جنوب السودان.. مخاوف حقيقية من حرب أهلية - omandaily

    • جنوب السودان.. مخاوف حقيقية من حرب أهلية - omandaily

      * عطية عيسوي -
      سواء كان ما شهدته جوبا عاصمة جنوب السودان محاولة انقلاب كما وصفها الرئيس سلفا كير أو مجرد اشتباكات بين العسكريين من قبيلتي الدينكا والنوير نتيجة سوء تفاهم كما وصفها نائب الرئيس المقال رياك مشار فإن المؤكد أن هناك احتقانا سياسيا وتوترا قبليا زادت حدته منذ إقالة مشار والأمين العام للحركة الشعبية الحاكمة باقان أموم في يوليو 2013. هذا التوتر الذي تحول إلى اشتباكات مسلحة دموية راح ضحيتها أكثر من 500 عسكري ومدني وفقا لتقديرات الأمم المتحدة* يحتاج إلى سرعة تحرك من القيادة السياسية ووساطة خارجية فعالة لاحتواء تداعياته حتى لا ينقلب حربا أهلية بين القبائل التي يقدر عددها بنحو مائة وسبع وخمسين قبيلة.
      مشار الذي ينتمى إلى «النوير» ثاني أكبر القبائل بعد الدينكا، قبيلة الرئيس، نفى أي صلة له بمحاولة الانقلاب المزعومة وهو الذي قال مؤخرا أنه إذا كان لجنوب السودان أن يبقى موحدا فلا مجال لحكم الفرد في إشارة إلى سيلفا كير وانسحب من اجتماع مجلس التحرير القومي (الهيئة العليا في حزب الحركة الشعبية الحاكمة) بسبب ما وصفه بغياب روح الحوار. وكان قد أعلن أنه يعتزم ترشيح نفسه للرئاسة في عام 2015م بينما قال باقان أموم المنتمي للشلك ثالث أكبر القبائل أن الأمن منعه من دخول الاجتماع. وسبق للزعيمين المنافسين أن طالبا بالتغيير وانتقدا الحركة الشعبية التي ينتميان إليها لما وصفاه بفشلها في إدارة شؤون الدولة وتحقيق تطلعات الشعب. أما لام أكول المعارض الثالث المنتمي للشلك فسبق أن اتهم الحركة الشعبية أيضا بالفشل في حكم البلاد وبالفساد وشكل حركة جديدة سماها «الحركة الشعبية لتحرير السودان- التغيير الديمقراطي».
      سيلفا كير، الذي قالوا عند توليه رئاسة الحركة الشعبية خلفا للراحل جون قرنق بعد مصرعه في حادث طائرة أنه يحب استشارة من حوله ولا يفضل اتخاذه القرار منفردا، لم يتسع صدره لتلك الاتهامات فأقصى مشار من منصبه وجمد عضوية باقان أموم وأحاله للتحقيق بتهمة الفساد وإثارة الفرقة بين القبائل، ويبدو أنه في رأي البعض لم يكتف بذلك بل ألصق بهم تهمة التدبير لانقلاب لكى يتخلص منهم نهائيا بإحالتهم إلى محاكم عسكرية. وقامت قوات الأمن والجيش بمطاردة مشار الهارب واعتقال عشرة مسؤولين آخرين ليس معروفا حتى كتابة هذه السطور ما إذا كان من بينهم باقان أموم أم لا. وبرغم إعلان الرئيس عن إحباط محاولة الانقلاب واستعادة السيطرة على الأمور إلا أن الاشتباكات استمرت حول المطار ومناطق أخرى بالعاصمة وحولها وامتدت في اليوم الثانى إلى ولاية «جونقلى» أكبر ولايات الدولة حيث قيل أن ضباطآ من قبيلة النوير انشقوا وبدأوا حربا ضد قوات الجيش. وحذرت الأمم المتحدة من احتمال تحول الاشتباكات إلى صراع عرقي وقبلي يهدد جنوب السودان بحرب أهلية مهلكة. وهذا هو ما كان يتعين على سيلفا كير أن يتحسب له عند اتخاذ أي قرار حفاظا على التوازن القبلي ولامتصاص غضب الكثيرين الذين يتهمون قبيلة الدينكا بالهيمنة على الحياة السياسية على حساب القبائل الأخرى برغم أن الحركة الشعبية لا تمثل في رأي البعض أكثر من 10% من الشعب، وزادت على ذلك مطالبة جماعة سمت نفسها التيار التقدمي الديمقراطي سيلفا كير بألا يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة عام 2015.
      الاقتتال بين القبائل في جنوب السودان يحدث في تسع من ولاياته العشر في صراع على النفوذ والأرض والمراعي, وولاية جونقلى هى أكثر الولايات تأثرا بالصدامات المسلحة وتدور أحداث العنف بين الجميع تقريبآ خاصة بين قبيلتى النوير والمورلى وبين النوير والدينكا وبين المورلى والدينكا بسبب اتهام المورلى بمحاولة سرقة الأبقار وحتى الأطفال من أبناء القبائل الأخرى.
      كما تدور الصدامات المسلحة حتى بين بطون قبيلة الدينكا في بحر الغزال وبطون النوير في ولاية الوحدة وبين النوير والشلك حول ملكال مع تزايد ملحوظ في استخدام الأسلحة النارية في الاشتباكات حسب مراقبين. وقد أخفقت حكومة جوبا في السيطرة على الأوضاع. ومازالت الاشتباكات تحصد أرواح الآلاف من أبناء القبائل سنويا دون أن تلوح في الأفق لها نهاية. وربما يعزز ذلك مقولة* شائعة بأن عدد الذين قتلوا في النزاعات بين قبائل الجنوب أكبر من عدد ضحايا الحرب الأهلية (1983-2005) بين الشمال والجنوب. وكل هذا يستنزف موارد الدولة الوليدة على شراء السلاح فلا يبقى* للتنمية شيء يذكر. كما أن عدم الاستقرار يحول دون قدوم الاستثمارات الخارجية.
      التحذير من عواقب هيمنة الدينكا على القبائل الأخرى تكرر كثيرا قبل انفصال الجنوب عن السودان في يوليو 2011 وبعده. ففي يناير 2011 حذر قادة الأحزاب السياسية الجنوبية من انفراد الحركة الشعبية بالسلطة وقالوا إن أي تراجع عن مقررات مؤتمر الحوار الجنوبي في أكتوبر 2010 سيكون سببا في عدم الاستقرار وطالبوا بتشكيل حكومة انتقالية ذات قاعدة عريضة بعد الانفصال وفقا لتوصية المؤتمر بأن تضم كل أحزاب الجنوب للتمهيد للانتخابات ومراجعة الدستور. لكن كير لم يتحمس لتشكيل مثل هذه الحكومة. وسبق هذا التحذير تحذير من ثلاثة عشر فصيلآ مسلحا كانت متحالفة مع حكومة الخرطوم قبل الانفصال من أنهم سيواصلون القتال في جنوب السودان إذا لم يتم اشراكها في الترتيبات العسكرية والأمنية وتمثيلها في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن وربطت استقرار الجنوب بالاستجابة لمطالبها. لكن جون قرنق رئيس الحركة الشعبية وقتها رفض عددا من المطالب وقال إن زمن التهديدات والتحذيرات انتهى وأصر على أن اتفاق الترتيبات الأمنية والعسكرية لا يعترف إلا بقوات الحركة والجيش السوداني. وهكذا بقيت بذور التمرد في جنوب السودان قائمة بوجود نحو 28 فصيلآ مسلحآ لم يتم استيعاب معظمها في جيش الشمال أو الجنوب حسبما تقضي اتفاقية سلام «نيفاشا» عام 2005 وأبرزها جيش تحرير جنوب السودان الذي يمثل قبيلة النوير وميلشيا غبريال تنج في ولاية الوحدة الغنية بالبترول وميلشيا لام أكول في أعالي النيل وميلشيا جورج أتور المنتمي إلى الدينكا في ولاية جونقلى وميلشيا «كوبرا» بقيادة الجنرال ديفيد ياو ياو المنتمي لقبيلة المورلي وميلشيا العميد قلواك جاي المتمردة بولاية الوحدة الغنية بالبترول.
      95% من أبناء الجنوب تحت خط الفقر ويعانى 48% من الأطفال تحت سن الخامسة من سوء التغذية ويلتحق 20% فقط بالتعليم الابتدائي و20% فقط من البالغين يلمون بالقراءة والكتابة ويموت 12,6% من الأطفال تحت سن الخامسة و2% من الأمهات الحوامل , ويعيش 51,7% من السكان بلا مياه صالحة للشرب حسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادر في 2010 الذي ذكر أيضآ أن نسبة المصابين بالإيدز بين سن 15 أو 49 سنة بلغت 2,3% ومن السكان.. الذين يتمتعون بخدمة الكهرباء قليلون والهواتف محدودة ويوجد تمييز ضد النساء. ومازال مئات الآلاف من الجنوبيين لاجئين في دول الجوار مثل السودان وأوغندا وكينيا والكونغو وافريقيا الوسطى ينتظرون العودة، وإذا عادوا سيشكلون ضغطا شديدا على مرافق الدولة الوليدة ومواردها الشحيحة مما يساهم أكثر في تصاعد التوتر.
      ولأن معظم حقول بترول دولة الجنوب التي تعتمد ميزانيتها على عائداته بنسبة 98% تقع في أراضي قبيلة النوير ذات العداء التاريخي للدينكا فإن العمل على استرضاء أبنائها أمر حيوي لاستقرار البلاد والحفاظ على ثروتها النفطية من التخريب أو حتى تعطيل الإنتاج، وليس إقصائها من السلطة هي أو غيرها في بلد يحتاج إلى بناء بنيته التحتية من الصفر وتعصف البطالة بنصف عدد أبنائه وتتراوح نسبة التضخم حول 42% الأمر الذي أحدث حالة من التذمر والسخط لدى المواطنين الذين كانوا يتعشمون أن تتحسن أحوالهم المعيشية بعد الانفصال. فحتى الانفصال عام 2011 كان* 75% من الجنوبيين أميين..الطرق المرصوفة لم تكن تزيد على خمسة كيلومترات عند انتهاء الحرب الأهلية عام 2005 ثم ارتفعت إلى 60 كيلو مترا عند الاستفتاء على تقرير المصير في يناير 2011، ولم يعد كثير من الحاصلين على شهادات جامعية إلى ديارهم مما حرم الشعب من مساهمتهم في التنمية.
      وبرغم وجود عشرة آلاف جندي تابعين للأمم المتحدة لحفظ السلام في الجنوب إلا أنهم لم يستطيعوا وقف العنف حيث أن محاولات الحكومة لنزع الأسلحة تركت بعض المناطق معرضة للهجوم عليها من جيرانها الذين مازالوا يمتلكون السلاح بكثافة، والأمثلة كثيرة على ذلك.. ففي عام 2009 لقي 2500 شخص مصرعهم وتم تشريد 350 ألفا آخرين حسب منظمات إغاثة دولية، خاصة بين المورلى والنوير في صراع على رؤوس الماشية. وفي عام 2011 قتل أكثر من 1100 شخص في جونقلى وحدها وتشرد 163 ألفا. وفى 2010 هاجم أفراد من النوير رعاة الدينكا في منطقة «التونج الشرقية» واستولوا على خمسة آلاف رأس ماشية بعد قتال عنيف راح ضحيته 130 قتيلآ و54 جريحا.
      وإذا استمرت القلاقل والاضطرابات ستعوق عملية التنمية وتستنزف موارد الدولة على شراء السلاح وإصلاح ما خربته الحرب، فضلآ عن أنها ستؤدي إلى تعطيل مباحثات حل القضايا المختلف عليها مع الخرطوم مثل منطقة «أبيى» الغنية بالنفط واستكمال ترسيم الحدود التي لم يتم تحديد 20% منها حتى الآن.
      ** كاتب صحفي متخصص في الشؤون الإفريقية.