19 آب 2013
خطف المرض صباح أمس المخرج المصري الكبير توفيق صالح عن 87 عاماً (1926-2013)، بعدما أعطى السينما المصرية والعربية ما اعطاه من أفلام مهمة طوال فترة زمنية لم تتعدّ الربع قرن، هي فترة نشاطه بين 1955 و1980. وعلّق أحد النقاد على وفاته قائلاً إنه اختار اللحظة المناسبة للرحيل، علماً ان الرجل كان "ميتاً" سينمائياً منذ زمن طويل، وتحديداً منذ 1980، تاريخ تصويره "الأيام الطويلة" بين سوريا والعراق. فهو مذذاك لم يقدّم أيّ جديد، لكنه ظلّ يحافظ على مكانه في الذاكرة السينيفيلية بأفلامه الروائية السبعة (له ايضاً سبعة أفلام قصيرة بعضها روائي وبعضها وثائقي، وعدد من الأفلام التسجيلية)، سواء لدى الجيل الذي عاصره أو الأجيال التي اكتشفت لاحقاً أعمال هذا الفنان الذي يُعتبر أحد رواد الواقعية، ومن القامات الكبرى في السينما المصرية، على غرار صلاح أبو سيف وهنري بركات وكمال الشيخ.
صحيح انه كان مقلاً، لكنه عمل بتأنٍٍّ، وباحترافية عالية قلّت مثيلتها بين زملاء له في المهنة. كان صالح، الدائم الاهتمام بالقضايا الكبرى البعيدة عن الحدوتة الصغيرة، يؤمن بأن "السينما أداة تغيير لا تكريس لتخلّف الواقع ودغدغة مشاعر الجماهير قبل النوم مع كل الأمنيات الطيبة بأحلام سعيدة".
ينحدر هذا الاسكندراني من عائلة تنقلت كثيراً أيام طفولته، اذ كان والده طبيباً يعمل في الحجر الصحي، ما فرض عليه أن يكون في مدن ساحلية مصرية عدة. على مقاعد الدراسة التقى اسكندرانياً آخر يكبره بعشرة أشهر، سيذيع صيته عالمياً: يوسف شاهين. كلٌّ منهما ذهب في اتجاه؛ سافر شاهين الى أميركا وقصد صالح باريس، وكان يجمعهما حبّ السينما. انطلق بدءاً في المسرح مع اخراجه مسرحية لتوفيق الحكيم الذي كان يعشقه، بعدما كان التحق بكلية الآداب لتعلم الأدب الانكليزي. في جمعية الصداقة الفرنسية، عرض مسرحية "رصاصة في القلب" (الحكيم)، وهذا ما جعله ينال منحة لدراسة المسرح في فرنسا.
عام 1954، وبعدما كان قد تمرس من خلال عمله كمساعد مخرج لحسين فوزي، أنجز باكورته الروائية الطويلة، "درب المهابيل"، الذي أبصر النور جراء تعاونه مع نجيب محفوظ. كان صالح وضع معالجة الحكاية التي يريد تصويرها عندما التقى محفوظ عند عودته من فرنسا، فنصحه صاحب "اولاد حارتنا" (بحسب الروايات المتداولة) بموضعة الأحداث في حارة قاهرية، "كي لا يُتهَم بالشيوعية". وهكذا كان. هذا الفيلم الذي يُعدّ من كلاسيكيات السينما العربية جاء حداثوياً في طريقة اخراجه. جمع شكري سرحان وبرلنتي عبد الحميد ومحمد توفيق وحسن البارودي وتوفيق الدقن: حكاية ورقة يانصيب يشتريها عامل فقير لعلها تساعده إذا كانت رابحة في عقد قرانه مع الفتاة التي يحبها. شاء حظه ان تكون الورقة رابحة. بيد ان والد الفتاة يرميها بحجة انها مخالفة للدين الاسلامي، فتقع في يد احدهم، ويصبح هذا الأخير مطارَداً من أهل الحيّ الشعبي. "درب المهابيل" تعبير عن موقف صالح من التناقض بين مستلزمات العصر والارث الديني. تعرض الفيلم لفشل جماهيري ذريع قبل ان يُعتبر احد النماذج الجديدة للسينما المصرية.
يقال ان موهبة صلاح انصقلت وثقافته تعمقت عندما ذهب للدراسة في فرنسا ومكث فيها لعامين متتاليين. ويبدو ان لقاءه الفيلسوف ايتيان سوريو (1892 - 1979) قلب نظرته إلى الحياة وبدّل مفاهيمه. هناك، في مدينة الأنوار، تكثفت اهتماماته فبدأ يتعاطى الرسم والتصوير الفوتوغرافي ويطالع الأدب الروسي. وكان يمضي أيامه في مشاهدة الأفلام ويملأ ساعاته بزيارة المعارض والمتاحف، حدّ ان المنحة التي كانت اسندت اليه سُحبت منه لعدم التزامه النظام. في تلك الفترة ايضاً، تعرف الى بعض المحترفين العاملين في السينما الفرنسية، ما اتاح له ان يعمل في طاقم تصوير ثلاثة أفلام فرنسية، واحد منها هو "باقة فرح" لموريس كام (1951) من بطولة جان لوفيفر وشارل ترينه.
بعد "صراع الأبطال" (1962) مع شكري سرحان وسميرة أحمد عن صراع المصريين ضد الكوليرا خلال فترة الاحتلال الانكليزي (ساهم الفيلم في تحويل السينما في مصر الى قطاع عام)، انجز واحداً من أفلامه المهمة: "المتمردون" الذي انتج عام 1966، عن قصة للصحافي صلاح حافظ.
على الرغم من ان صالح لجأ الى التكثيف الرمزي والاستعارة تفادياً للوقوع في المحظور الرقابي، لم يستطع الاحتيال على أولئك الذين كان شاهين يسمّيهم "أغبياء الرقابة". طُلب منه ان يحذف بعض المشاهد ويعدل النهاية، الأمر الذي استجاب اليه. لكن، كان ينبغي انتظار بعض الوقت لكي يجد الفيلم طريقه الى الصالات التجارية. في النهاية، هذا العمل وصفٌ لحال السياسة المتردية في مصر بعد حرب اليمن. عموماً، كانت الرقابة دائماً في مواجهة مع صالح، سواء الرسمية او غيرها، متهمة أفلامه بـ"الاساءة لصورة مصر". "يوميات نائب في الأرياف" (1968) الذي أفلم رواية لتوفيق الحكيم، استدعى تدخل الرئيس المصري جمال عبد الناصر ليجيز عرضه من دون أن يُمسّ أيٌّ من مشاهده، بعدما كان ما يعرف بـ"أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي" طلب حذف 16 مشهداً منه. حالات العسف التي عاشها، مراراً وتكراراً، وحتى ازاء افلام انتجت بأموال الدولة، جعلته يصاب بالخيبة والاحباط. في أيار 1998، روى لإحدى الصحف: "أحسستُ بالغصة تزداد مرارة في حلقي، شعرتُ بالاغتراب والنفي وأنا في بلادي، فقررتُ الرحيل".
بعد مرحلة خيبة وتوقف عن العمل، استجاب صالح لعرض من "المؤسسة العامة للسينما" في سوريا ليصوّر فيلمه الأشهر، "المخدوعون" (1972)، المقتبس من رواية "رجال في الشمس" للراحل غسان كنفاني، الذي نال "التانيت الذهبي" من "أيام قرطاج السينمائية". تحول الشريط مع مرّ الزمن الى احدى المحطات الرئيسية في سيرة دعم القضية الفلسطينية سينمائياً، وانجزه صالح مشحوناً بمشاعر الغضب والحزن والأسى التي سكنته بعد موت عبد الناصر. في عام 1958، في البصرة، يحاول ثلاثة فلسطينيين الهرب الى الكويت. للثلاثة تجارب سيئة مع المهربين، اذ سبق أن خُدعوا وتُرِكوا في وسط الصحراء. لكنهم يوافقون هذه المرة على الاختباء داخل صهريج في عزّ شهر آب وتحت حرارة تتجاوز الخمسين. تتأخر السيارة في المرور على نقطة تفتيش الجمارك، فيموت الشبان الثلاثة من الحرّ وعدم توافر الاوكسيجين، وينتهي بهم القدر ثلاث جثث في الزبالة. "وكأنهم على موعد مع الموت في غياب الحلّ العربي لقضيتهم"، قال صالح عنهم.
خاتمة الفيلم تذكّر قليلاً بالفصل الأخير من "أجر الخوف" (1953) لهنري جورج كلوزو، علماً ان نهاية الرواية مختلفة عن نهاية الفيلم: كنفاني اضفى على موت المخدوعين سوداوية اكثر باعتبارهم سقطوا بصمت وخنوع ورغماً عنهم، أما صالح فوجد في هذا الموت نوعاً من اصرار على مواصلة الثورة. مرةً أخرى، مُنع عرض هذا الفيلم الذي استطاع ان يعبّر جيداً عن الواقع العربي واخفاقاته، في بعض الدول العربية، منها الأردن والكويت. فالهاربون الثلاثة جالسون في مكان شديد الظلمة، ويقصدون المجهول. هذا خطاب صالح في حدّه الأدنى. انطوى "المخدوعون" على نبرة غاضبة وأسلوب غنيّ بالاحالات الرمزية في تصويره درب الشقاء والخوف من أجل الوصول الى الحرية. هذا كله في تلميح واضح الى ان المخدوعين لم يكونوا فقط هؤلاء، بل الملايين من العرب ممن يعيشون في الصمت والاهمال.
انفتاحه على العالم العربي وبحثه عن فرص عمل قاداه الى العراق، حيث عاش 11 عاماً، من منتصف سبعينات القرن الفائت الى ثمانيناته. فيه درّس السينما وفيه انهى حياته المهنية مع فيلم من انتاج عراقي يُعتبر سقطة في مسيرته: "الأيام الطويلة". يعتبر البعض أن هذه الزلة نسفت تجربته التقدمية الرائدة، اذ انتصر لنظام صدام حسين الحاكم في العراق، متجاهلاً مأساة شعب عانى على مدار ثلاثة عقود من ظلم طاغية. يصوّر الفيلم بداية التحاق صدام بحزب البعث حين كان في التاسعة عشرة، وكلف هو وزملاء له قتل عبد الكريم قاسم. لكن صالح دافع عن نفسه قائلاً إنه كان آنذاك موظفاً لدى العراقيين وقد انتهى به الأمر إلى الانصياع لإصرارهم. رفض صالح كل الاتهامات التي قالت إنه تقاضى أجراً ضخماً مقابل تلميع صورة صدام.
hauvick.habechian@annahar.com.lb
خطف المرض صباح أمس المخرج المصري الكبير توفيق صالح عن 87 عاماً (1926-2013)، بعدما أعطى السينما المصرية والعربية ما اعطاه من أفلام مهمة طوال فترة زمنية لم تتعدّ الربع قرن، هي فترة نشاطه بين 1955 و1980. وعلّق أحد النقاد على وفاته قائلاً إنه اختار اللحظة المناسبة للرحيل، علماً ان الرجل كان "ميتاً" سينمائياً منذ زمن طويل، وتحديداً منذ 1980، تاريخ تصويره "الأيام الطويلة" بين سوريا والعراق. فهو مذذاك لم يقدّم أيّ جديد، لكنه ظلّ يحافظ على مكانه في الذاكرة السينيفيلية بأفلامه الروائية السبعة (له ايضاً سبعة أفلام قصيرة بعضها روائي وبعضها وثائقي، وعدد من الأفلام التسجيلية)، سواء لدى الجيل الذي عاصره أو الأجيال التي اكتشفت لاحقاً أعمال هذا الفنان الذي يُعتبر أحد رواد الواقعية، ومن القامات الكبرى في السينما المصرية، على غرار صلاح أبو سيف وهنري بركات وكمال الشيخ.
صحيح انه كان مقلاً، لكنه عمل بتأنٍٍّ، وباحترافية عالية قلّت مثيلتها بين زملاء له في المهنة. كان صالح، الدائم الاهتمام بالقضايا الكبرى البعيدة عن الحدوتة الصغيرة، يؤمن بأن "السينما أداة تغيير لا تكريس لتخلّف الواقع ودغدغة مشاعر الجماهير قبل النوم مع كل الأمنيات الطيبة بأحلام سعيدة".
ينحدر هذا الاسكندراني من عائلة تنقلت كثيراً أيام طفولته، اذ كان والده طبيباً يعمل في الحجر الصحي، ما فرض عليه أن يكون في مدن ساحلية مصرية عدة. على مقاعد الدراسة التقى اسكندرانياً آخر يكبره بعشرة أشهر، سيذيع صيته عالمياً: يوسف شاهين. كلٌّ منهما ذهب في اتجاه؛ سافر شاهين الى أميركا وقصد صالح باريس، وكان يجمعهما حبّ السينما. انطلق بدءاً في المسرح مع اخراجه مسرحية لتوفيق الحكيم الذي كان يعشقه، بعدما كان التحق بكلية الآداب لتعلم الأدب الانكليزي. في جمعية الصداقة الفرنسية، عرض مسرحية "رصاصة في القلب" (الحكيم)، وهذا ما جعله ينال منحة لدراسة المسرح في فرنسا.
عام 1954، وبعدما كان قد تمرس من خلال عمله كمساعد مخرج لحسين فوزي، أنجز باكورته الروائية الطويلة، "درب المهابيل"، الذي أبصر النور جراء تعاونه مع نجيب محفوظ. كان صالح وضع معالجة الحكاية التي يريد تصويرها عندما التقى محفوظ عند عودته من فرنسا، فنصحه صاحب "اولاد حارتنا" (بحسب الروايات المتداولة) بموضعة الأحداث في حارة قاهرية، "كي لا يُتهَم بالشيوعية". وهكذا كان. هذا الفيلم الذي يُعدّ من كلاسيكيات السينما العربية جاء حداثوياً في طريقة اخراجه. جمع شكري سرحان وبرلنتي عبد الحميد ومحمد توفيق وحسن البارودي وتوفيق الدقن: حكاية ورقة يانصيب يشتريها عامل فقير لعلها تساعده إذا كانت رابحة في عقد قرانه مع الفتاة التي يحبها. شاء حظه ان تكون الورقة رابحة. بيد ان والد الفتاة يرميها بحجة انها مخالفة للدين الاسلامي، فتقع في يد احدهم، ويصبح هذا الأخير مطارَداً من أهل الحيّ الشعبي. "درب المهابيل" تعبير عن موقف صالح من التناقض بين مستلزمات العصر والارث الديني. تعرض الفيلم لفشل جماهيري ذريع قبل ان يُعتبر احد النماذج الجديدة للسينما المصرية.
يقال ان موهبة صلاح انصقلت وثقافته تعمقت عندما ذهب للدراسة في فرنسا ومكث فيها لعامين متتاليين. ويبدو ان لقاءه الفيلسوف ايتيان سوريو (1892 - 1979) قلب نظرته إلى الحياة وبدّل مفاهيمه. هناك، في مدينة الأنوار، تكثفت اهتماماته فبدأ يتعاطى الرسم والتصوير الفوتوغرافي ويطالع الأدب الروسي. وكان يمضي أيامه في مشاهدة الأفلام ويملأ ساعاته بزيارة المعارض والمتاحف، حدّ ان المنحة التي كانت اسندت اليه سُحبت منه لعدم التزامه النظام. في تلك الفترة ايضاً، تعرف الى بعض المحترفين العاملين في السينما الفرنسية، ما اتاح له ان يعمل في طاقم تصوير ثلاثة أفلام فرنسية، واحد منها هو "باقة فرح" لموريس كام (1951) من بطولة جان لوفيفر وشارل ترينه.
بعد "صراع الأبطال" (1962) مع شكري سرحان وسميرة أحمد عن صراع المصريين ضد الكوليرا خلال فترة الاحتلال الانكليزي (ساهم الفيلم في تحويل السينما في مصر الى قطاع عام)، انجز واحداً من أفلامه المهمة: "المتمردون" الذي انتج عام 1966، عن قصة للصحافي صلاح حافظ.
على الرغم من ان صالح لجأ الى التكثيف الرمزي والاستعارة تفادياً للوقوع في المحظور الرقابي، لم يستطع الاحتيال على أولئك الذين كان شاهين يسمّيهم "أغبياء الرقابة". طُلب منه ان يحذف بعض المشاهد ويعدل النهاية، الأمر الذي استجاب اليه. لكن، كان ينبغي انتظار بعض الوقت لكي يجد الفيلم طريقه الى الصالات التجارية. في النهاية، هذا العمل وصفٌ لحال السياسة المتردية في مصر بعد حرب اليمن. عموماً، كانت الرقابة دائماً في مواجهة مع صالح، سواء الرسمية او غيرها، متهمة أفلامه بـ"الاساءة لصورة مصر". "يوميات نائب في الأرياف" (1968) الذي أفلم رواية لتوفيق الحكيم، استدعى تدخل الرئيس المصري جمال عبد الناصر ليجيز عرضه من دون أن يُمسّ أيٌّ من مشاهده، بعدما كان ما يعرف بـ"أعضاء اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي" طلب حذف 16 مشهداً منه. حالات العسف التي عاشها، مراراً وتكراراً، وحتى ازاء افلام انتجت بأموال الدولة، جعلته يصاب بالخيبة والاحباط. في أيار 1998، روى لإحدى الصحف: "أحسستُ بالغصة تزداد مرارة في حلقي، شعرتُ بالاغتراب والنفي وأنا في بلادي، فقررتُ الرحيل".
بعد مرحلة خيبة وتوقف عن العمل، استجاب صالح لعرض من "المؤسسة العامة للسينما" في سوريا ليصوّر فيلمه الأشهر، "المخدوعون" (1972)، المقتبس من رواية "رجال في الشمس" للراحل غسان كنفاني، الذي نال "التانيت الذهبي" من "أيام قرطاج السينمائية". تحول الشريط مع مرّ الزمن الى احدى المحطات الرئيسية في سيرة دعم القضية الفلسطينية سينمائياً، وانجزه صالح مشحوناً بمشاعر الغضب والحزن والأسى التي سكنته بعد موت عبد الناصر. في عام 1958، في البصرة، يحاول ثلاثة فلسطينيين الهرب الى الكويت. للثلاثة تجارب سيئة مع المهربين، اذ سبق أن خُدعوا وتُرِكوا في وسط الصحراء. لكنهم يوافقون هذه المرة على الاختباء داخل صهريج في عزّ شهر آب وتحت حرارة تتجاوز الخمسين. تتأخر السيارة في المرور على نقطة تفتيش الجمارك، فيموت الشبان الثلاثة من الحرّ وعدم توافر الاوكسيجين، وينتهي بهم القدر ثلاث جثث في الزبالة. "وكأنهم على موعد مع الموت في غياب الحلّ العربي لقضيتهم"، قال صالح عنهم.
خاتمة الفيلم تذكّر قليلاً بالفصل الأخير من "أجر الخوف" (1953) لهنري جورج كلوزو، علماً ان نهاية الرواية مختلفة عن نهاية الفيلم: كنفاني اضفى على موت المخدوعين سوداوية اكثر باعتبارهم سقطوا بصمت وخنوع ورغماً عنهم، أما صالح فوجد في هذا الموت نوعاً من اصرار على مواصلة الثورة. مرةً أخرى، مُنع عرض هذا الفيلم الذي استطاع ان يعبّر جيداً عن الواقع العربي واخفاقاته، في بعض الدول العربية، منها الأردن والكويت. فالهاربون الثلاثة جالسون في مكان شديد الظلمة، ويقصدون المجهول. هذا خطاب صالح في حدّه الأدنى. انطوى "المخدوعون" على نبرة غاضبة وأسلوب غنيّ بالاحالات الرمزية في تصويره درب الشقاء والخوف من أجل الوصول الى الحرية. هذا كله في تلميح واضح الى ان المخدوعين لم يكونوا فقط هؤلاء، بل الملايين من العرب ممن يعيشون في الصمت والاهمال.
انفتاحه على العالم العربي وبحثه عن فرص عمل قاداه الى العراق، حيث عاش 11 عاماً، من منتصف سبعينات القرن الفائت الى ثمانيناته. فيه درّس السينما وفيه انهى حياته المهنية مع فيلم من انتاج عراقي يُعتبر سقطة في مسيرته: "الأيام الطويلة". يعتبر البعض أن هذه الزلة نسفت تجربته التقدمية الرائدة، اذ انتصر لنظام صدام حسين الحاكم في العراق، متجاهلاً مأساة شعب عانى على مدار ثلاثة عقود من ظلم طاغية. يصوّر الفيلم بداية التحاق صدام بحزب البعث حين كان في التاسعة عشرة، وكلف هو وزملاء له قتل عبد الكريم قاسم. لكن صالح دافع عن نفسه قائلاً إنه كان آنذاك موظفاً لدى العراقيين وقد انتهى به الأمر إلى الانصياع لإصرارهم. رفض صالح كل الاتهامات التي قالت إنه تقاضى أجراً ضخماً مقابل تلميع صورة صدام.
hauvick.habechian@annahar.com.lb