا إخوتي الأفاضل نبحر سوياً في رحلة إيمانية نبحر فيها بأرواحنا قبل الأجساد لنتخلص بها من هموم الدنيا وغمومها ننسى معها كل المشغلات ننسى معها التحالف الدولي الذي يتربص بنا جهة اليمين وجهة الشمال كما كان حال المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال أن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة.
      نعم إخوتي الأفاضل إنها الصلاة التي قال عنها المصطفى صلى الله « يَا بِلاَلُ أَقِمِ الصَّلاَةَ أَرِحْنَا بِهَا ».
      إنها الصلة بين العبد وربه ومن عظمها أن جميع الفرائض فرضت على الأرض إلا الصلاة فرضت في السماء ليلة عرج بالمصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إلى السماء.
      ومن فضائل الصلاة أن جميع العبادات قد تسقط عن العبد بشروط عدا شهادة التوحيد والصلاة.
      فالصيام قد يسقط في حال المرض أو السفر ويقضى فيما بعد والحج مرهون بالإستطاعة والزكاة مشروطة بحلول الحول وبلوغ النصاب أما الصلاة فقد تسقط بعض صفاتها لكنها لا تسقط بالكلية والأصل في الصلاة أن يصلي واقفاً فإن لم يستطع لمرض أو غيره صلى جالساً فإن لم يستطع صلى على جنبه فإن لم يستطع صلى مضطجعاً حتى أنه يوميء بها.
      ومن عظمة الصلاة أنها لم تسقط حتى في حال الحرب التي لا يثبت فيها إلا من ثبته الله:" وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا"
      وقد رغب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ورهب في شأن الصلاة.ومن الترغيب كما عند البخاري من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ ، يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا ، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ » . قَالُوا لاَ يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا . قَالَ « فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الْخَطَايَا » .
      ومما رهب به في شأن الصلاة الحديث عند الترمذي من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الْعَهْدُ الَّذِى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ».

      الأنبياء والصلاة.
      وفي كتاب الله شأن عظيم للأنبياء مع الصلاة فهاهو موسى عليه الصلاة والسلام يخرج بأهله متجهاً إلى مصر فتحاصره ظلمات اليل فيلوح له النور ولما وصله كان ذلك الخطاب العظيم من رب السماوات والأرض وأول الخطاب:"إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي"
      وهذه مريم ابنة عمران الصديقة تغيب عن قومها ثم تأتيهم بغلام يسألون عن خبره فتشير إليه فيجيبهم الرضيع:"قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا*وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا"
      وهذا زكريا عليه الصلاة والسلام يدخل على مريم فيجد عندها الطعام فيسأل عن شأنه فتجيب أنه من عند الله فيفزع إلى الصلاة فيأتيه الفرج بعد أن حرم الولد:"فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ"
      وهاهو الخليل عليه الصلاة والسلام إمام التوحيد يترك زوجته ورضيعه في وادي ليس فيه زرع أو بشر فيدعوا لهم بتلك الدعوات الصادقات:"رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ"
      ولما كانت إقامة الصلاة أصل ثابت عند الأنبياء إمتدح الله أسماعيل عليه الصلاة والسلام بأمره لأهله بإقامة الصلاة:"وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا*وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا"
      وفي سورة مريم وبعد أن ساق المولى العزيز بعض من أخبار الأنبياء وصف حال من بعدهم فقال:"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا"
      وهذا هو حالنا إخوتي الأفاضل إلا من رحم الله فكثير ممن يرى أنه من المصلين أصبحت الصلاة عنده عادة أكثر من كونها عبادة فلا ترى لصلاته خشوعاً ولا خضوعاً إنما هي حركات إعتاد أدائها في أوقات معينة بينما الأصل في الصلاة ما أخبر عنه رب العزة:"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ"
      وعند مسلم من حديث إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ فَدَعَا بِطَهُورٍ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلاَّ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ ».
      فما بالكم إخوتي الأفاضل بمن لا يصلي نهائياً أو يصلي بعض الصلوات ويترك البعض وقد توعدهم المولى عزوجل بعقوبة في الدنيا والآخرة فقال:"وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى*قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا*قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى"
      وقد أفتى علماء المسلمين بكفر من ترك الصلاة كفر مخرج عن الملة لقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم« الْعَهْدُ الَّذِى بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ ».
      ومن الأمور الواجبة في الصلاة أن تشهد مع جماعة المسلمين وقد توعد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من يتخلف عن صلاة الجماعة فقال « لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ » . البخاري
      فهذه دعوة لي ولكم إخوتي الأفاضل لنرحل يومياً إلى الله خمس مرات بأرواحنا قبل أجسامنا في رحلة الأرواح.
      أسئل المولى القدير أن يجعلني وأياكم من المقيمين للصلاة المحافظين على خشوعها وركوعها.