طريق جديد حقًا - omandaily

    • طريق جديد حقًا - omandaily

      مصباح قطب -
      يقول الدكتور حازم الببلاوي رئيس الحكومة المصرية كثيرا للمقربين منه أو علنا أنه أصبح لا يحب سماع عبارة التفكير خارج الصندوق من كثرة استخدام التعبير في غير محله، ولأن سوء الاستخدام هذا أصبح ملحوظا للكافة فقد قلت بدوري إن تنفيذ الأفكار الجيدة التي هي من قلب الصندوق – أي أنها ليست اختراعات بل تجارب وخبرات ثبت نجاحها -* مطلب اهم بكثير مما يسمى أفكارا من خارج الصندوق في الوقت الراهن.
      غير أن التفكير الابتكاري والجديد للنهوض بمصر وتعويض ما فاتها يظل مطلوبا على الدوام بغض النظر عن موقف المرء من أولئك الذين مسخوا سمعة تعبير التفكير خارج الصندوق.
      وفي المجال الاقتصادي بصفة خاصة فإن الجديد مطلوب اكثر لأن موارد مصر المادية ليست كبيرة بمقاييس دول أخرى ثرية الموارد الطبيعية، وبالتالي فإن الأفكار والبشر هم المورد الأساسي في بناء التقدم إلى دولة الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة.
      وأول الغيث يجب أن يكون – وقد تم فعلا – تحديد هوية مصر* الاقتصادية بشكل عصري وعن ذلك قال الوزير والمرشح الرئاسي السابق ورئيس لجنة الخمسين لوضع دستور مصر عمرو موسى منذ يومين «فيما يتعلق بالمواد والنصوص الخاصة بالاقتصاد فجميع المناقشات التي دارت بين أعضاء لجنة الخمسين كنت تهدف لإيجاد توازن بين اقتصاد السوق وتحقيق العدالة الاجتماعية وهو ما تم بالفعل من خلال المواد التي تمت صياغتها، موضحا أن الضرائب على الدخل أحد أشكال تحقيق العدالة الاجتماعية دون التأثير على مناخ الاستثمار».
      ومن قبل الدستور – الذي سيتم الاستفتاء عليه يوم 14 يناير المقبل – ومن بعده حرصت وزارة المالية على أن تعكس في موازنة العام المقبل 2014 /2015 القيم والتوجهات التي ترى أنها تتبنى مطالب المصريين الجوهرية وتؤسس لمستقبل اقتصادي واعد وتوازن مالي مستقر وعدالة اجتماعية لا ترهق الاقتصاد أو تكبله ولا تخذل المجتمع والطبقات الفقيرة فيما تصبو إليه وتحلم به.
      لقد التزمت الحكومة الحالية بما أعلنته منذ اللحظة الأولى لتوليها المسؤولية حيث تعهدت بانتهاج سياسة توسعية لتنشيط الاقتصاد وتم ضخ حزمة تحفيزية بقيمة 29.7 مليار جنيه وفي الطريق حزمة أخرى تدور قيمتها حول 30 مليار جنيه.
      كما أن الحكومة وعدت أيضا بتحقيق استقرار مالي وتوازن في المالية العامة وهي تسير على هذا الدرب حيث تلتزم الوزارة بخفض العجز إلى 10% من الناتج المحلي بدلا من 14%، كما أن الوزارة تلتزم في كل قراراتها الإنفاقية بمبدأ ثابت وهو عدم ضخ أي إنفاق ما لم تقابله موارد. والمرتقب نزول العجز إلى 8% بعد عامين.
      وعدت الحكومة بسداد مستحقات الشركاء الأجانب في شركات البترول- المتأخرة طويلا – والتزمت رغم أن كثيرين لم يكونوا يصدقون.
      هناك أيضا الالتزام الدقيق بخارطة الطريق وتحقيق الأمن والاستقرار السياسي وهذا – كما قال الدكتور أحمد جلال وزير المالية في لقاء مع المراسلين الأجانب منذ يومين – كفيل وحده بتنشيط الاقتصاد دون أية إجراءات أخرى فما بالنا والحكومة تتخذ إجراءات فعالة لزيادة النمو مما يدل على أن الاقتصاد المصري سينطلق بقوة بعد فترة.
      إذن يجب أن يكون الصدق وحتى آخر يوم في عمر الحكومة المصرية الحالية وفي عمر أي حكومة هو أهم رأسمال لها ومن هنا قال وزير المالية المصرية مرارا: إن الحكومة لن تعد بما لن تستطيعه والموازنة الجديدة فيها وعود باستراتيجية شاملة للعدالة الاجتماعية لكنها حقيقية ومدروسة.
      ولمصداقية اكثر قال وزير المالية المصرية: إن الحكومات المقبلة ستواجه تحديات حقيقية فيما يتعلق بالملفات التي يحتاج الإصلاح فيها إلى زمن طويل حتى تظهر النتائج مثل تحسين وتطوير خدمات التعليم والصحة غير أن هذه الحكومة تعمل على إرساء أسس في هذين المجالين وغيرهما للتيسير على من سيأتي بعدها.
      إن على الحكومات المقبلة أيضا أن تحافظ على الاستقرار الكلي وأن تقوم بإصلاح شامل في سوق العمل وتقوية شبكة الأمان الاجتماعي واستكمال ما نبدأه الآن من تحول من دعم السلع إلى دعم الأفراد والأسر.
      وفي تأشيرات إعداد موازنة 214-2015 برز تفكير جديد تماما أبرز ملامحه:
      مراعاة أن تحقق الموازنة – بالانسجام مع بقية السياسات النقدية والاستثمارية -* مجموعة مترابطة من الأهداف هي: تحقيق التوازن بين ضبط الأداء المالي وخفض عجز الموازنة، وبين تحفيز الاقتصاد القومي، وتدعيم أسس العدالة الاجتماعية، وقد أعلنت الحكومة منذ اللحظة الأولى لتشكيل الحكومة إيمانها بمفهوم شامل للعدالة الاجتماعية يتجاوز الحدين الأدنى والأقصى للأجر بكثير ويمتد إلى تنشيط الاقتصاد وبالذات في المناطق المحرومة وإيجاد فرص عمل والحد من البطالة ومكافحة الفقر وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين وتبسيط التشريعات واللوائح وتحديث القطاع غير الرسمي وإدماجه في القطاع الرسمي واعدد برنامج شامل للتحويلات النقدية* يضع الأساس تدريجيا لإنهاء نظام دعم السلعة أو الخدمة القائم حاليا والذي يتميز بالهدر وسوء التوزيع وعدم الكفاءة وتطبيق نظام دعم المواطن المستحق بدلا عنه.
      وستراعي الموازنة الجديدة كل ذلك كما ستراعي أيضا تطبيق مبدأ شمول وعمومية الموازنة العامة للدولة بكل دقة بحيث تؤول جميع الموارد إلى الموازنة العامة.* ستعمل موازنة الدولة المقبلة على أن تترجم البيئة السياسة والاجتماعية والاقتصادية الحالية وأهداف السياسة المالية المعلنة أعلاه (توازن مالي – نمو – عدالة) وأن تضع لبنات لسبل عمل مختلفة في إعداد الموازنة بدقة وبمشاركة شعبية جادة وفي مناقشتها وإقرارها ومتابعة تنفيذها وتقبل المساءلة العامة بشان أولوياتها وأساليبها ونتائجها.
      قد تكون هذه هي المرة الأولى التي يتولى فيها وزارة المالية وزير تنموي بالأساس فهو رجل اقتصاد معروف إلى جانب دراساته في المالية العامة وخبرته الدولية والوطنية والمتصور مع ذلك أن يكون القرار المالي سندا للتنمية طوال الوقت وممتزجا عضويا بتحقيق العدالة الاجتماعية دون انفصال ومرنا للتجاوب مع المتغيرات المتعلقة بأوضاع الموزانة العامة وبالعجز المستهدف وحال الدين العام ومعدلات النمو المخططة ومؤشرات توزيع الدخل.
      ومن حسن الحظ أن يجري التحضير لإعداد موازنة العام المالي 2014 /2015 (ينتهي الإعداد أوليا يوم 31 /12 / 2013 ) وسط عملية مهمة للغاية من اجل المستقبل هي إعداد دستور جديد لمصر وسيرتب الدستور – وفق كل التوقعات –* أعباء ومتطلبات جديدة* على الموازنة العامة يتعين على معدي الموازنة التهيؤ لها والتفاعل معها والاستجابة للنهج الذي سيتم التوافق عليه وإقراره في الدستور. في القلب من تلك الانعكاسات على الموازنة التوجه الذي كان لوزارة المالية نفسها دور بارز في بلورته في أوساط لجنة الخمسين إلى زيادة الإنفاق على التعليم والبحث العلمي والصحة ليرقى إلى مستوى الإنفاق عليهما كنسبة من إجمالي الإنفاق العام في الدول المثيلة تنمويا.
      يحتم المناخ الدستوري والزخم السياسي الراهن وتزايد الوعي العام في مصر أيضا إيلاء قضية موازنة البرامج والأداء ما تستحق من عناية فهي التي تمكن المواطن والسياسي من قياس العائد من النفقة العامة بأفضل السبل ويجب أن تتضمن مناقشات إعداد الموازنة الجديدة مبدئيا كيفية تحقيق الالتزام ببعض المؤشرات الدالة على رشادة وكفاءة الإنفاق العام ومدى ارتباطه بتحقيق مردود على حياة المواطنين وعلى تطوير وتوفير الخدمات العامة لهم. انه طريق جديد حقا ويجب المضي فيه بلا تردد أو تراجع.