مؤشرات ثقافية مبشرة - omandaily

    • مؤشرات ثقافية مبشرة - omandaily

      أحمد بن سالم الفلاحي -
      في شأن اهتمام ابناء المجتمع بالمكتبات، فان الاحصاءات تظهر أن 38% من الأسر العمانية تقتني مكتبة منزلية، و34% من المكتبات المنزلية تحتوي على أكثر من 50 كتابًا، وصحيحا ان هذه النسبة لا تلبي الطموح، ولكن تعكس ان الاهتمام بالكتاب لا يزال يحافظ على مكانته بين اهتمامات ابناء المجتمع، مقابل الكثير من الوسائل التي تجذب اهتمامات الجمهور اليوم، وهي التي بلا شك سوف تغيب صورة الكتاب من بين الاهتمامات المهمة لدى ابناء المجتمع خاصة بين فئة الشباب،
      تعيش المجتمعات الإنسانية تحولات مختلفة، وهذه التحولات تتضح في كثير من ممارسات أفرادها، وتعد هذه التحولات نموا طبيعيا وان شابها الكثير من الممارسات السلبية فلا يجب ان تشكل قلقا ما، فأي تطور لا بد أن يشهد تداعيات سلبية انعكاسا لهذه التحولات، وهذا أمر بديهي ومسلم به الى حد كبير، وهذا الفهم بقدر ما ينطبق على المنتج المادي البحت، فهو ايضا ينطبق على المنتج الانساني، فجميع التجارب البشرية التي تمر بها لا بد أن يسايرها الفعل المناقض، والتجربة الانسانية قائمة على مفهوم الخطأ والصواب، ومن لم يستوعب هذه الصورة عليه ان يعيد قراءة الكثير مما يحدث حوله، ليدرك كم من الشعوب تدفع ضرائب قاسية وكبيرة حتى تصل الى مستوى من الفعل الانساني الايجابي، فهذه سنة كونية، لا بد من استيعابها، وهضمها، والايمان بها فيما بعد.
      وهذه التحولات في جانبيها المادي والمعنوي تعد مقياسا حقيقيا لمدى التطور الذي يعيشه ابناء المجتمع، والحراك الطبيعي للتطور، ويمثل الرصد الذي تقوم به الجهات المعنية بمثابة الاضاءة المهمة في هذا الجانب، وعليه يمكن الاستشراف البعيد، او القريب للصورة المتكونة في شكلها النهائي لكافة التحولات التي يعيشها ابناء المجتمع، وعليه يمكن رسم السياسات، ووضع الخطط والبرامج؛ اما لتصويب الاخطاء التي سوف تنتج عن هذه التحولات، او لوضع برامج دافعة، ومعززة لها، ويتصور الجميع انه بدون رصد هذه التحولات في وقت مبكر، لا يمكن استشراف الصور الحقيقية لمجمل التحولات التي تحدث اليوم لسلوك حياة الغد لأفراد المجتمع، ومن هنا تنجح شعوب، وتخفق أخرى انعكاسا لما تبديه من اهتمامات لهذه التحولات، والأخذ بها نحو التصويب، أو التعزيز في المرحلة القادمة، لأن المسألة التنموية – كما يعرفها الجميع – مسألة تراكمية، فالبشرية لم تولد، بسلوكياتها، ومخزونها القيمي والمعرفي، هكذا من العدم لحظة واحدة، وانما عبر سنين طويلة، وهي تسير وفق هذه الآلية المعهودة والتي يعرفها الجميع.
      وهنا، وهي ليست المرة الأولى خلال هذا العام على الاقل، أقف مع إحدى الاحصائيات التي نشرها المركز الوطني للاحصاء والمعلومات، والحق يقال انه منذ أن أنشئ هذا المركز بموجب المرسوم السلطاني السامي رقم (31/2012م)، وهو يقوم برفد الجهات الحكومية بما تحتاجه من بيانات ومعلومات للاستفادة منها في جوانب التخطيط للمشاريع والبرامج التنموية، كما ينشر بين الفينة والأخرى الاحصائيات المهمة حول جوانب التنمية المختلفة عبر موقعه على الانترنت، وهذا مؤشر مهم على مدى الجهد الذي يبذله القائمون في المركز، وهو بذلك يتعزز دوره مع كل فترة تمر من عمر التنمية، لأنه المركز الذي يعول عليه ابناء المجتمع، والجهات المعنية المختلفة على اجلاء الصورة عن كل ما يهم برامج التنمية، والمستوى الذي قطعته في مسيرة التنمية في السلطنة، كما انه المحدد المهم لما يمكن البناء عليه في المرحلة القادمة، بما يتضمن ذلك من رسم السياسات، ووضع الخطط والبرامج، خاصة وان المركز يتيح المجال للباحثين والدارسين للاستفادة من المسوحات والمؤشرات والبيانات التي يوفرها لإجراء الدراسات والبحوث الأكاديمية، وكل ذلك، سوف يصب خيره ونتائجه في قالب التنمية الذي يعول عليه الكثير.
      وللوقوف على نتائج المسوحات التي تمت في الجانب الثقافي للمجتمع، فانه من الاهمية بمكان العودة الى ما قامت به المديرية العامة للإحصاءات الاجتماعية في المركز بتنفيذ مسح الثقافة للمرة الأولى خلال الفترة من مايو 2000، إلى مايو2001، والمسح الثاني المصاحب لمسح نفقات ودخل الأسرة خلال الفترة من مايو 2008 إلى مايو 2009، على عيّنة مثلت مختلف محافظات السلطنة وغطّت نحو (1650) أسرة عمانية موزّعة على المدن والقرى، حيث بينت نتائج مسح الثقافة أن 61% من العمانيين يمارسون عادة القراءة، موضحا ارتفاع النسبة لدى الذكور إلى 65% والإناث عند 57%، وهذا بدوره يرفض التقييم المباشر، لما يتردد، ان الناس لم يعودوا يهتمون بالقراءة، وخاصة ان المسح بين ايضا أن 80% ممن هم في الفئة العمرية التي بين 15 إلى 24 سنة يمارسون عادة القراءة مقابل 19% للفئة العمرية من 45 سنة فأعلى، ونسبة الـ (80%) نسبة عالية جدا، وتنبئ ان الكتاب لا يزال يحافظ على مكانته على الرغم من اشتغال الناس بوسائل أخرى قد تؤثر على مؤشر القراءة، وخاصة مع توغل خدمة الأنترنت الى المنازل، وعبر الاجهزة النقالة، ومدى استحواذها على الاهتمام بما لا يمكن تجاوزه، أو انكاره.
      في الوقت نفسه اشارت النتائج الى ان 43%، من العمانيين الذين يقبلون على قراءة الصحف اليومية، يشكل الذكور منهم ما نسبته 51% والإناث 34%، واظهر المسح انه لا توجد نسبة فارقة بين المدينة والقرية، إذ بلغت نسبتهم في المدن 45% وفي القرى 40%، وهذا مؤشر يعكس مدى توغل برامج التنمية على امتداد المساحة الجغرافية في السلطنة، وحرص الجهات المعنية على شمولية برامجها على امتداد السلطنة لا فرق في ذلك بين المدينة والقرية، وهذه احدى مؤشرات المهمة للخطط الخمسية التي تنفذها الحكومة، والتي تصل اليوم الى ثمان خطط خمسية تنموية ببرامجها الشاملة في مختلف المجالات الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية، وهذا أمر يبعث على الرضى الى حد كبير، ويلجم الافواه التي تقيم المنجز التنموي بصورة ارتجالية، فيأتي التقييم في شمولية ناقص، ومجانبة للحقيقة الماثلة على الواقع، وهذا أمر يحتاج الى الذين ينظرون في كل شيء ان يعيدوا النظر في مثل هذه الارقام الحيادية وهي المبنية على الدراسات والمسوحات التي يقوم بها اليوم المركز الوطني للاحصاء والمعلومات.
      وفي ذات السياق بين المسح أن 96% من العمانيين يشاهدون التلفزيون، وجاءت البرامج الفنية والترفيهية في مقدمة البرامج التي تتم مشاهدتها وبلغت نسبتها 71%، في حين بلغت نسبة من يشاهدون البرامج الإخبارية 49%، وجاءت البرامج الدينية في المرتبة الثالثة بنسبة 48%، أما بالنسبة للإذاعة فأظهر المسح أن 38% من العمانيين يستمعون للإذاعة، مشكلة المرأة ما نسبته 26%، في حين بلغت النسبة لدى الذكور 51%، وبالتالي فهذه فرصة امام المعنيين في الاذاعة والتلفزين لرفد الاسرة العمانية بالبرامج المعنية بالمرأة والطفل الى تكثيفها في هذا الجانب لاعادة الانحراف عن مشاهدة المرأة لبرامج هذين الجهازين، وجعلها تهتم أكثر، وهذه النتائج في عموميتها تؤكد ان الوسائل الاعلامية من تلفاز، واذاعة، وصحف تشكل موردا مهما من موارد الثقافة لدى ابناء المجتمع، وهي وان كانت وسائل تقليدية، وفي المقابل هناك وسائل منافسة، متمثلة في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة الا انه في المقابل لا تزال الوسائل الاعلامية التقليدية تحظى بمكانتها بين اهتمامات ابناء المجتمع بها، وهذا من شأنه ان يدفع بالمعنيين في هذه الوسائل الاعلامية التقليدية الى تطوير آليات العمل والبرامج التي تقوم عليها هذه الوسائل، وان تسعى جاهدة الى تلبية الحاجات والرغبات ومختلف الاشباعات العاطفية والسلوكية لجمهورها العريض، وأن لا تنكفئ على برامجها التقليدية المعتادة، فالمجتمع يتطور، وفي المقابل يريد من هذه الوسائل ان تواكب تطوره المعرفي والفني على حد سواء، وحتى تحافظ هذه الوسائل على مكانتها بين قلوب هذا الجمهور العريض الذي تتنازعه الكثير من الوسائل للاستحواذ عليه اليوم.
      وفي شأن اهتمام ابناء المجتمع بالمكتبات، فان الاحصاءات تظهر أن 38% من الأسر العمانية تقتني مكتبة منزلية، و34% من المكتبات المنزلية تحتوي على أكثر من 50 كتابًا، وصحيحا ان هذه النسبة لا تلبي الطموح، ولكن تعكس ان الاهتمام بالكتاب لا يزال يحافظ على مكانته بين اهتمامات ابناء المجتمع، مقابل الكثير من الوسائل التي تجذب اهتمامات الجمهور اليوم، وهي التي بلا شك سوف تغيب صورة الكتاب من بين الاهتمامات المهمة لدى ابناء المجتمع خاصة بين فئة الشباب، واتصور انه لو اجري مسحا مماثلا بعد عشر سنوات من الآن لتغيرت هذه النسب كثيرا، وذلك قياسا بالواقع المعاش الذي استحوذت عليه وسائل التواصل الاجتماعي الى حد كبير، واصبحت تهدد الكثير من القناعات لدى ابناء المجتمع، وتعيد تشكيل الخارطة المعرفية لديهم، وتربك قناعاتهم في الوقت ذاته.
      المسح تناول الكثير من الصور المتعلقة بالجانب الثقافي لدى ابناء المجتمع، ورصد نتائج على درجة كبيرة من الاهمية، وعلى الجهات المعنية في الجوانب الثقافية والاجتماعية ان تسعى جاهدة للاستفادة من هذه النتائج، وذلك لوضع السياسات، والخطط، لتنفيذ برامجها في المرحلة القادمة، لأنه اية خطط لا تقوم على دراسات مباشرة من عمق المجتمع فلن يكتب لها النجاح بصورة مقبولة، وتكون نتائجها متهلهلة، وغير مفيدة، لأنها قامت على الارتجال، وهذا سلوك لن يجدي في هذا الوقت بالذات في توظيف الخطط التنموية سواء على المدى القريب، فكيف على المدى البعيد، خاصة وان المجتمع يعيش تحولات ثقافية مختلفة، انعكاسا لما يشهده من تطور في مختلف المجالات.