في معنى الحداثة والتحديث في الصين - omandaily

    • في معنى الحداثة والتحديث في الصين - omandaily

      إعداد: أحمد فرحات -
      يعتبر الإصلاح الأيديولوجي السياسي، الذي أحدثه الحزب الشيوعي الصيني قبل ثلاثين سنة، مقدمة أساسية للإصلاح السياسي العام، والبناء الديمقراطي في البلاد. فلقد رأى الزعيم دنغ شياو بينغ 904 – 1997)، الذي قاد عملية الإصلاح في الصين، وفق ترجمة نظرية اقتصاد السوق، أن التغيرات في قلب الأيديولوجية السياسية، هي المقدمة الجوهرية لقضية الإصلاح والحداثة والتحديث في الصين. لذلك حدد “تحرير العقول” كأول مهمة لحركة الإصلاح، قائلاً: “ إذا لم نحطم الجمود الفكري، ولم نحرر أفكار الكوادر والجماهير، فلن يكون هناك أمل في التحديثات.”* باختصار، يهدف تحرير العقول، من وجهة الزعيم بينغ، الذي تولى قيادة الحزب الشيوعي الصيني بين عامي 1978 و1992، إلى تحرر الناس من العقائد والأفكار القديمة، واستبدالها بأفكار ونظريات جديدة، تواكب التقدم الاجتماعي ومتطلبات العصر، والنهضة العلمية بتجلياتها كافة.
      هكذا يمكن القول، وبحسب يوي كه بينغ (أستاذ في جامعتي بكين وديوك الأمريكية، والمسؤول المركزي لمشروع الاصلاح والابتكار للحكومات الصينية المحلية) إن عملية الإصلاح والانفتاح الصيني هي عملية تصادم للأفكار الجديدة بالأفكار القديمة، وعملية انتصار الأفكار والمفاهيم الجديدة على الأفكار والمفاهيم القديمة، ثم دفع الأفكار والمفاهيم الجديدة كآليات للتقدم الاجتماعي وتحقيق الحداثة الراسخة.
      القيم الغربية أنموذجاً
      من حيث النظريات السياسية، وبحسب د. بينغ، تعتبر المفاهيم الجديدة تجاوزاً للأفكار السياسية التقليدية، وقد أثرت تأثيرا مباشرا وعميقا على الحياة الاجتماعية والسياسية في الصين في فترة الإصلاح والانفتاح، ودفعت بالسياسة الديمقراطية الصينية بقوة الى الأمام. وتشمل هذه المفاهيم: وضعية الإنسان في المقام الأول، حقوق الإنسان، الملكية الخاصة، النظام القانوني، المجتمع المدني، المجتمع المتناغم، الحضارة السياسية، والعولمة. وقد تشكلت معظم هذه المفاهيم في الصين بالاستفادة من الدول الغربية المتقدمة، والتي كان بعضها قبل الإصلاح والانفتاح هدفا للنقد، بل ممنوعا باعتباره من الأيديولوجية الرأسمالية.
      إذن، دفع التغير الثوري في المجال الأيديولوجي الصيني الشمولي بالسياسية الاقتصادية الصينية ألى حراك جديد، فجعلها تشهد هذه الانقلابات بالغة الأهمية، والتي يقطف ثمارها الصينيون اليوم. ففي العقود القليلة المنصرمة، حققت السياسة الصينية الجديدة نقلات نوعية مشهودة: من القيام بالثورة إلى القيام بالإصلاح، من النضال إلى التناغم، من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، من حكم الفرد إلى حكم القانون، من الدولة إلى المجتمع.
      وبعد الإصلاح والانفتاح، كان الاتجاه العام للتنمية السياسية الصينية هو الديمقراطية، حيث تحول الحزب الشيوعي الصيني، من حزب ثوري إلى حزب حاكم؛ وابتدأ تحقيق الفصل المناسب بين الحزب والدولة، وتقييد النشاطات الحزبية بقانون الدولة؛ بدأ يظهر مجتمع مدني مستقل نسبيا، ويلعب دورا متزايدا؛ ويترسخ حكم البلاد، وفقا للقانون كسياسة أساسية لحكم البلاد، وأقيم نظام قانوني كامل نسبيا بصورة أولية؛ وتمّ تعميم الانتخاب المباشر في المناطق الريفية؛ وأصبحت حقوق الإنسان محمية من جانب دستور الدولة بصورة رسمية.
      إصلاح حوكمة بدرجة كبيرة
      لكن الإصلاح السياسي الصيني في رأي د. يوي كه بينغ، هو إصلاح حوكمة* بدرجة كبيرة، مركز الثقل فيه دوماً، هو تحسين حوكمة الحكومة، ونتيجة إصلاح الحوكمة واضحة بصورة خاصة في المجالات التالية: بناء حكومة خدمية، تحسين نوعية الخدمات العامة؛ دفع ديمقراطية وعلمية اتخاذ القرار؛ تطبيق نظام جلسات الاستماع بصورة عامة؛ تعميم علانية الشؤون الإدارية، ورفع مستوى الشفافية السياسية.
      تفيدنا تجارب التحديث الصيني، أن الرأي القائل “إن أساس شرعية السلطة هو نجاح التنمية الاقتصادية، وارتفاع مستوى معيشة الشعب، بفضل نجاح التنمية الاقتصادية، وإن الحوكمة الديمقراطية ليست لها أية علاقة بشرعية السلطة وثقة الشعب” ليس صحيحاً. اعتبار نجاح الإصلاح والانفتاح الصيني نموذجا لـ”الاستبداد المتحضر” الآسيوي لا يتفق مع الواقع. على العكس من ذلك، لقد دلت التجارب والدروس الإيجابية والسلبية للتحديث الصيني، على أنه بالتنمية الاقتصادية، وارتفاع مستوى معيشة الشعب وحدهما، لا تتعاظم شرعية السلطة، ولا يمكن ضمان دعم المواطنين للحكومة. تفيد البيانات الإحصائية أن أكبر تحد تواجهه الصين حاليا، أو بالأحرى أكبر شكاوى يوجهها المواطنون ضد الحكومة، ليس في مجال التنمية الاقتصادية، بل في المجال الاجتماعي والسياسي، مثل غياب العدالة الاجتماعية، توسع الفجوة بين الفقراء والأغنياء، الفساد المتفاقم للمسؤولين الحكوميين، عدم الاستقرار الاجتماعي، ارتفاع معدلات الجريمة، عدم حماية حقوق المواطنين بصورة جيدة.
      هكذا، لا يمكن الاعتماد على التنمية الاقتصادية وحدها لحل هذه المشكلات، ينبغي دفع الحوكمة الديمقراطية في الوقت عينه. وعليه يرى د. بينغ أن الشيء الواضح جدا هو أن مركز ثقل تطور الإصلاح الصيني في السنوات الثلاثين المقبلة سيتحول تدريجاً إلى المجال الاجتماعي والسياسي. هذا الأمر هو الذي شكّل السبب الجوهري لتأكيد “المفهوم العلمي للتنمية”، ومعنى التنمية العملية، هو التنمية المنسقة والشاملة والمستدامة للسياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع والطبيعة. كما أنه السبب الأساس لتأكيد الحكومة الصينية على أن النظام القانوني الديمقراطي والعدالة والإنصاف هي أولى قيم الاشتراكية.
      لكن، وبحسب د. بينغ، ينبغي الاعتراف بصراحة بأن طريق التنمية السياسية الذي سلكته الصين، خصوصاً طريق السياسة الديمقراطية، يختلف اختلافا كبيرا عن الطريق الغربي. لذلك يصعب فهم السياسة الديمقراطية الصينية، استناداً إلى النظرية الديمقراطية الغربية الجاهزة؛ ويصعب الاعتراف بأن السياسة الصينية هي أسلوب ديمقراطي حسب المعايير الأساسية للسياسة الديمقراطية الغربية. فبحسب هذه الأخيرة، يعتبر نظام التعددية الحزبية والانتخابات العامة والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، معايير أساسية للسياسة الديمقراطية. السياسة الخالية من أي معيار من هذه المعايير الثلاثة، ليست سياسة ديمقراطية. وفقا لهذه المعايير، الصين لا تنتمي إلى “معسكر الدول الديمقراطية”، وليست عضوا في “التحالف العالمي للديمقراطية”.
      لكن وبحسب النظرية الصينية الرئيسية حول الديمقراطية، يجب أن يكون “حكم الشعب” المعيار الأساس للديمقراطية، والشكل الذي يجسد ويضمن “حكم الشعب”، ليس مقتصرا على الأساليب الثلاثة المذكورة أعلاه. كل نظام يستطيع ضمان أن تجسد سياسات الحكومة إرادة الشعب من حيث النظام، وبإمكانية مشاركة المواطنين في الإدارة السياسية للدولة، وأن تمثل السلطة مصالح الشعب فيه، هو نظام ديمقراطي، أياً كان النظام الحزبي أو النظام الانتخابي أو أسلوب توزيع السلطة الذي يتخذه هذا النظام. لذلك يتمسك قادة الصين والعلماء الصينيون الاستثنائيون بالاعتقاد القائل إن الصين لم تنسخ النظام الديمقراطي الغربي، بل سلكت وتسلك طريقا ديمقراطيا ذا خصائص صينية، وتطبق مبادىء ديمقراطية صينية.
      الديمقراطية الصينية
      إذن، ما هي هذه الديمقراطية الصينية هنا؟
      يدعو الحزب الشيوعي الصيني إلى تطبيق أربعة أشكال من الديمقراطية، هي: الانتخاب الديمقراطي، اتخاذ القرارات ديمقراطياً، الإدارة الديمقراطية، والمراقبة الديمقراطية.
      بالنسبة إلى الانتخاب الديمقراطي، يبدو أن حكومة الصين تؤكد على التشاور أكثر، لذلك يرى بعض الناس أن الديمقراطية الصينية هي ديمقراطية تشاورية. حيث تتمسك الصين بقيادة الحزب الشيوعي الصيني وحده، ولا تطبق نظام التعددية الحزبية والسياسة البرلمانية، لكن حكم الحزب الشيوعي، ليس حكما بسيطا لحزب واحد ، بل هو نظام سياسي يتمثل في “قيادة الحزب الواحد، وتعاون الأحزاب المتعددة”. لا تطبق الصين “الفصل بين السلطات الثلاث”، أي بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، كما في الدول الغربية، لكنها تتمسك بالاستقلال النسبي بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، بينما تنتمي هذه السلطات الثلاث إلى ثلاثة أنظمة مختلفة، كل على حدة.
      في المجال الأيديولوجي، لا تزال الصين تتمسك بالمكانة المركزية للماركسية، مع السماح بوجود المذاهب الفكرية الأخرى، ما شكّل وضعاً تتعايش فيه الأحادية السياسية الأيديولوجية، وتعددية الأفكار الاجتماعية.
      في العلاقة بين الجيش والسياسة، تطبق الصين دائما نظام قيادة المسؤولين المدنيين الجيش، ولا تسمح بأن يتدخل الجيش في السياسة، لكنها تتمسك منذ البداية بمبدأ “أن يقود الحزب الجيش”. في العلاقة بين الدولة والمجتمع، نشأ مجتمع مدني مستقل نسبياً، له تأثير متزايد على الحياة الاجتماعية، لكن المجتمع المدني الصيني يتسم بأنه موجّه من الحكومة، مثلما يخضع اقتصاد السوق في الصين لتوجيه الحكومة، لا تتوفر لعدد كبير من المنظمات الأهلية صفة المبادرة الذاتية التي تتسم بها المنظمات الأهلية في الدول الغربية.
      بعد صدور كتاب “الديمقراطية شيء طيب” للدكتور يوي كه بينغ، بدأت مناقشات مكثفة حول الديمقراطية في الأوساط الفكرية والثقافية في الصين. وشملت التساؤلات الآتية: هل الديمقراطية من “القيم العامة”؟ هل الديمقراطية ذات عوامل مشتركة؟ ما هي العلاقة بين عمومية الديمقراطية وخصوصيتها؟
      وقد بيّن د. بينغ في دراساته ومحاضراته بأن الديمقراطية هي قيمة عامة لكل البشر، وهي ذات عوامل مشتركة. ولكن، لأن تحقيق الديمقراطية يتطلب توافر ظروف اقتصادية وسياسية وثقافية معينة، وهذه الظروف متباينة في الدول المختلفة، أو في الفترات المختلفة في الدولة الواحدة.. وعليه، ليس من الموضوعية في شيء أن نرى الديمقراطية في العالم على شكل مستنسخي واحد. إن الديمقراطية في الصين لا تنفصل عن الانتخابات العامة، ومراقبة السلطة، ومشاركة المواطن، لكن نظام الانتخاب، ونظام المراقبة، ونظام المشاركة في الصين ذا خصائص صينية واضحة..
      جملة القول، وانطلاقا من تجارب التنمية السياسية الصينية، ينبغي ألا نعيد التفكير في نظرية الديمقراطية الاشتراكية التقليدية فقط، بل ينبغي إعادة التفكير في النظرية الديمقراطية الغربية السائدة. لم يصبح نمط التنمية الصينية ثابتا نهائيا، لا يزال يواجه تحديات خطيرة كثيرة، لذلك لا يجرؤ كينغ على القول بأن الشكل الديمقراطي الصيني ناجح تماما. لكنه يرى إن الشكل الديمقراطي الصيني يختلف اختلافا بيّناً عن الشكل السوفييتي التقليدي السابق، وشكل الديمقراطية البرلمانية الغربية القائمة. الشكل الديمقراطي الصيني ناتج عن عملية التحديث الاجتماعي الصينية، التي تحفظ الاستقرار الاجتماعي، وتضمن الحقوق الأساسية للمواطن، وتدفع دوما باتجاه الحكم الرشيد. وهكذا، فإن تنمية السياسة الديمقراطية ذات الخصائص الصينية، لا تحقق خيراً للشعب الصيني فحسب، وإنما تقدم أيضا إسهاماً مهماً لنظرية الديمقراطية وتطبيقها للبشرية جمعاء.