أوسع بكثير من سوريا!! - omandaily

    • أوسع بكثير من سوريا!! - omandaily

      د. عبدالحميد الموافي -
      بالرغم من أن الحديث عن مؤتمر جنيف 2 قد ظهر قبل عدة اشهر، واقترحت مواعيد مختلفة ومتتالية، قبل وخلال النصف الثاني من هذا العام، إلا أنه لم يكن مصادفة أبدا أن يتحدد موعد عقد المؤتمر في الثاني والعشرين من يناير القادم، بقبول وتوافق الولايات المتحدة وروسيا والأطراف الأخرى في معظمها، وذلك بعد أيام من إعلان التوصل إلى اتفاق 24 نوفمبر الماضي المؤقت، بين إيران والدول الست الكبرى، حول البرنامج النووي الإيراني، كخطوة تمهيدية للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستة اشهر أو نحو ذلك.
      صحيح أن الأزمة السورية، التي بدأت سورية، لم تعد كذلك، لأنها اجتذبت وتجتذب العديد من القوى والأطراف الراغبة في الاستفادة منها، وحتى استغلالها لخدمة أعراضها ومصالحها التكتيكية والاستراتيجية في المنطقة، بدءا من تنظيم القاعدة والجماعات التكفيرية الهائمة عبر الحدود، وحتى القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح والأطماع أيضا، الظاهرة والمستترة، أو المغلفة بأغلفة مختلفة، ولكن الصحيح أيضا هو أن الدول في تعاملها مع بعضها البعض، حتى وإن كانت تتحدث عن نقطة أو موضوع محدد، إلا أنها لا تتعامل بعقلية تجار التجزئة، لأن الدول في تعاملها معا، تتعامل كأوزان، أو أنها تميل إلى ذلك، بالنظر إلى ترابط وتداخل القضايا والمصالح والمؤثرات، وصعوبة الفصل التام أو الدائم فيما بينها. ولذا فإنها تتحدث عن نقطة أو قضية، ولكنها تفكر وتتحسب لقضايا وموضوعات أخرى، لا تغيب لا عن ذهن ممثليها، ولا عن أذهان ممثلي الدول والأطراف الأخرى المعنية. وهذا أمر معروف على مستوى التفاوض والتعامل بين الدول.
      على أية حال فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
      ** أولا: انه بالرغم من الاتفاق الأمريكي ـ الروسي حول موعد عقد مؤتمر جنيف 2 وإعلان الأمم المتحدة لذلك من خلال أمينها العام بان كي مون، وتحرك الأخضر الإبراهيمي المبعوث العربي والدولي الخاص بسوريا في هذا الإطار، إلا أن هناك الكثير من الجوانب والتفاصيل التي لا بد من الاتفاق بشأنها قبل الدخول إلى قاعة الاجتماعات. ولعل ما يجري الآن هو في جانب منه محاولات جادة، ومتعددة لبلورة ذلك كله، أو معظمه على الأقل، وفي اسرع وقت ممكن، وهو ما يفسر كثيرا مما يحدث من تحركات دبلوماسية وسياسية، ومن ممارسات عسكرية أيضا على ارض سوريا، ومن حولها. فحتى الآن لم يتحدد بشكل كامل ولا نهائي الدول والأطراف التي ستحضر مؤتمر جنيف 2، ومع أن الحكم والمعارضة السورية اعلنا عن معارضتهما لدعوة طرف إقليمي أو آخر للمشاركة في مؤتمر جنيف 2، لأسباب معروفة، إلا أن دعوة الأطراف المشاركة لا تتوقف على رغبة السلطة والمعارضة السورية* في الواقع.
      صحيح أن بعض الفصائل المعارضة لوحت بعدم المشاركة في المؤتمر، إلا أن ذلك لا يعدو أن يكون محاولة لتعزيز الموقف، لأن الأمر لا يرتبط بإعلان هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يرتبط بما يمثله من وزن وقدرة على التأثير العملي فيما يحدث.
      من جانب آخر فإنه مع الوضع في الاعتبار أن الاتفاق الأمريكي ـ الروسي في جنيف العام الماضي حول سوريا، وهو الاتفاق الذي يشكل أرضية، أو على الأقل ركيزة مهمة لمؤتمر جنيف 2، خاصة فيما يتعلق بالموقف حيال السلطة السورية، وحيال دور الرئيس السوري بشار الأسد، وحيال ما يراد لمؤتمر جنيف 2 الخروج به عقب اجتماعه، إلا أنه من الواضح ـــ حتى الآن على الأقل ـــ أن الصورة لم تتضح بعد، أو أنه يراد لها أن تكون وتستمر ضبابية وغير واضحة لأطول فترة ممكنة، حتى تتبلور مواقف مختلف الأطراف، خاصة في إطار ما يجري على الأرض في سوريا، وما يمكن أن يؤول إليه خلال الفترة القادمة. ومن هنا تتقاطع، وتتداخل مواقف كثيرة، وليس مصادفة أن يؤكد كل طرف على الحد الأقصى الذي يريد، فالسلطات السورية التي تذهب إلى جنيف لتسلم مفاتيح دمشق للمعارضة، والمعارضة ـــ المنقسمة ـــ تريد أن تجلس مع من تحب هي، وليس مع ما ينبغي أن تجلس وتتفاوض معه، وأمريكا وروسيا تريدان أن تجلس السلطات السورية والمعارضة ليشكلا أو ليتفقا على حكومة انتقالية في سوريا، لا يزال الطرفان مختلفين حول أهدافها ومن يمكن أن يشارك فيها. يضاف إلى ذلك أن هناك فصائل معارضة ـــ القاعدة وأخواتها ـــ تفكر في واد آخر وتأمل إنشاء ما أسمته دولة أو إمارة إسلامية في سوريا أو بعض أجزائها ليكون ذلك بمثابة فتح للشام!!، بل وهناك من الأطراف المؤثرة وذات الثقل من يدعو، وبشكل واضح، لاتفاق بين الحكومة والمعارضة المعتدلة في سوريا لخوض حرب ضد الجماعات الجهادية والتكفيرية لإنقاذ سوريا من مستقبل مخيف، وباعث على القلق بالضرورة، بالنسبة لكل الأطراف المعنية بمستقبل سوريا، بل ومستقبل المنطقة من حولها.
      وإذا انتقلنا إلى ما يجري على الأرض، فإن هذا الارتباك والتداخل والتعقيد وعدم الوضوح، يعكس نفسه إلى حد كبير، سواء في التحالفات، أو في عمليات التسليح، أو في تجنيد وتدريب المرتزقة والجهاديين الهائمين عبر الحدود وتهريبهم إلى سوريا عبر حدودها مع الدول المجاورة لها، فضلا عن ارتباك قرارات الإمدادات بالسلاح والمعدات القتالية وغير القتالية، والمواجهات بين جماعات المعارضة المختلفة، لأسباب كثيرة، وهو ما تحاول السلطات السورية الاستفادة منه بتصعيد العمليات العسكرية ضد المعارضة، خاصة مع انشغال أمريكا وروسيا بعمليات تدمير الأسلحة الكيماوية السورية، الأمر الذي يحظى بأولوية كبيرة الآن على الأقل.
      ** ثانيا: في ظل هذا الإطار الواسع، والتفاعلات متعددة المستويات، والاتجاهات والأهداف أيضا، لم يعد الأمر محصورا بالإطار أو الحدود السورية في الواقع، لأنه اصبح ببساطة أوسع بكثير من سوريا. صحيح أن حاضر ومستقبل الدولة السورية والمجتمع السوري هي الآن على المحك، كما لم يحدث من قبل، ولكن الصحيح أيضا أن سوريا هي مركز صراعات اقليمية ودولية أوسع منها بكثير.
      وإذا كان لقاء جنيف الأول قد انحصر في سوريا، فإن مؤتمر جنيف 2 سيكون أوسع بكثير. ومع أن الحدث سينصب إلى حد كبير على أوضاع سوريا وكيفية التعامل معها، إلا أن كل الأطراف ستكون ناظرة ومتحسبة ومستعدة لما وراء سوريا، وباتساع المنطقة من حولها، وفق حساباتها وخططها واستراتيجياتها كما تراها هي، وبغض النظر عما يراه الآخرون. فكل يسعى من اجل خدمة مصالحه في الحاضر والمستقبل.
      وفي هذا الإطار فإن مختلف القوى الإقليمية والدولية تسعى إلى ذلك، سواء غلفت خطواتها ومصالحا بغلاف ديني، أو إنساني، أو عروبي، أو حتى طائفي، أو غيره. ولأن مؤتمر جنيف 2، بالأطراف المشاركة فيه، وبالأهداف المعلنة، وغير المعلنة أيضا، سيكون بالضرورة* أوسع من سوريا بكثير، بل من غير المبالغة القول إنه سيكون على الأرجح إحدى ركائز العمل لإعادة صياغة الشرق الأوسط، فإن العيون – العربية بالذات – ينبغي أن تظل يقظة ومفتوحة لكل ما يجري، حتى لا يتم بيعها بين الأطراف المختلفة، برغم حضورها ومشاركتها.
      ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ما ستشهده العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية بشكل أساسي خلال هذه الفترة من تقارب، وتفهم متبادل اكبر وأوسع من ناحية، وما ستتاح من فرص أمام الالتزام بالاتفاق النووي المؤقت بين إيران والدول الست الكبرى من ناحية ثانية، وما ستطمئن طهران للحصول عليه، أو الإقرار به من جانب القوى الكبرى فيما يتعلق بدورها في المنطقة في المستقبل من ناحية ثالثة، وما سيتم التوافق ولو النسبي عليه بشأن مقاربة الحل في سوريا والدور الروسي في سوريا المستقبل وفي المنطقة كذلك من ناحية رابعة، وكيفية استرضاء، أو احتواء غضب بعض الأطراف الإقليمية بسبب ما حدث، ومنها إسرائيل وأطراف عربية أخرى من ناحية خامسة، فضلا عن اقتسام المصالح والنفوذ في المنطقة بين القوى الكبرى، ليس على نمط سايكس بيكو الذي تجاوزته التطورات، ولكن على نمط* التجارة المفتوحة والقيادة من الخلف والتفويض المتبادل للعمل في الشرق الأوسط، كل ذلك سيتفاعل في إطار جنيف 2، الذي سيكون ـــ إذا عقد في موعده المعلن ـــ من اهم وأخطر المؤتمرات بالنسبة لحاضر ومستقبل الشرق الأوسط. ولعل ذلك هو ما قد يدفع بعض الأطراف إلى تأجيله أو تعويقه حتى تحصل على ما تريد، أو على الأقل الإقرار والاعتراف بما تطمح إليه. ولن يكون مفاجئا أن يتأجل مؤتمر جنيف حتى يتم التوصل إلى التوافقات المشار إليها بين الأطراف المعنية.