سمير عواد -
بتاريخ الواحد والعشرين من ديسمبر عام 1988 سقطت طائرة ركاب من نوع”بوينج” تابعة للخطوط الجوية الأمريكية “بان ام” على بلدة “لوكربي” الاسكتلندية الصغيرة. وأسفر الحادث عن مصرع جميع ركاب الطائرة وكان عددهم 243 بالإضافة إلى طاقم الطائرة وكان عددهم 16. كما قُتل 11 من سكان القرية. وتم العثور بين الركام على بقايا مواد متفجرة منها “سيمتيكس” وعلى الرغم من إعلان بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة مسؤوليتها عن العملية، إلا أنه سرعان ما وُجهت أصابع الاتهام إلى ليبيا التي كانت في ذلك الوقت، في صراع مرير مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
الآن وبعد ربع قرن على وقوع الحادثة، وبعد أن ظن العالم أن ملف القضية قد طوي، بعدما جرت محاكمة دولية وتمت إدانة متهم وإعفاء آخر كانا يعملان للمخابرات الليبية وبعدما حملت الحكومة الليبية السابقة نفسها مسؤولية دفع تعويضات لأقرباء ضحايا الحادث، ما زالت ظروف الحادث غامضة. وبرأي إيريش شميت- إينبوم الناشر والملم بقضايا المخابرات الألماني فإن حادثة “لوكربي” من أصعب الألغاز التي تحتاج إلى حل، ويؤكد أن سبب الصعوبة يكمن في كون أطرافها دولية ومتعددة ولكون هناك مجموعة من سيناريوهات حول مؤامرات، ولذلك فإن شميت – إينبوم ليس لديه أمل كبير بالتوصل إلى حل لمعرفة المجرمين الحقيقيين وراء الحادثة ويقول ان العالم قد لا يعرف هذه الحقيقة أبدا.
أما الفيلسوف النمساوي هانز كوخلر، فله رأي أكثر صراحة، وكان هذا في عام 2000 قد عين مراقبا لمحكمة “لوكربي” من قبل الأمين العام للأمم المتحدة عندما جرت مرافعاتها في مدينة “لاهاي” عاصمة هولندا. وكان حاضرا عندما أصدر القضاة الاسكتلنديون قرارهم بعد المداولات، فأعفوا عن المتهم الأمين خليفة فحيمة وأدانوا زميله عبد الباسط علي المقراحي، وطلبوا بحبسه مدى الحياة. وقال كوخلر: إن قراري بعدما سمعت ما سمعته ورأيت ما رأيته، كان قرارا خاطئا من كل النواحي.
وباعتقاد كوخلر فإن الأدلة التي استندت المحكمة إليها، لم تكن دامغة، منها على سبيل المثال قطعة إلكترونية لا يتجاوز حجمها عن ظفر وتم الزعم أنه تم العثور عليها بين ركام الطائرة، علما أنه تم تقديمها بعد أسابيع، وقيل أنها بقايا صاعق القنبلة التي انفجرت في الطائرة لدى تحليقها في أجواء مدينة “لوكربي” وكانت شركة سويسرية قد باعته إلى ليبيا. ومن وجهة نظر كوخلر فإن الطرق التي تم استخدامها لتقديم الأدلة مثيرة للجدل وكشف أن بعض الفيزيائيين الأسكتلنديين أجروا فحصا تبين لهم أنه لو كانت القطعة الإلكترونية فعلا جزءا من صاعق القنبلة لكانت تبخرت لأن الاختبار الذي أجروه واستخدموا فيه مادة “سيمتيكس” أوضح أن كل شيء سوف يتبخر بسبب الغاز الكثيف الذي يولده انفجار هذه المادة.
ومما زاد الأمور غموضا أكثر، ظهور معلومات من الشركة السويسرية التي صنعت الصاعق والتي أفادت أنه بعد مضي أشهر على سقوط الطائرة فوق مدينة “لوكربي” طلبت الشرطة من الشركة الحصول على نموذج من الصاعق الذي يُعتقد أنه تم استعماله في تفجير قنبلة على متن الطائرة. ويؤكد كوخلر أن القطعة التي تم تقديمها للقضاة على أنها جزء من الصاعق الذي انفجر، هي في الحقيقة جزء من نموذج الصاعق الذي تم الحصول عليه من الشركة بعد مضي أشهر على الحادثة.
ولدى سؤاله لماذا لم يتم الكشف عن الحقيقة خلال المحاكمة قال كوخلر ما يدل على أن المحاكمة في لاهاي كانت سياسية أكثر من كونها جنائية، وعلى سبيل المثال، جلس رجلان باستمرار خلال المداولات، لم يعرف أحد هويتهما بالتحديد، ولم يرد اسميهما في المحاضر، وكانا في الحقيقة ينتميان إلى الشرطة الجنائية الأمريكية FBI، ولوحظ أنهما لم يتحدثا إلى أي شخص، باستثناء المحادثات التي كانا يجريانها باستمرار مع أعضاء فريق الادعاء، وكأنهما يمليان عليهم الأوامر.
هل هذا دليل على أنها كانت فعلا محاكمة سياسية؟
على أي حال يؤكد المراقب الدولي لمحكمة “لوكربي” كوخلر أن هذا الوضع كان قائما خلال كافة المرافعات ومن بداية المحاكمة إلى نهايتها. ويضيف على ذلك ما يؤكد الشبهة بأنها كانت بالفعل محاكمة سياسية وُضعت نتائجها مُسبقاً، حيث يشير إيريش شميت- أينبوم الخبير في شؤون المخابرات والذي راقب مداولاتها عن كثب، أن قرار المحكمة يوضح أنه حصلت وراء الكواليس صفقات كانت على حساب الحقيقة، وكان المقصود منها، حفظ ماء الوجه للولايات المتحدة وبريطانيا وأيضا لليبيا القذافي الذي كان في ذلك الوقت على أتم الاستعداد لدفع مليارات الدولارات لتعود بلاده إلى الحظيرة الدولية. وكانت الولايات المتحدة قبل ذلك تريد التخلص منه بعد أن حرض على تفجير ملهى ليلي في برلين الغربية كان يرتاده جنود أمريكان وكان ذلك في عام 1986، وردت واشنطن على هذا الاعتداء بعد اتهامها ليبيا بارتكابه، غارات على طرابلس وبنغازي، وأدرك القذافي في ذلك الوقت أنه مستهدف وبدأ يبحث عن مخرج من المأزق. وعندما فرض المجتمع الدولي على بلاده عقوبات صارمة، اشتد الخناق عليه ولم يجد بدا من تلبية مطالب الأمريكيين والبريطانيين، خاصة وأنه لم يكن يحظى بمؤيدين في المنطقة وعرض على الأمريكيين والبريطانيين تسليم المتهمين فحيمة والمقراحي وكان شرطه الوحيد أن تتم محاكمتهما على أرض محايدة. ولما سلم القذافي المتهمين في أبريل 1999، تغير الوضع 180 درجة، وفجأة لم يعد القذافي إرهابيا وإنما رئيسا، وهرع إليه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والمستشار الألماني جرهارد شرودر، وأصبح على استعداد لتقديم تعويضات لأقارب الضحايا إذا قبل الغرب أن يتم رفع الحصار عن بلاده في المقابل.
وتمت المحاكمة في ظل هذه الظروف، وكان بديهيا أن كافة الأطراف تريد أن تخرج فائزة منها وحتى المتهم المقراحي الذي تم الإفراج عنه في عام 2009 بسبب تردي صحته خاصة وأنه كان يعاني من مرض السرطان حيث وافاه الأجل في عام 2012 وظل على سرير الموت ينفي مسؤوليته عن الحادث. ويؤكد شميت- أينبوم أن قيام ليبيا بتحويل 2،5 مليار دولار في عام 2002 إلى أقارب ضحايا “لوكربي” يوضح مدى حماس القذافي آنذاك للعودة إلى الحظيرة الدولية كما أن بريطانيا كانت متحمسة لعودة الشركات البريطانية إلى العمل في مجال النفط وهو ما تعكسه الزيارات التي قام بها إلى ليبيا الأمير أندرو بتكليف من شركات النفط البريطانية.
في الأسابيع القادمة سوف يطير إلى ليبيا وفد من المحققين الأمريكيين والبريطانيين لاستجواب عدد من الشهود والمسؤولين السابقين. وقال إيريك هولدر المدعي العام الأمريكي في حفل تخليد ذكرى مصرع 35 من الضحايا الذين كانوا على متن الطائرة المنكوبة وكانوا يدرسون في جامعة “سيراكيوز” في نيويورك أننا ندعو إلى كشف الحقيقية.
هذا بالتحديد ما قد لا يعرفه العالم أبدا حول ما حصل مساء 21 ديسمبر في أجواء “لوكربي، لأن الحقيقة قد تحرج كافة الأطراف المعنية، ولذلك ستبقى على حساب الضحايا وأقاربهم.
بتاريخ الواحد والعشرين من ديسمبر عام 1988 سقطت طائرة ركاب من نوع”بوينج” تابعة للخطوط الجوية الأمريكية “بان ام” على بلدة “لوكربي” الاسكتلندية الصغيرة. وأسفر الحادث عن مصرع جميع ركاب الطائرة وكان عددهم 243 بالإضافة إلى طاقم الطائرة وكان عددهم 16. كما قُتل 11 من سكان القرية. وتم العثور بين الركام على بقايا مواد متفجرة منها “سيمتيكس” وعلى الرغم من إعلان بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة مسؤوليتها عن العملية، إلا أنه سرعان ما وُجهت أصابع الاتهام إلى ليبيا التي كانت في ذلك الوقت، في صراع مرير مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
الآن وبعد ربع قرن على وقوع الحادثة، وبعد أن ظن العالم أن ملف القضية قد طوي، بعدما جرت محاكمة دولية وتمت إدانة متهم وإعفاء آخر كانا يعملان للمخابرات الليبية وبعدما حملت الحكومة الليبية السابقة نفسها مسؤولية دفع تعويضات لأقرباء ضحايا الحادث، ما زالت ظروف الحادث غامضة. وبرأي إيريش شميت- إينبوم الناشر والملم بقضايا المخابرات الألماني فإن حادثة “لوكربي” من أصعب الألغاز التي تحتاج إلى حل، ويؤكد أن سبب الصعوبة يكمن في كون أطرافها دولية ومتعددة ولكون هناك مجموعة من سيناريوهات حول مؤامرات، ولذلك فإن شميت – إينبوم ليس لديه أمل كبير بالتوصل إلى حل لمعرفة المجرمين الحقيقيين وراء الحادثة ويقول ان العالم قد لا يعرف هذه الحقيقة أبدا.
أما الفيلسوف النمساوي هانز كوخلر، فله رأي أكثر صراحة، وكان هذا في عام 2000 قد عين مراقبا لمحكمة “لوكربي” من قبل الأمين العام للأمم المتحدة عندما جرت مرافعاتها في مدينة “لاهاي” عاصمة هولندا. وكان حاضرا عندما أصدر القضاة الاسكتلنديون قرارهم بعد المداولات، فأعفوا عن المتهم الأمين خليفة فحيمة وأدانوا زميله عبد الباسط علي المقراحي، وطلبوا بحبسه مدى الحياة. وقال كوخلر: إن قراري بعدما سمعت ما سمعته ورأيت ما رأيته، كان قرارا خاطئا من كل النواحي.
وباعتقاد كوخلر فإن الأدلة التي استندت المحكمة إليها، لم تكن دامغة، منها على سبيل المثال قطعة إلكترونية لا يتجاوز حجمها عن ظفر وتم الزعم أنه تم العثور عليها بين ركام الطائرة، علما أنه تم تقديمها بعد أسابيع، وقيل أنها بقايا صاعق القنبلة التي انفجرت في الطائرة لدى تحليقها في أجواء مدينة “لوكربي” وكانت شركة سويسرية قد باعته إلى ليبيا. ومن وجهة نظر كوخلر فإن الطرق التي تم استخدامها لتقديم الأدلة مثيرة للجدل وكشف أن بعض الفيزيائيين الأسكتلنديين أجروا فحصا تبين لهم أنه لو كانت القطعة الإلكترونية فعلا جزءا من صاعق القنبلة لكانت تبخرت لأن الاختبار الذي أجروه واستخدموا فيه مادة “سيمتيكس” أوضح أن كل شيء سوف يتبخر بسبب الغاز الكثيف الذي يولده انفجار هذه المادة.
ومما زاد الأمور غموضا أكثر، ظهور معلومات من الشركة السويسرية التي صنعت الصاعق والتي أفادت أنه بعد مضي أشهر على سقوط الطائرة فوق مدينة “لوكربي” طلبت الشرطة من الشركة الحصول على نموذج من الصاعق الذي يُعتقد أنه تم استعماله في تفجير قنبلة على متن الطائرة. ويؤكد كوخلر أن القطعة التي تم تقديمها للقضاة على أنها جزء من الصاعق الذي انفجر، هي في الحقيقة جزء من نموذج الصاعق الذي تم الحصول عليه من الشركة بعد مضي أشهر على الحادثة.
ولدى سؤاله لماذا لم يتم الكشف عن الحقيقة خلال المحاكمة قال كوخلر ما يدل على أن المحاكمة في لاهاي كانت سياسية أكثر من كونها جنائية، وعلى سبيل المثال، جلس رجلان باستمرار خلال المداولات، لم يعرف أحد هويتهما بالتحديد، ولم يرد اسميهما في المحاضر، وكانا في الحقيقة ينتميان إلى الشرطة الجنائية الأمريكية FBI، ولوحظ أنهما لم يتحدثا إلى أي شخص، باستثناء المحادثات التي كانا يجريانها باستمرار مع أعضاء فريق الادعاء، وكأنهما يمليان عليهم الأوامر.
هل هذا دليل على أنها كانت فعلا محاكمة سياسية؟
على أي حال يؤكد المراقب الدولي لمحكمة “لوكربي” كوخلر أن هذا الوضع كان قائما خلال كافة المرافعات ومن بداية المحاكمة إلى نهايتها. ويضيف على ذلك ما يؤكد الشبهة بأنها كانت بالفعل محاكمة سياسية وُضعت نتائجها مُسبقاً، حيث يشير إيريش شميت- أينبوم الخبير في شؤون المخابرات والذي راقب مداولاتها عن كثب، أن قرار المحكمة يوضح أنه حصلت وراء الكواليس صفقات كانت على حساب الحقيقة، وكان المقصود منها، حفظ ماء الوجه للولايات المتحدة وبريطانيا وأيضا لليبيا القذافي الذي كان في ذلك الوقت على أتم الاستعداد لدفع مليارات الدولارات لتعود بلاده إلى الحظيرة الدولية. وكانت الولايات المتحدة قبل ذلك تريد التخلص منه بعد أن حرض على تفجير ملهى ليلي في برلين الغربية كان يرتاده جنود أمريكان وكان ذلك في عام 1986، وردت واشنطن على هذا الاعتداء بعد اتهامها ليبيا بارتكابه، غارات على طرابلس وبنغازي، وأدرك القذافي في ذلك الوقت أنه مستهدف وبدأ يبحث عن مخرج من المأزق. وعندما فرض المجتمع الدولي على بلاده عقوبات صارمة، اشتد الخناق عليه ولم يجد بدا من تلبية مطالب الأمريكيين والبريطانيين، خاصة وأنه لم يكن يحظى بمؤيدين في المنطقة وعرض على الأمريكيين والبريطانيين تسليم المتهمين فحيمة والمقراحي وكان شرطه الوحيد أن تتم محاكمتهما على أرض محايدة. ولما سلم القذافي المتهمين في أبريل 1999، تغير الوضع 180 درجة، وفجأة لم يعد القذافي إرهابيا وإنما رئيسا، وهرع إليه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والمستشار الألماني جرهارد شرودر، وأصبح على استعداد لتقديم تعويضات لأقارب الضحايا إذا قبل الغرب أن يتم رفع الحصار عن بلاده في المقابل.
وتمت المحاكمة في ظل هذه الظروف، وكان بديهيا أن كافة الأطراف تريد أن تخرج فائزة منها وحتى المتهم المقراحي الذي تم الإفراج عنه في عام 2009 بسبب تردي صحته خاصة وأنه كان يعاني من مرض السرطان حيث وافاه الأجل في عام 2012 وظل على سرير الموت ينفي مسؤوليته عن الحادث. ويؤكد شميت- أينبوم أن قيام ليبيا بتحويل 2،5 مليار دولار في عام 2002 إلى أقارب ضحايا “لوكربي” يوضح مدى حماس القذافي آنذاك للعودة إلى الحظيرة الدولية كما أن بريطانيا كانت متحمسة لعودة الشركات البريطانية إلى العمل في مجال النفط وهو ما تعكسه الزيارات التي قام بها إلى ليبيا الأمير أندرو بتكليف من شركات النفط البريطانية.
في الأسابيع القادمة سوف يطير إلى ليبيا وفد من المحققين الأمريكيين والبريطانيين لاستجواب عدد من الشهود والمسؤولين السابقين. وقال إيريك هولدر المدعي العام الأمريكي في حفل تخليد ذكرى مصرع 35 من الضحايا الذين كانوا على متن الطائرة المنكوبة وكانوا يدرسون في جامعة “سيراكيوز” في نيويورك أننا ندعو إلى كشف الحقيقية.
هذا بالتحديد ما قد لا يعرفه العالم أبدا حول ما حصل مساء 21 ديسمبر في أجواء “لوكربي، لأن الحقيقة قد تحرج كافة الأطراف المعنية، ولذلك ستبقى على حساب الضحايا وأقاربهم.