يوم رحيل الشيخ عدون بوادي ميزاب

    • يوم رحيل الشيخ عدون بوادي ميزاب

      إيه ياشيخنا.....
      الحمد لله الذي دانت له السماوات، وخشعت لجلاله الكائنات، ورضيت بقضائه النفوس المطمئنات، والصلاة والسلام على من أبى الخلود في دنيا الحياة، وكانت نفسه طلعة إلى اللحاق بالرفيق الأعلى في الخالدات.
      أيها الملأ الكريم من قومي السراة، و يا حظوةَ الأمة الأباة، و يا صفوةَ الأحبة الهداة، سلام عليكم تكنه الجوانح من رب غفور ، و رحمة شاملة تحفها المدائح من برّ شكور، و بركة سابغة تذروها الصفائح من قوي قدير، في يوم عيد سعيد سعدت بطلعته السماوات، و يوم جائزة جديد نرجوها بعد الأيام المعدودات، و ساعة عسرة رجت لها القلوب الساجدات، و فقد عزيز أبرَّ أضحى ذكرا في الخالدات.
      معشر السادة الأعزاء إنكم لتلتقون في يومكم هذا و في شهركم هذا و في عامكم هذا و في بلدكم هذا لقاء المحبة و المغافرة، و لقاء التضحية و المصابرة، و لقاء الوفاء و المشاورة، و قد جاء القوم رجالا و على كل ضامر من كل حدب ينسلون ليشهدوا منافع لهم، و يذكروا العهد الذي تحملوه ممن كان قبلهم ، و لكن اللقاء العام لم يكن كعادته، و المشهدَ لم يصر كعهدته، و المحفلَ لم تكتمل روعته، و العقد لم تنضد واسطته، و العرش لم يرصع تاجه، إذ الكل في حزن لفراق أبيه، و أسى لغيبة مربيه، و حسرة لفقد مسجيه، و كان قد غاب عنا في العام الفارط ضجيعا في عيادة الواحات فسلينا أنفسنا بمقولة الفاروق عمر يوم وفاة خير البشر، و الله ما مات محمد و لكنه غاب و سيعود كما غاب موسى لما ذهب إلى ميقات ربه في الطور، و لكنه اليوم دفين إلى جوار الأموات و صار عزاؤنا فيه مقولة الصديق أبي بكر يوم فقد صديق العمر من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات و من كان يعبد الله فإن الله حي دائم لا يموت. فكيف يطيب اللقاء دونك يا سعيد، و كيف تسكن النفوس بعدك يا شهيد، وقد كنت طوال عمرك المديد دوما لنا الأملَ المديد، و لا زلت حتما في الأفقَ الفجر الجديد، و السراجَ الذي ينير الدرب في اليوم الشديد
      كأن بني نبهان يوم مصابه نجوم سماء خرّ من بينهـا البـدر
      كنا كأنجم ليل بينها قمـر يجلو الدجى فهوى من بينها القمر
      ألا رحماك أبانا، لكم كنت ظلا على القوم ظليلا، و يا بشراك شيخنا لكم حنوت على الجمع عطفا جزيلا، و يا سعداك مولانا لكم أسديت إلى المحفل رأيا جليلا، لقد كنت الملاذ في معترك الأهواء، و الفصل في مشتجر الآراء، و البلسم في موضع الداء، وما كانت تصدر إلا عن ضوئك الأضواء
      ذهب الصواب برأيه فكأنما آراؤه اشتقـت من التأييد
      فإذا دجا خطب تبلج رأيه صبحا من التوفيق و التأييد
      فهل نرى لك من باقية، تكون لنا من بعدك واقية، و لأسقامنا من نفثك راقية، هذا الذي تهفو إليه نفوسنا، و ترنو إليه قلوبنا، و تسعى إليه جموعنا، مستمسكة بحبل الله المتين، معتصمة بنور كتابه المبين.
      إذا ذكرتك يوما قلت واحزنــا و ما يرد عليك القولَ واحزنــا
      يا سيدي و مزاج الروح في جسدي هلا دنا الموت مني حين منك دنـا
      يا أطيب الناس روحا ضمــه بدن أستودع الله ذاك الروح و البدنـا
      لو كنت أعطى به الدنيا معاوضـة منه لما كانت الدنيــا له ثمنــا
      أيها الأحبة الأكارم: لقد تلبد الأفق بالغمام، وامتدت الأيدي إلى سحب البساط من تحت الأقدام. و إن جموع أمتكم من خلفكم تتابع عن كثب ملتقى السقيفة،و ترقب في لهف كتابة الوثيقة، و تتشوف في شوق إلى تعيين الخليفة، فبادروا و الله يرعاكم بكل خبرة و لطيفة بالحسم قبل أن تتفرق الجموع لفيفا، غير أني أريد أن ألفت الأذهان إلى أن فقيدنا تغمده الله بسابغ آلائه كان لا يخشى على الزعامة سوى أمرين اثنين و كلاهما مرّ، و ليس سواهما يضرّ
      أما أولهما فأن يتنافس عليها رجال في غير كفاية و شديد محال، فينداح صرح المعالي إلى مراتع الأوحال، فارقب عندها الزوال، و هذا ما عبر عنه الحكيم في بيتين حفظتهما عن المرحوم يوما إذ قال
      كن عالما وارض بصف النعال و لا تكن بدرا بغير كمــال
      إذا تصــدرت من غير آلة صيرت ذاك الصدر صف النعال
      أما ثانيهما أن تتدافعها الصفوة من الأمة، و أن تفتقر إلى من يتلقف الراية من الأفذاذ، فيسعى إلى الصدارة من القوم الشذاذ، فأبشر يومها بيوم المعاذ، و هذا ما عبر عنه عظيم في بيتين حفظتهما أيضا عن الزعيم إذ قال
      لعمر أبيك ما نسب المعلى إلى كرم و في الدنيا كريم
      و لكن البلاد إذا اقشعرت و صوّح نبتها رعي الهشيم
      فلنحسن لربنا القصد، فلنصدق لفقيدنا العهد، و لنبذل لخير أمتنا الجهد،

      إيه يا شيخنا المرحوم، و يا أبانا الرحيم، كم كان الرجاء فيك حثيثا لحضور يوم التمام، و كم كان الأمل فيك صادقا لشهود الحفل يقام، و أنت تدشن بيمينك المباركة هذا الصرح العلمي الهام، و تدلف بقدمك الطيبة عتبة هذا المعلم الديني السام، الذي وضعت أسسه في العشرينيات، و رفعت قواعده من جديد و قد تجاوز العمر منك مائة عام . بركة في العمر تالدة، و خَبِيئة من العمل رائدة، زاد ادخرته للخالدة، فنم إلى جوار الصحب آمنا، و استمتع بصفو النعيم في رياض القبر مطمئنا، ولتقر عينك بما قدمت، و ولتهنأ نفسك بمن خلفت، فذكرك صار عمرا ثانيا في الخالدين، و حمدك أضحى لسان صدق في الآخرين

      ولئن لم يكتب لك شيخَنا حضورُ ذلك اليوم المشهود، و البقاءُ إلى ذلك الوقت المعلوم، و قد عالجك الأجل المحتوم و غادرت و في نفسك لهفة و هموم ، فثق بأنا على العهد ذائبون، و على الدرب باقون، و على المشعل محافظون، وللراية السمحاء معلون، و للسيادة القعساء ماضون، و سيكتمل بإذن الله شموخ هذا الصرح، و ستـعلو منارته فوق السطح ، و سيُنشد أبناؤك الجنود بلحن شجي لحن الخلود، و يؤوبون بصوت ندي أنشودة الحفاظ على العهود، و سييردد المعهد صدى اللحن، و ترجع الجبال مدى الصوت، فيغشاك لحنا سنيا في قبرك و قبر من تنام بجواره زعيم الأمة الشيخ بيوض، و صنوه الشيخ ابي اليقظان، و كل من يرقب بعين بصيرة مسيرة هذا المغوار، و يتابع درب هذا المشوار. فالهناء الهناء لك شيخنا، و السعادة السعادة أبانا، لقيانا معك في دار الخلود، هناك يحلو السمر و يطيب السهر في الرياض مع الحور، فتعج الأفئدة بالشكر أبد الدهر
      عدون ما أنت الموّسد في الثرى بل أنت في دار الخلد الخالــد
      و ليت المنية إذ أفدت عمرا بخارجة أفدت سعيدا بما شاءت من البشر
      فعيد مبارك أيها المحفل سعيد، و عمر طويل في حسن عمل مديد، و رأي سديد ينفض عنه الجمع رشيد، و يقين تثبت به الأقدام على الصراط و البصر يومئذ حديد، و رضوان من الله أكبر ما نرجو بعده من مزيد. و قل إعملوا فسيرى الله عملكم ور سوله و المؤمنون و ستردون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

      القرارة صبيحة الثلثاء يوم 3 شوال 1425هـ 16 نوفمبر 2004
      عيسى بن محمد الشيخ بالحاج